وبعدا نسرين بتحب جورج وجورج ما راح!

“عزيزي ابي”، عنوان فيلم شهادة الدبلوم الذي نال عليه شربل جورج ديب العلامة الاولى من الجامعة اللبنانية. لم يشأ ابن الشهيد ان يفرح وحده بالنتيجة، فصعد مع والدته نسرين الى معراب وقدموا هذا النجاح للحكيم.

لم يعرف شربل والده، فالمناضل شهيد زمن السلم المفترض، استشهد وكان ابنه في شهوره الاربعة، وكانت الزوجة بالكاد بلغت العشرين، نسرين الحصني تلك الصبية الارملة ام شربل “نسيتي تقولي عني زوجة الشهيد”، صحيح نسيت، او لعلني تناسيت اذ وجدت اللقب كبيرا جدا على عمرها الطري، ثقيلا على صبية تحدّت ارادة اهلها ولم تكمل علمها لأنها قررت ان تحب جورج فقط، وذهبت معه خطيفة وتزوجته وسكنت مع اهله. هو الوحيد على اخواته الاربع، فصارت ابنة البيت الخامسة وصار جورج كل حياتها حتى بعد مماته… اقصد رحيله.

فالشهيد لا يزال يسكن كل التفاصيل، صوره مدروزة على الحيطان وفي تفاصيل نسرين وشربل، “جورج مرافقني بكل شي انا وشربل، مع انو ما بيعرفو شخصيا بس بيعرف قصتو وبيخبرو كل حكاياتو وسوا عايشين، جورج بالبيت كأنو موجود لان عن جد هوي موجود”، تقول نسرين بثقة تامة.

على الحائط تتربع صورته، عند صمدة العذراء يجلس جورج، في غرفة النوم يرتاح الى الطاولة، هنا جورج وهنالك وهناك “هيدا بيتو ونحنا عيلتو منعلّق صورو بس هو محفور جوا جوا بالقلب”، تقول نسرين.

عندما قرر شربل الذي تخصص بالسينما، ان يخرج فيلما وثائقيا عن والده، كان يريد ان يظهر الناحية الوجدانية من حياة مناضل أحب لبنان اولا ومن بعده كل شيء. عتب شربل لفترة على والده لأنه اعتبر انه أحب بلاده أكثر منه، لأنه اعتنق لبنان حتى خمرة الشهادة. ومع الوقت علم ان الامر يفوق الارادة الشخصية، ان تكون مقاوما في “القوات اللبنانية” يعني ان تحب، ان تحمل كأس الكؤوس، اي الشهادة، وان تتجرّع الكأس احيانا حتى آخر القطرات على درب المسيح.

“كان عندو عتب شربل على بيو لان خسرو قبل ما يعرفو كرمال هالحب الكبير لبلادو، ولما نضج اكتر فهم انو جورج حب وراح للآخر بهالحب واحترم كتير ارادة بيّو”، توضح نسرين. الفيلم الوثائقي الذي استمر تحضيره لنحو السنة، اخذ شربل الى مطارح ما كان ليتوقعها عن والده، لم يشأ شربل الخوض في السياسة من خلال الفيلم، بل تحدث عن معاني الاستشهاد وعن هذا الحب الغريب الذي يدفع بشاب لان يفضل بلاده على كل ما عداها، “اخد معو سنة كاملة تحضير واصعب مرحلة كانت الانفجار للي ادى لاستشهاد جورج بمنطقة الدورة”.

كيف يكتب ابن موت والده المفجع؟ كيف تعيش صبية حكاية هذا الموت وهي بعد في العشرين وابنها في شهوره الاربعة؟ “جورج باستشهادو منحني قوة غريبة، موته كان من أصعب ما مر علي في حياتي لكن ورغم الأسى والحزن وصعوبة الفراق، كنت اجده دائما بقربي. بكل المراحل جورج رفيقي صديقي حبيب قلبي وكل حياتي”.

لا تزال نسرين مغرمة بزوجها رغم مرور واحد وعشرين عاما على غيابه، من ذاك الـ19 حزيران 1998 المشؤوم حين وضع له الجهاز الامني السوري اللبناني انفجارا في سيارته في منطقة الدورة واستشهد مع رفيق له. ولم يكتفوا يومها بالاغتيال بل حاولوا تشويه صورته ونشر شائعات عنه وعن القوات اللبنانية، ولم ينجحوا، فالبطل الذي خاض معارك الشرف على جبهات الوطن، كانت بطولاته اقوى من اجرامهم، وتعلّق جورج ديب ايقونة كما رفاقه على صدر المقاومة اللبنانية ولا يزال.

“بالأول عتبت عليه لانو تركنا ورفضت زور قبرو بدير الاحمر، ومع الوقت تصالحت مع ربي وقبلت قدري وطلعت زرتو، بس هوي مش هونيك، هوي هون كل الوقت، حدي وداعمنا الاول الي ولشربل، ورغم الوقت القليل للي قضيناه سوا بس للي كان يجمعنا قوي لدرجة لا توصف وبعدو هالرابط لليوم”، تقول نسرين”.

طيب كيف لامرأة ان تبقى تحب بهذا العمق غائبا تعرف انه لن يعود يوما؟ الم تغرمي نسرين مرة اخرى انت الصبية الحلوة؟ تضحك تضحك من قلبها “انا مغرومة بجوزي، بحبو قد الدني وعندي شربل دني بحالها، مش بحاجة حتى حب حدن تاني، عندي من يملأ كل حياتي بالحب، شربل وجورج!”.

في كل مهرجان من مهرجانات معراب نرى نسرين، ام شربل، نسمعها، نطرب لها، هي قائدة اوركسترا موهوبة جدا، هي مرنمة منشدة مغنية، صوتها الجميل يتفاعل مع كل نوتة تنشدها، هي تقود الفرقة وابنها من ضمن الكورال ايضا “بغني قد ما بدك بس وقت بلش بالاناشيد الثورية والاغاني الوطنية بصير بمطرح تاني والكل بيلاحظ انو صوتي بيصير اجمل، بحس بكل غنية للبنان عم اهديها لجورج، بكل اغاني القوات في جورج ومعو كل الشهدا وكل المناضلين رفاقنا الاحياء”.

وبتقولوا بعد انن راحوا؟! راحوا وبعدن في قوات يعني بعدن ما راحوا. ليس في الصور ولا في الاناشيد، ولا في الاحتفالات والقداديس فقط، بعدن هون في القلب، على شغاف الحب يتربعون، يمشون، يهدرون بحضورهم، هم هنا لان ثمة الالاف من نسرين وشربل بعد. هم هنا ونحن هنا نحمل مشاعلهم ونمضي الى نضالنا الذي من اجله استشهدوا فعاشوا فينا وعاش لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل