عيونك عيوني بيي… انا ايلي ابن ايلي ضو

 


مين خلّف ما مات! احيانا قد يحصل، او غالبا يحصل الا عند من يحوّلون الرحيل الى رسالة، والغياب الى حضور يومي، والاشتياق الى حوار بين السماء والارض قد يتجاوز أي حدود منطقية، وحدها السماء تفهم لغة من جعل الشهيد روحا طيبة تنغل في البيت حياة.

لا يسكن الشهيد ايلي ضو إطار الصورة الى حائط البيت، من ذاك الـ23 كانون الاول 1990 وهو يسكن البيت كله، هذه ارضه ولم يغادرها بعد. لا يسكن شهيد لنا في قبره، والله لا يفعل، ولا في الجماد او النسيان، انما الحياة الباقية من حوله هي كل حياته. له ألف حياة بعد الاستشهاد ولا نقول بعد الممات. نحن ابناء القيامة في المسيح وقيامتنا في اولادنا وناسنا ومقاومينا وقضيتنا “بيي عايش معي بكل تفاصيل حياتي انا واخوتي وامي، ما بتصدقي انو بيي بعدو لليوم عايش بمحبة الناس الو هون بكفرشيما”، يقول ايلي ايلي ضو.

تسعة وعشرون عاما مرّت على تلك الليلة المشؤومة، التي لم ترحم أجواء الميلاد ولا البطل الذي قدّم حياته خدمة للأرض والناس، ولا حتى الزوجة الحامل على باب الولادة. كان المناضل يحضّر لحفل ميلادي في مركز البلدة، والزمن سلم مفترض، وكان عليه ان يرتدي ثياب بابا نويل ليقدم الهدايا للأولاد. جاء الى البيت ليرتاح قليلا ويأكل التبولة من ايدي ام بشير، زوجته، كان عنده بشير ابن السنوات الست، وانيس اربع سنوات وينتظر الثالث بفارغ الصبر.

كانت وصلته الكثير من رسائل التهديد والتحذيرات بضرورة مغادرة كفرشيما، خصوصا بعد احداث 13 تشرين الدامية، رفض الهروب ولم يستسلم، حتى الحكيم تمنّى عليه المغادرة وكان يعرف في سره ان ايلي لن يفعل، ولم يفعل، “ما بترك اهلي هون وبهرب، الرب حامي”، كان يردد امام رفاقه وللحكيم رفيق نضاله.

وذات مساء تربصوا به، قرع المجرمون باب البطل، فتح لهم وقال تفضلوا ولما دار ظهره امطروه بالوحشية، ولم يكتفوا بهذا القدر، بل دخلوا المطبخ وأمطروا الزوجة الحامل بوابل رصاص أكثر عنفا. دارت الرصاصات السبع دورتها حول الجنين الذي نجا وأمه بأعجوبة خارقة، وولد ابن الشهيد وسُمي على اسمه، “انا ما بعرف البابا شخصيا بس كأني بعرفو من زمان كتير، عايش قصصو كلها وبعرف كل تاريخو النضالي، ومعجب فيه، وما بعمل شي بحياتي الا والبابا مرافقني متل خيالي”، يقول ايلي الذي رسم دربه النضالي على خطى والده تماما.

لكن الا يعتب عليه، الا يندم عنه، الا يغضب لان والده دفع ثمن النضال من حياته؟ “بندم؟ مستحيل، ولا لحظة بحياتي ممكن قول لو او يا ريت، لو كنت غاضب او ندمان ما كنت لأكون بحزب القوات اللبنانية، وانا صرت نائب رئيس مركز كفرشيما بسبب تأثري بمسيرتو، انا واخوتي استمرارية لمسيرة نضال الوالد رغم اختلاف الزمن والظروف، والاكيد أني لو كنت بزمنه كنت لأحمل البارودة وادافع عن وجودنا وبلادنا متل بيي تماما”.

في عمر الثالثة والثلاثين استشهد ايلي ضو، “هو عمر يسوع يوم صلب ومات وقام من بين الأموات، وكأن ربنا حب ياخدو بهالعمر تحديدا رسالة لرفاقو المناضلين والنا كمان انو صليبنا عز ومنحملو بايمان وصبر متل المسيح تماما، شوفي ربنا شو بيحبنا حتى يختارنا تـ نمشي على طريقو”. يومذاك كان عمر البكر بشير ست سنوات وشاهد الحادثة المروعة، والطفل الذي غرق في ذهول اللحظة حاول على مر السنين الا يغرق في الحقد وروح الانتقام وانتصر عليها بالإيمان وبمساندة امه التي زرعت روح الوالد في كل تفاصيل يومياته. انتصر لان روح الوالد سكنته وغمرته بالتسامح، “انا عايش رهبة هالاستشهاد”، يقول ايلي بتأثر كبير، “استشهادو عطاني قوة غريبة، دايما بتحدى حالي وبقول لازم ع القليلة اتعب تـ اوصل شوي زغيرة لمستوى للي عملو بيي بحياتو لانو بطل، استشهد وترك النا كل الفخر والاعتزاز”.

كل سنة يقام قداس على نية ايلي ضو في بلدته كفرشيما في فترة الميلاد، ومكتب القوات يكرّم حضوره الدائم في المقاومة، ورفاقه دائما حاضرون لأجل هذا التكريم، لم ينس الرفاق يوما ذاك المناضل الانساني الكبير، ولا الحكيم نسيه، يذكره دائما في احاديثه وهو على تواصل دائم مع العائلة، كل عائلة شهيد هي القوات كلها وكل القوات هو المناضلين الاحياء والشهداء “كيف بدي قول بعد انو بيي مات، انا بيي، اخوتي وامي ورفاقي ونضالنا واستمراريتنا بالقوات والقضية هني بيي”، ويمضي ايلي مبتسما يخبر عن والده حكاية فرح عاشت من الاستشهاد، حكاية فخر لا يفهمها الا من نبض قلبه بكل ذاك العنفوان.

راحوا؟! اسألوا ايلي ايلي ضو واخوته وهم يجيبون. “بعدن في قوات يعني بعدن ما راحوا، هيك بيقول النشيد ووحياتك ما راحوا ومش رح يروحوا ولا يوم”، ويرسل صور الوالد الشهيد الحي وعيونه المغروزة في عيون ايلي حياة… كل الحياة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل