واشنطن للحريري: لا حلفاء بلا مواجهة حزب الله

بعدما انقشع غبار حادثة قبرشمون الامنية والسياسية مع اتمام لقاء بعبدا “للمصارحة والمصالحة”، بات بالإمكان الكشف عن بعض الاوراق التي خفيت عن اللبنانيين حتى الساعة.

حادثة قبرشمون ـ البساتين وان كانت وليدة الساعة في وقائعها ومجرياتها الميدانية، لكنها في الواقع لم تكن الا نتيجة تراكمات سياسية واحتقان ميداني في الجبل، منذ مدة، تقاطعت ملامحه ووقائعه مع انعكاسات تأثيرات الوضع الاقليمي على الساحة اللبنانية والتي لطالما حذرنا من تداعياتها والوصول الى الداخل اللبناني في أكثر من مقالة ومناسبة سابقتين.

وصل لبنان الى لحظة القرار الاميركي خارجا من ازمة كادت تهدد استقرار الدولة والسلم الاهلي. الا ان هذه اللحظة الاميركية تشاء ان تحين في هذه الفترة، إذ لا يزال لبنان يتخبط ليس فقط بأزماته الاقتصادية والمعيشية والمالية بل في ازمة تقرير شكل وماهية سيادته وكيفية مسك مصيره الاستراتيجي بيديه وسحبه من اليد الايرانية المتمثلة لبنانياً بحزب الله.

من هنا يمكن فهم التعاطي الجنبلاطي في موضوع البساتين منذ اللحظة الاولى لوقوع الحادث، إذ إن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط قرأ بتمعن معطيات القرار الاميركي والسياسية الاميركية الجديدة، وهو يعلم، ويجب ان يعلم ان ادارة الرئيس دونالد ترمب ليست ادارة الرئيس باراك أوباما، وان لحظة مضاعفة العقوبات على ايران وحلفائها حانت، خصوصاً ان واشنطن ومنذ زيارات مساعد وزير الخارجية الاميركية ديفيد ساترفيلد الى لبنان، لاحظت التأثير الكبير لإيران وحليفها المحلي حزب الله على الدولة والمفاصل الرئيسية لاستراتيجيته سواء في الداخل اللبناني او في الإقليم، ما سينعكس في المقابل مضاعفة الخناق والتطويق لما يعتبره محور ايران في لبنان، حلفاء لواشنطن بدء من الزعيم وليد جنبلاط.

تكونت لدى الادارة الاميركية فكرة أكثر وضوحا منذ تلك الفترة، إذ أدركت واشنطن الا حلفاء لها في لبنان يمكن ان يؤازروها في مواجهة ايران وحزب الله، فانتقلت الى المرحلة الثانية من العقوبات على حزب الله، طاولت ما طاولته الى الان من شخصيات سياسية وامنية ومتمولين ومؤسسات وشركات والحبل على الجرار.

في الوقت ذاته، كانت خطة الاطباق تحضر على وليد جنبلاط وظهرت طلائعه منذ فترة حتى ما قبل حادثة الشويفات ان لم نقل منذ معركة تشكيل الحكومة في ما يخص حصة جنبلاط الوزارية، من خلال دعم محور 8 اذار للمير طلال ارسلان وتقوية عوده في مواجهة جنبلاط، خلقاً لثنائية 8 آذارية تلاقي ثنائية السنة وثنائية التيار الوطني الحر ـ القوات اللبنانية، كذراع إيراني حليف لحزب الله داخل كل مكون لبناني.

فكانت محاولات تفاهم بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب الله لتنظيم الخلاف والاختلاف، ما لبثت أن سقطت امام ازمة ” البساتين “، إذ أدرك جنبلاط ان الاوان قد حان للتحدث الى الاصيل لا الوكيل، فكان ما كان ورئيس مجلس النواب نبيه بري خير من يعلم عن تحضيراته للقاء المرتقب بين جنبلاط وحزب الله للمصالحة مع ان حزب الله لم يعد واثقا من محاوره، بعدما تبين حجم الدعم الاميركي والروسي والاوروبي الذي حظي به، ليس لشخصه او لسياسته، بل استباقا لمنع تكرار مؤامرة سيدة النجاة.

اشتمت الدول الكبرى عمق المأزق الذي وصل اليه لبنان من خلال الاصطفاف السياسي الذي تجلى بين مكونات 14 و8 اذار، والانقسام العمودي حول حادثة قبرشمون واضطرار الحريري الى الاعتكاف غير المعلن من خلال مغادرته لبنان وتوقف عجلة الحكم والحكومة لمدة نيف و40 يوما. فكان البيان الصارخ من السفارة الاميركية والذي اعد حقيقة في واشنطن، بمثابة اخطار دبلوماسي للبنان من مغبة العودة الى الاستفراد والتنكيل بالفريق السيادي من خلال تحوير القضاء واستخدامه اداة اضطهاد وتنكيل. فالبيان المذكور يمكن اعتباره في الحقيقة مواجهة دبلوماسية خاضتها واشنطن ليس مع لبنان بل مع من يقف وراء السيناريو الذي كان يرتسم والذي عبر عنه خير تعبير في احدى لقاءاته التلفزيونية النائب ماريو عون، سيناريو اعتقال وليد جنبلاط.

وكان التقاطع في اللحظة نفسها بين انتفاضة جنبلاط وفريقه ضد مؤامرة محاصرته والقضاء عليه واشتداد الازمة الداخلية وبين تيقن واشنطن والروس والأوروبيين للخطر المحدق مجددا بلبنان من انزلاقه مرة جديدة في الصراع الداخلي بين من يقف الى جانب إيران ومحورها ومن يقف ضدهما.

وحيث ان اللحظة الاقليمية والدولية هي لحظة المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران، لم يكن بمقدور واشنطن السكوت عن رؤية المحور الايراني في لبنان ينقض على فريق سيادي، وكان لا بد من تغيير الخطة. فتدخل شيوخ الصلح (الرؤساء عون وبري والحريري) لتلقف الازمة التي انحدر باتجاهها لبنان، علما ان رئيس الجمهورية ميشال عون كان اثناء استفحال المواجهة قد فضل عدم التدخل للصلح معتبرا انه ليس شيخ صلح، ما فسر حينها، على انه نوع من غطاء من رأس الهرم في الدولة لاستكمال مخطط تطويق جنبلاط، فيما كان بري منذ البداية أكثر وضوحا في عدم موافقته على خطة التطويق هذه.

كل هذه الحقائق ان دلت على شيء فعلى ما يلي:

اولا: الصعوبات الكبيرة المحيطة بزيارة الحريري الى واشنطن. فالإدارة الاميركية لم تعد تقبل بمنطق ان حزب الله جزء من النسيج الداخلي اللبناني وبانه جزء من الحكم ومشارك في الحكومة والمؤسسات الشرعية وان مواجهته تعني حربا أهلية، وهي تسير في خط تصاعدي في فرض العقوبات وتوسيع رقعتها.

واشنطن تريد من لبنان حكومة قوية متحررة من التأثير الكبير لإيران وحزب الله عليها، والا فإن الثمن سيكون باهظا على الجيش اللبناني والاقتصاد والمال والمصارف والقوة الدولية في الجنوب ودعم لبنان في المحافل الدولية وحماية الاستقرار الداخلي.

ثانيا: لا صوت يعلو حاليا في واشنطن فوق صوت المواجهة مع إيران ولا اعتبار من اي نوع كان لاي حليف الا بقدر مجاراته في تلك المواجهة.

ثالثا: لبنان امام خيار صعب؛ اما الوقوف مع واشنطن التي تحميه وتدعمه واما الوقوف ضدها وعندها يترك لبنان للفوضى والسقوط.

ما اشبه الامس باليوم: بين اما مخايل الضاهر واما الفوضى… واليوم امام مع مواجهة إيران واما الفوضى… فلا مراعاة لخصوصيات لبنان بعد اليوم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل