
تتغذى مصالحة الجبل بجرعة مدعمات سياسية جديدة بعد أسابيع من إنهاك عايشته على أثر الأجواء المشحونة التي رافقت أحداث البساتين – قبرشمون. وقد اعتزمت “القوات اللبنانية” تحضير لقاء روحي يبارك ذكرى هذه المناسبة، في صالون كنيسة مار شليطا – شرتون، بعد ظهر يوم أحد (امس)، تأكيدا على أن المصالحة ليست عليلة أو معطوبة، رغم كل ما يلوح من تجارب قاتمة في الأفق، يأبى جناحا الجبل الماروني – الدرزي الدخول فيها مجددا.
وتحل لقاءات سياسية من هذا النوع، محطة سنوية راسخة، رغم الإشباع الذي قيل في المصالحة وعنها على مدى سنين. وعلمت “النهار” ان اللقاء كان مقررا قبل واقعة البساتين، ولا رابط بين المحطتين. وتبرز مجموعة عوامل جوهرية، دفعت “القوات” الى تنظيم لقاء سياسي من هذا النوع، بحسب ما تروي اوساط معراب عبر “النهار”:
– يتخذ اللقاء طابعا سياسيا، فلا يمكن أن تمر ذكرى المصالحة من دون التأكيد على هذا الحدث المفصلي في تاريخ لبنان الحديث.
– يرسخ لقاء شرتون المصالحة، وهو فعل إيمان بها من قبل “القواتيين”. وتكمن أهمية هذه المحطة في أنها فتحت الباب أمام انتفاضة الاستقلال وأسست لإخراج الجيش السوري من لبنان. وهي طوت محطات أليمة في تاريخ لبنان بدءا من اضطرابات 1841، مرورا بأحداث 1860 ووصولا الى حرب الجبل 1983. وتترفع المصالحة عن الزواريب السياسية الداخلية الضيقة، وهي ترتقي إلى أهمية استراتيجية قصوى في البعد اللبناني على مستوى العبور الى السيادة والاستقلال وترسيخ العيش المشترك وتنقية الذاكرة وتأسيس إلى مستقبل مشترك بين اللبنانيين، ما يجعل منها مناسبة عابرة للطوائف.
– أرادت “القوات” التأكيد على أن المصالحة ليست يتيمة، وهي لا تزال مصونة بسواعد “القواتيين” والتقدميين الاشتراكيين رغم رحيل بطريرك الاستقلال مار نصرالله بطرس صفير. وهي تاليا، محطة من شأنها ترسيخ التحالف العميق بين رئيسي “القوات” سمير جعجع والتقدمي وليد جنبلاط.
– استدعت مجموعة ظروف وعوامل مستجدة، عقد لقاء سياسي من هذا النوع هذه السنة. فإذا كان لا بد من تأكيد المؤكد، إلا أن “القوات” استشعرت خطورة محاولات التشكيك المتواصلة بهوية مصالحة الجبل، من قبل قياديين بارزين في “التيار الوطني الحر”. ويردد مصدر قواتي مقولة إن “حدود الحملة المبرمجة توسعت وأضحت مكشوفة، ووصلت من عطاالله الشوف إلى عطاالله الكورة”، والمقصود هنا وزير المهجرين غسان عطاالله الذي كان تبنى نظرية خوف المسيحيين من النوم في منازلهم بالجبل والنائب جورج عطاالله الذي اعتبر قبل أيام أن المصالحة لم تتم. ويتساءل المصدر القواتي: ما علاقة نائب الكورة بمصالحة الجبل؟.
تطرح تساؤلات عدة عن السبب الذي دفع “القوات” إلى عقد لقاء سياسي في صالون كنيسة، علما ان لقاءات سياسية سابقة كان الحزب عقدها في باحات خارجية، وآخرها اللقاء الانتخابي في نيسان 2018 في بلدة رشميا، بحضور النائب السابق أنطوان زهرا ووزير التربية أكرم شهيب. فهل يترجم لقاء كنيسة شرتون ردا على قداس “التوبة والمغفرة” في دير القمر؟
تعتبر اوساط معراب أن “المسألة لوجستية بحتة. نحتاج إلى مكان، ولا قاعات كبرى في البلديات. اخترنا عقد اللقاء في بلدة شرتون انطلاقا من موقعها في عمق منطقة عاليه، وهي بلدة تتمتع بتاريخ نضالي ومقاوم وذات حضور قواتي وازن وفاعل وانطلاقاً من إيمان أبنائها بالعيش المشترك”.
لم تنس “القوات” قداس دير القمر وما تلاه من تطورات سياسية سلبية في الجبل. وتذكر الأوساط القواتية بموقف معراب الرافض المشاركة في القداس وقتذاك، رغم تلقيها دعوة من الحزب التقدمي. وتكشف الأوساط “أننا تمنينا على جنبلاط ونصحناه رفض اللقاء في دير القمر، ذلك أن المصالحة حصلت ولا مغزى من قداس من هذا النوع، قبل أن يفاجأ الأخير بخطاب باسيل. وكان رد جنبلاط على النصيحة القواتية بأنه لا يريد أن “يزعل” العونيين خصوصا أن الفكرة نابعة منهم، فاذا اعتذر عن القداس سيتهم برفض التعاون ومد اليد”. وتلفت الأوساط إلى أن “رفض القوات حضور قداس دير القمر أتى من خبرة سابقة بتصرفات الفريق العوني غير المؤمن بالمصالحة، والمتطلع إلى عملية انتقامية من البطريرك صفير. لم يقبل التيار الحر بمصالحة درزية – مسيحية على يد البطريرك الماروني بمشاركة القوات اللبنانية. وهم أرادوا مصالحة تمر من خلالهم، انطلاقاً من منطق يؤمنون به، وهو أن التاريخ يبدأ معهم وينتهي عندهم. وما لبثت الايام ان اثبتت ان لقاء دير القمر كان بمثابة طعنة في الظهر تلقاها جنبلاط”. وبذلك، يحل لقاء كنيسة مار شليطا – شرتون مؤكدا أن “البديل لا يمكن أن ينوب عن الأصيل”، وفق تعبير الاوساط.
من جهتها، تعول مصادر الحزب التقدمي على أهمية لقاء شرتون الذي من شأنه أن يؤكد على أهمية المصالحة وصحة العلاقة بين مكونات الجبل.
وفي الخلاصة، يعكس لقاء شرتون ارتياحا كبيرا للعلاقات بين المسيحيين والدروز في المنطقة. وتقول أوساط “القوات” إن “العلاقات بين مكونات الجبل لم تهتز رغم الخطابات المتهورة الخارجة عن المألوف من قاصرين عن العمل السياسي. ومن هنا، بدأ المسيحيون والدروز يشعرون بأهمية تمتين العلاقة الثنائية للحفاظ على ما تحقق. ويجسد لقاء شرتون حاجة لأبناء المنطقة لإبعاد الطرف الذي يريد أن يزرع الفتنة مجدداً”.
وفي هذا السياق، تأكد أن ما يتداول اعلامياً منذ أكثر من أسبوع عن زيارة مرتقبة يحضرها جعجع إلى الجبل، هي معلومات غير دقيقة. لا زيارة مقررة لجعجع الى الجبل. اذا، لا لقاء رسمي تطبخ ظروفه على نار هادئة. وهنا، تؤكد اوساط معراب على “دعم القوات الكامل لجنبلاط. اما اللقاء فله ظروفه. لكن لا لقاء مقررا، ولا زيارة رسمية كما يحكى”.