#adsense

لبنان وطناً للسياحة الدينية – 1

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1697

لبنان وطناً للسياحة الدينية

ملايين الزوار طلبًا للشفاعة والسلام الروحي (1)

 

معروف أن السياحة في لبنان تشكل أكثر القطاعات نشاطًا، حتى في الظروف التي تتعثّر فيها حركة النشاطات الأخرى، إلا أنّ السياحة الدينية آخذة في النمو اللافت منذ عقود نظرًا لاعتبارات عديدة، ما جعلها تشكّل رافعة لأنواع السياحات الأخرى عندما تهتز الأوضاع أو تكثر المعوقات. فالمزيج اللبناني من أتباع مختلف الأديان والطوائف جعله زاخرًا بالمواقع الدينية لا سيما المسيحية منها والتي لا مثيل لها في أنحاء المنطقة ومقصدًا لهذه السياحة. فمنذ أن وطئت قدما السيد المسيح أرض لبنان وحصول أولى العجائب بتحويل الماء إلى خمر في قانا الجنوبية، وصولاً إلى رفع قوافل القديسين على مذابح الرب وآخرهم إعلان البطريرك الماروني الياس الحويك مكرّمًا، تتشكل طاقة روحية جاذبة للزائرين من مختلف البلدان والطوائف. يُضاف إلى ذلك أن ما حفل به التاريخ اللبناني من نضالات وبطولات اختلط فيها الحياتي بالروحي، رسّخت على مر السنين مواقع باتت زاخرة بالتميّز ومقصدًا مهمًّا وملهمًا للزوّار وإن كان كل منهم لاعتبارات تختلف عن الآخر. وقد ساهم في تفعيل ذلك، إدراج الفاتيكان لبنان بين وجهات الحج الديني للعام 2019.

 

في شباط الماضي زار وفد من الوكالة الفاتيكانية للسياحة الدينية والحج «أوبّرا رومانا» لدفع الترتيبات الخاصة بعودة الوكالة الى لبنان وإدراجه في لائحة دول السياحة الدينية بعد انقطاع إمتد لسنوات. وجال الوفد في عدد من المناطق اللبنانية وعاين إمكانيات إستقبال الحجاج. ثم زار بيروت وفد ثان في آخر آذار الماضي لمباشرة تطبيق التدابير السياحية الضرورية لإنجاح خطة العمل. المهم في هذه الخطوة أنها تعزز القطاع السياحي في لبنان وتعزز إستدامته طوال فصول السنة، نظرًا لكون السياحة الدينية غير مرتبطة بالعوامل المناخية أو حالات الطقس، لأن الأماكن التي يمكن زيارتها للسياحة متوافرة دومًا، وليس الهدف من زيارتها الإستجمام أو الراحة.

وتؤكد الدراسات الحديثة في هذا الخصوص أن السياحة الدينية تشكّل أنشط السياحات حول العالم. ويرى العديد من المتابعين أنها تتقدم بسرعة لتحتل الموقع الأول بين النشاطات السياحية الأخرى. ويعيدون ذلك إلى أنّ المقاصد السياحية الأثرية أو الترفيهية يمكن الإستعاضة عنها في حال اعترى الوجهة المقصودة أي عائق، سواء أكان أمنيًا أو سياسيًا أو إرتفاعًا مفاجئًا في الأسعار أو غير ذلك. أما المقاصد الدينية فلا يميل الزوار إلى الإستعاضة عنها. فمَن ينوي زيارة القدس أو الفاتيكان أو مديغوريه أو مكة أو النجف أو حريصا ومار شربل ووادي قنوبين… ومثلها العديد من المواقع، لا يغيّر وجهته، لأنّ دافعه الإيمان ووجهته بمثابة نذر. وإذا كانت الأحداث والإضطرابات تشل الحركة باتجاه المواقع السياحية الثقافية أو الترفيهية وما إلى ذلك، فإنها تزيدها باتجاه المواقع الدينية ومراكز العبادة، طلباً للشفاءات وتدخّل الله في أعمال الأرض.

من هذا المنطلق يحتل لبنان مراتب متقدّمة في السياحة الدينية، ويشكّل وجهة مقصودة ومتنامية الحركة عامًا بعد عام. فلبنان بات يُعرف بوطن القديسين، تعمُّه المواقع الدينية من شماله إلى جنوبه، وتتوزع هامات القديسين وذخائرهم في كل أرجائه، وتلوح أطيافهم فوق جموع المؤمنين الذين باتوا أكثر شغفًا، ليس للزيارات والتبارك فقط، بل لتكرار تلك الزيارات نظرًا لما يحصلون عليه من إستجابة أو من راحة نفسية وسلام روحي. فأرض لبنان، وَرَدَ ذِكْرها مرارًا في العهد القديم من الكتاب المقدَّس، ويسوع ألقى على أرض لبنان أكثر من عظة، واجترح أكثر من أعجوبةٍ بين صور وصيدا. ويذكر التاريخ أن المسيحيين الأوائل ظهروا في لبنان منذ عهد الرسل، وزارهم غير مرةٍ بولس الرسول الذي مرَّ بصور وهو في رحلته الأخيرة إلى القدس حيث اعتُقِل.

زيارات ومزارات

المزارات الدينية منتشرة في مناطق لبنانية متعددة، منها ما لها الطابع الديني، كمزار سيدة حريصا الذي بات مقصدًا عالميًا يؤمه الزوار من مختلف أنحاء العالم ومن مختلف الطوائف، وكذلك دير مار مارون عنايا حيث ضريح القديس شربل، وغيرهما من المزارات. ومنها ذات الطابع التاريخي كدير مار يوحنا مارون في كفرحي وسيدة النورية في حامات ووادي قنوبين ودير مار أنطونيوس قزحيا، وعدد غير قليل من الكنائس والأديرة الأثرية، حيث يفد ملايين الزوار سنويًا مشكّلين الرافد الأساسي للسياحة في لبنان، بعد تراجع أنواع السياحات الأخرى، ومنها سياحة التسوّق وسياحة المؤتمرات والسياحة الترفيهية، لألف سبب وسبب.

فمعبد سيدة لبنان في حاريصا يستقبل أكثر من مليون ومئتي ألف زائر سنويًا، أغلبهم من اللبنانيين والعرب والإيرانيين. وبات الموقع مقصدًا عالميًا إستدعى تنامي الوفادة إليه إنشاء التلفريك وإقامة المطاعم وأماكن الترفيه ومتاجر التذكارات الدينية والوطنية. وهذا ما يحرّك النشاط الإقتصادي الذي افتقد محركاته، خصوصا في السنوات الأخيرة.

ويحج إلى مزار ضريح القديس شربل في عنّايا أكثر من 4,5 ملايين زائر خلال السنة. وهو بات يشكل ظاهرة في الزحف البشري في الثاني والعشرين من كل شهر. وطبعًا لا يقتصر الزوار على المسيحيين بل من جميع الطوائف والجنسيات. ويقول برازيليون من أصل لبناني وفدوا إلى لبنان للتعرّف إلى جذورهم وزيارة الأماكن السياحية الذائعة الصيت، أنهم يودون أولا زيارة ضريح القديس شربل صانع المعجزات، وذلك وفاء لنذر قدموه عن نية إبنة أحدهم التي خضعت قبل عام لعملية جراحية دقيقة، ويؤمنون بأن القديس شربل رافقهم في محنتهم تلك. وقد روى هؤلاء أخبارًا لافتة عن تعلّق البرازيليين من أصل لبناني بالقديس الذائع الصيت.

من جهته يُبرز الأب لويس مطر القيّم ووكيل الدير ومسجل عجائب مار شربل، أن أبواب المقام مفتوحة لجميع الناس، مسيحيين ومسلمين، وتستمر زيارة المؤمنين للمكان المقدس طول السنة وتكثر الزيارات بشكل مكثف خلال المناسبات والمواسم الدينية بهدف الحج والصلاة وطلب الشفاعة. ويشدد الأب مطر على وجود جميع الخدمات اللازمة لتأمين راحة المؤمنين وتوفر المطاعم ونقاط شراء التذكارات أو تحسين خدمات المواصلات ووسائل النقل الحديثة وتأمين المواقف لآلاف السيارات. واللافت أنه حتى منتصف الليل تكون ساحات الدير ما زالت مكتظة بالمؤمنين الساجدين عند قاعدة نصب القديس أو في باحات المحبسة المجاورة.

ويورد الأب مطر أرقامًا لافتة حقاً عن الحركة الى الدير، حيث تتم مناولة مليون و200 ألف قربانة سنويًا، وهناك 133 دولة تراسل الدير ويبلغ عدد الرسائل 180 ألف رسالة. أما الأعاجيب فبلغت الى الآن 29,274 أعجوبة، 10 في المئة منها حصلت مع غير المعمدين.

مزار سيدة زحلة والبقاع هو الآخر بات محجا ومنارة للزائرين وأيضا من جنسيات مختلفة. وقد أدرج المقام في العام 2018 على لائحة السياحة الدينية. وهو يشهد عشرات الآلاف من الزيارات سنوياً، وخصوصًا خلال شهر أيار من كل عام للسياح اللبنانيين والعرب والأجانب، ما جعل منه محجًا يقصده المؤمنون للتبارك. فما من زائر الى مدينة زحلة يقصد مقاهي البردوني أو غيرها من المعالم السياحية في المدينة إلا ويتجه لزيارة مقام سيدة زحلة والبقاع، لإن إسم زحلة ارتبط باسم هذا المقام فأضحى دليلاً واضحاً للمدينة. فمن خلال العذراء مريم ينشدون الطريق الى يسوع المسيح، حيث يشكل المزار واحة للصلاة يرتاح فيها كل إنسان يطلب الشفاعة والتأمل.

هذه المواقع وغيرها الكثير على إمتداد لبنان، على أهميتها، إلا أن موقع وادي قنوبين الذي أدرج على لائحة التراث العالمي، يتميّز في كونه موقعًا طبيعيًا رائعًا ومعلمًا تاريخيًا فريدًا ينطوي على خمسة عشر قرنا من النضال والإيمان والإضطهاد، ومقصدًا دينيًا يضم أضرحة لبطاركة قديسين وأديرة من مغاور وكنائس نُقشت في الصخر كما حكايات البطولة والقداسة التي نُقشت في الذاكرة الجماعية لشعب لا يموت. يشتهر في الوادي دير سيدة  قنوبين، وهو كان من القرن الخامس عشر حتى التاسع عشر مقر البطريركية المارونية. وعلى مسافة قصيرة من الدير، كنيسة القديسة مارينا (وفيها رفات 18 بطريركاً مارونياً). ودير مار إليشاع، مبنيٌّ في فجوة صخرية كبيرة أنشأ فيها الزهاد غرفاً لهم وخلايا، وردَ ذكرها في كتابات رحالة زاروه في القرنين السابع عشر والثامن عشر. ودير مار سركيس، كان قبراً، ولم يبق منه سوى مذبح على فوهة في قلب الصخر في جو من الصمت والخشوع والصفاء.

وعلى المقلب الثاني من البلد الصغير، في الجنوب، ترقد قانا التي باتت مؤخرًا موقعًا سياحيًا، بعدما عمدت وزارة السياحة الى تأهيله. وذكر القديس يوحنا في إنجيله أن عُرسًا جرى فيها، حَوَّلَ يسوع خلاله الماء الى خمر، فكانت تلك أعجوبته الأولى. ويُقال إن منها سمعان القانوني (أحد رسل المسيح الاثني عشر) وبرتلماوس الرسول. ويستند المؤرخون كثيرًا في آرائهم الى كتابات أوزابيوس ومؤرخ الكنيسة (القرن الثالث)، والى القديس إيرونيمس (القرن الرابع) تدعمها نصوص الأناجيل وآثار محفورة في الصخور، وأجاجين لا تزال في المكان حتى اليوم.

وطن بمواقع كثيرة

مواقع الحج الديني في لبنان أقرب إلى حبات المسبحة منها إلى مزارات وأديرة متناثرة في كل الأرجاء.. فالأرض اللبنانية غنّاها «نشيد الأناشيد»، وأُعلنت وقفًا للرب. وعلى مرّ العصور لم تكن أقل من ذلك، فتحوّلت منبتًا للقديسين وموئلًا للمؤمنين ومقصدًا للزائرين. وعلى مدى قرون، كانت الحياة الروحية والنسكية تجد في أرض لبنان إحدى أجمل واحاتها للتأمُّلِ والصلاة، وموطنًا خصبًا للدعوات الرهبانية والكهنوتية. وعبر هذا التاريخ الطويل تجمّعت عشرات بل مئات المواقع الدينية التي باتت محجًّا للمؤمنين، وتوزعت على امتداد المناطق اللبنانية من العاصمة إلى الجبل والشمال والجنوب والبقاع.

فبيروت تشكل نموذجًا نابضًا لتلاقي المذاهب والأديان والطوائف. كنائسها الخمس الكبرى باتت مقاصد سياحية أكثر منها مجرد كنائس، وهي: كاتدرائية مار الياس وسط العاصمة، والتي يعود بناؤها إلى العام 1849. خرّبتها الحرب فاستعادتها أبرشية الروم الكاثوليك وانتهت أعمال تأهيلها عام 2006. وكاتدرائية مار جرجس المارونية التي تَمّ تشييدها بين 1884 و1894 ورُمِّمَت سنة 1953 مع تعديلات أساسية فيها، وهي حضنت أهمّ أحداث الحياة اللبنانية قبل حرب 1975. وكاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس وهي موصوفة بأنها من أجمل وأقدم كنائس بيروت إن لم تكن أقدمها. يرجح تشييدُها في القرن السابع عشر على أنقاض كنيسة القيامة (القرون الأولى) قرب مدرسة الحقوق الرومانية الشهيرة. وكنيسة القديسين غريغوريوس وإليان للأرمن الكاثوليك، وكانت عند تشييدها في العام 1860 أول كنيسة للأرمن الكاثوليك في لبنان. ثم كاتدرائية مار لويس للكبوشيين قرب السراي الكبير، والتي بنيت عام 1864. وهناك العديد من الكنائس الأثرية منها كنيسة مار مارون – الجميزة، والكنيسة الإنجيلية الوطنية، وكنيسة مار الياس المارونية، وكنيسة نياح السيدة وكنيسة البشارة الأرثوذكسيتان، والقديسة كاترينا، والقديس نيقولاوس، والقديس ديمتريوس، ودير النبي إيليا. إلى جانب مطرانية الروم الأرثوذكس القديمة العهد.

وفي جبل لبنان هناك مقر البطريركية المارونية في بكركي الذي يعود بناؤه إلى العام 1830، وكنيسة سيدة إيليج الأثرية في ميفوق ويعود بناؤها إلى العام 1121، وهي كانت ذات فترةٍ مقرَّ البطاركة الموارنة، ولا تزال على أحد جدرانها كتابة سريانية. ودير سيّدة يانوح في قرطبا، وكاتدرائية مار يوحنا مرقس – جبيل، وهي تعود الى الفترة الصليبية. وكاتدرائية القديس بولس في حريصا. إضافة طبعا إلى دير يسوع الملك الذي بني بمسعى من الطوباوي يعقوب الكبوشي، ومنزله الوالدي في غزير الذي بات محجًّا للمؤمنين بعد إعلان تكريمه ثم تطويبه. والعديد من الكنائس والأديرة الأثرية الأخرى، ومنها كنيسة سيدة التلة – دير القمر، ودير المخلِّص – جون – الشوف، وبطريركية كيليكيا الأرمنية الأرثوذكسية في أنطلياس.

وفيما يزخر شمال لبنان بمواطن النسك والمزارات المقدّسة، يبرز فيه، في ما خلا وادي قنوبين، المقر البطريركي الصيفي في الديمان، والمنزل الوالدي للقديس شربل، ودير مار أنطونيوس قزحيا، وهو من أقدم أديار الوادي المقدَّس، ونموذجٌ للحياة النُّسكية. يعود بناؤه إلى مطلع القرن الخامس، وفيه نشأت أول مطبعة في الشرق (نحو عام 1585) صدر عنها أول كتاب: «المزامير» (نحو عام 1610 وما زالت نسخة منه محفوظة في مكتبة جامعة الروح القدس- الكسليك)، ثم عددٌ من الكتب الليتورجية والدينية. وكنيسة مارماما إهدن، المبنية على أنقاض معبدٍ وثني مقدوني مهدى الى إله الشمس. يعود بناؤها الى العام 748،وهي من أقدم الكنائس المارونية في لبنان. وهناك سيّدة المراحم في مزيارة، وهي كناية عن مزار كبير حديث، في موقع طبيعي جميل، مكرّس للسيدة العذراء. وكنيسة سيدة الحصن، ودير مرت مورا، ودير مار سركيس وباخوس،في إهدن.

وفي الكورة هناك كنيسة مار جرجس المبنية على أنقاض معبدٍ وثنيٍّ قديم، رمَّمها المؤمنون في الفترة الصليبية، يمتد منها نفقٌ كان يصلُها بمغارة محاذية لكنيسة مار يوحنا، لكنه تهدَّم بعوامل طبيعية. ودير حمّاطورا – كوسبا وهو في قلب صخرة عالية على تخوم أميون وكوسبا. يقصده المؤمنون مشياً في طريقٍ وعرة يخفِّفُ من هولها منظرُه وموقعُهُ الأخّاذ. يضمُّ الدير رسوماً من القرون الوسطى ظهرت بعد حريقٍ اندلع فيه مطلع التسعينات. وطبعا من معالم الكورة الدينية الأثرية دير السيدة والقديس جاورجيوس في البلمند، الذي يعود بناؤه إلى ثمانية قرون، ويقوم على تلة فوق طريق طرابلس الدولية. بناه الرهبان السيسترسيون وهو أوَّل دير لهم وراء البحار، وأعطَوه اسم «بيل مون» (التلّ الجميل)، ومنها انطلقت تسمية البلمند. وهو مَعْلَمٌ روحيٌّ عريق للكنيسة الشرقية، شعارُهُ قول المسيح: «تعرفون الحق، والحق يحررُكم». إضافة إلى دير سيِّدة النورية – حامات المبني على قمّة جرْفٍ صخريٍّ أخّاذِ، وهو مَعْلَمٌ أرثوذكسي عجائبي، بني بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، وإلى كنائس أثرية في أنفه.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل