ريموت كونترول  

تستغرقّ الدولة اللبنانيّة والحكومة ضمناً في دفن رأسها في الرّمال متجاهلة بشكلٍ كلّي الوضع في المنطقة، ويتلقّى لبنان تمرير الرسائل الأميركيّة بـ»التطنيش»، فهو يتصرّف على أنّ الواقع الدوليّ وردي، وأنّ لا طبول حرب تقرع في المنطقة، ويبدو أنّ أكبر الأزمات الخطرة التي يواجهها لبنان هي البحث عن «مطمر زبالة» ليحلّ أزمات النفايات من زغرتا إلى بشرّي، نفس المشهد سبق وعاشته بيروت عندما كانوا يبحثون لها عن مطمر حتى أسست الحكومة مطمر الكوستابراڤا!!

 

حان الوقت لنتحدّث كمواطنين لبنانيين بواقعيّة شديدة مع بعضنا البعض، وأن نكفّ عن التكاذب والتجاذب والاستغراق في تمرير الوقت بصراعات هامشيّة تستنفد ما تبقّى من طاقة الشعب اللبناني على الاستمرار، وعلى الخروج من دائرة اليأس والإحباط من لبنان ودولته وسياسيّيه، فهذا الوطن تسكنه «عفاريت» الشرق الأوسط والخليج وإيران، وإذا أردنا أن نتحدّث بموضوعيّة وصدق مع بعضنا البعض، علينا الاعتراف بأننا لسنا دولة، وأن الدويلات تتالت على دولتنا وسلبتها هيبتها وقدرتها، وأننا نعيش في وطن أسهل الأمور فيه إشعال «فتن» متنقّلة، وتعقيد أمور السياسة والنّاس، وشل العمل الحكومي، وتفجير الاستقرار الأمني بجولة مناطقيّة، علينا أن نعترف أنّ مصيرنا كشعب وكوطن ليس تحت قبة البرلمان، وليس أيضاً في السراي الحكومي وليس أيضاً قصر بعبدا، مصير لبنان حتى الساعة عالق في طهران، هذا الستاتيكو الذي نعيشه رغبة أو حاجة إيرانية حتى الآن، ومتى تغيّرت الحاجة سيتغير هذا الواقع، لذا سنبقى عالقين إلى ما شاء «الوليّ الفقيه»!

 

الوضع في لبنان مأزوم، إقتصاديّاً نحن على حافّة الهاوية، ليس في البلد دورة إقتصاديّة، وعلى لسان اللبنانيّين جملة واحدة «ما في مصاري بالبلد»، والأمور ذاهبة إلى تفاقم، خصوصاً وقد خفت الكلام عن الآمال الوهمية التي وضعت أمام اللبنانيّين تحت عنوان «سيدر»، ولا خطّة توضح للمواطن «كيفية الخروج من المأزق الاقتصادي» هذا وحده يقضّ مضاجع اللبنانيّين، مع ألف علامة استفهام عن ترشيد الإنفاق أو خفضه، بالكاد يعيش اللبنانيّون على ضفاف حافة الفقر، فماذا بعد؟

 

هذا الهدوء بعد عاصفة قبر شمون كشف هشاشة الدولة اللبنانيّة بالمعنى الأخلاقي للدّولة، ككيان له منظومة قيمه وأخلاقياته وهيبته، عندما تنهار هذه المنظومة تسقط الدّولة من عين الشعب، هذه هي الحقيقة ربّما، هذه الدولة سقطت في نظر شعبها، قد يكون هذا هو التفسير الوحيد لمعنى إدارة الشعب اللبناني ظهره للجميع والدّخول تحت قناعة عامّة بأنّ «الناس بدها تعيش»!

في كلّ يوم يشهد اللبنانيّون ألف تأكيد على نهاية دولتهم «ولا يهشّون ولا ينشّون»، حتى الشّجار اليومي وحلبات «الديوك السياسية» التي «ينتف» فيها الفرقاء ريش بعضهم بعضاً على مواقع التواصل الإجتماعي لم تعد تهزّ اللبنانيين عموماً، على الأقلّ اللبنانيّون المنسحبون من لعبة القطعان وشلعات المعزي التي تخوض حروباً واهية ـ لكن أخطر ما فيها أنّها تكشف استعدادها لتتحوّل إلى حرب حقيقيّة ـ بين المتحاربين في العالم الافتراضي!

 

كلّ يُغنّي على ليلاه في هذه الحكومة، توليفة غريبة عجيبة، الآراء فيها متضاربة إلى أبعد الحدود، ولا شيء يدعو عمليّاً للتفاؤل، لأنّ البلد «قاتلتو» الشعبويّة في أوقات الفراغ الطويلة التي يعيشها البلد ما بين «المشكل» و»المشكل»، في انتظار أن تعصف بنا رياح الخارج، نحن فقط  ننتظر هبوب عاصفة ما لينخرط المعنيّون في مشهدها فيميل كلّ فريق ويهبّ مع كلّ هبّة، هذا واقع مرير لكنّه حقيقي، يبدو أن لبنان لا يعيش إلا على إيقاع سياسات تتحكم به من الخارج بالريموت كونترول!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل