لماذا لا يستدعي عون “لواء الأنصار”؟

أثارت المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية ميشال عون، أول أمس الاثنين من القصر الجمهوري الصيفي في بيت الدين، حول ملفات أساسية وقضايا وطنية “حساسة”، على الرغم من التوضيح الذي تبعه أمس الثلاثاء، قلقاً عميقاً في الأوساط السياسية. وذلك لخطورة بعض ما قاله كونه يدفع إلى عودة الانقسامات العمودية بين اللبنانيين، ويصبّ الزيت على نار الاختلافات العميقة المزمنة بينهم، من خلال اصطفافه إلى جانب فريق في مواجهة سائر الأطراف.

وقد يكون الأخطر في كلام عون، تراجعه عن طرح الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار، التي وعد بها قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، لإيجاد حل لمشكلة سلاح حزب الله، وتأكيد سيادة الدولة وحصر استعمال القوة بيدها وحدها من دون أي شريك، من خلال مؤسساتها العسكرية والأمنية وعلى رأسها الجيش اللبناني.

وتقول مصادر في حزب القوات اللبنانية لموقع “القوات” الإلكتروني، إنه “مع كامل احترامنا لرئيس الجمهورية وموقعه ودوره الوطني، لكن لا دولة تحترم نفسها في العالم وتسمح بأي من الاشكال بأن يكون القرار الاستراتيجي والعسكري والامني خارج مؤسساتها الدستورية”.

وتضيف، “لا دولة تحترم نفسها في العالم تسمح بوجود جيش آخر غير جيشها الرسمي، أو تسمح لحزب من أحزابها بأن يجر البلد إلى حرب ساعة يشاء من دون علم هذه الدولة، وبالقتال خارج أراضيها، واستدراج عداوات وحروب على شعبها لا علاقة له بها”.

وتشدد مصادر “القوات” لموقعنا على أن “أي دولة طبيعية هي الدولة التي تحصر كل السلاح في جيشها الوطني، ولا تقبل بأن يكون قرارها الاستراتيجي والعسكري خارج مؤسساتها الدستورية الشرعية الرسمية”.

من جهته، يؤكد العميد المتقاعد خليل الحلو لموقع “القوات”، أن كلام عون يعني أنه “لا يريد استراتيجية دفاعية بعد تغيُّر الظروف الدولية كما يرى. وما يريده هو ابقاء سلاح غير شرعي خارج الدولة”.

ويذكر أنه “في عهد الرئيس السابق ميشال سليمان، وبعد طاولات حوار عدة وبعد بداية الحرب في سوريا، أثمرت طاولة الحوار عن (إعلان بعبدا) الذي نصّ على حياد لبنان في الصراعات الدائرة حوله وعدم التدخل في سوريا وغيره. ووافق الجميع على ذلك، قبل أن يتراجع عنه البعض بعد التوقيع”.

ويشير إلى أنه “للتقدم خطوة إلى الأمام في تطبيق (إعلان بعبدا) طرح الرئيس سليمان في حينه رؤيته للاستراتيجية الدفاعية القائمة على ثلاثة عناوين أفكار رئيسية:

– أن يبقى سلاح حزب الله في يده، لكن يصبح قراره في يد الدولة، أي أن الدولة تكون صاحبة الأمر في استعمال أو عدم استعمال هذا السلاح. هذا كمرحلة أولى.

– والمرحلة التالية تقضي بأن يوضع هذا السلاح في مخازن ويتسلّم الجيش اللبناني جزءا منه، وتكون المخازن تحت حراسة مشتركة للجيش ولحزب الله.

– أما في المرحلة الأخيرة، فيتسلّم الجيش كل السلاح، وعناصر حزب الله الراغبون بالتطوع في الجيش اللبناني، بصورة شرعية مثلهم مثل الآخرين، أي لا يدخلون كـ(بلوك)، ينضمّون. فيكون بذلك كل اللبنانيين يدافعون عن لبنان”.

ويشدد الحلو على أن “الهدف من كل هذا الطرح هو طمأنة جمهور حزب الله. بمعنى أننا لا نريد أن ننتزع سلاحكم، وننتقم منكم، وتصبحون فريسة لغيركم. كلا، نُطمئنكم، أي تكونون بهذه الطريقة مُطمَئنين إلى أن الدولة ليست ضدكم، والحرب مع إسرائيل أو غيرها تصبح قراراً يُتَّخذ في الدولة. هذه كانت فكرة الاستراتيجية الدفاعية التي طرحها الرئيس سليمان تماماً”.

ويشير إلى أن “حزب الله هو من نسف موضوع الاستراتيجية الدفاعية بعدما طُرح على الطاولة. فقد أتى وفد من الحزب عند الرئيس سليمان وقالوا له: دعك من ذلك، هذا يترتب عليه انتقامات من إسرائيل، وقد يقومون بقصفك في القصر الجمهوري”.

ويكشف العميد الحلو المزيد، قائلاً إن “سليمان أجاب وفد حزب الله: أنا عسكري، ومعتاد أن أكون معرَّضا ومهدَّداً، وأرى أن هذه الاستراتيجية الدفاعية هي لمصلحة لبنان”.

ويضيف أنه “عند هذه الحد وصاعداً، لم يعد هناك استراتيجية دفاعية ونُسفت طاولة الحوار. ورئيس الجمهورية الحالي لم يدع حتى الآن إلى أي جلسة لطاولة الحوار- علماً أنني مع أن يكون الحوار في المؤسسات، في مجلس النواب مثلا”.

ويلفت إلى أن “طاولة الحوار لم تُدع للانعقاد، لا في القصر الجمهوري ولا في مجلس النواب. وميزة هذه الطاولة، مع كل تحفظاتي عليها، أنه لا يتم التصويت في الاجتماعات التي تعقدها. فإذا اختلفوا على موضوع معيّن لا نكون أمام خطر أن (يطير) مجلس الوزراء أو تحصل خلافات عميقة في مجلس النواب. فهذا المكان الوحيد الصالح الذي كان يمكن طرح الاستراتيجية الدفاعية فيه”.

وبحسب العميد المتقاعد الحلو، يعود السبب إلى أن “حزب الله يعرف، ورئيس الجمهورية يعرف، أنه حين تُطرح الاستراتيجية الدفاعية وجميع الفرقاء السياسيين موجودين على طاولة الحوار، سيكون السلاح في نهاية الأمر حصراً في يد الدولة، بعد سنة أو سنتين أو عشر سنوات، أيا يكن، ستوضع آلية معينة تفضي إلى هذه النتيجة. وهم لا يريدون هذه النتيجة، بل يرفضون حتى البدء بها، لأنه بمجرد الانطلاق ببحثها سيصلون إليها حكماً”.

ويقول إن “ما نفهمه من كلام رئيس الجمهورية أول أمس في بيت الدين، أن السلاح باقٍ بيد حزب الله، وحصرية السلاح ليست في يد الدولة”، مشددا على أن “هذا الأمر مخالف للدستور ولمبادئ السيادة الوطنية الكاملة ولقانون الدفاع الوطني، كما يتناسى البعض”.

ويضيف، “لدينا قانون دفاع وطني يوكل الجيش ويحدد كيفية دفاعه عن لبنان. وينص على أنه يمكن للجيش إنشاء ألوية أنصار، ومن يحب القتال مع الجيش يفتح له باب التطوع في لواء اسمه (لواء الأنصار) يتم تمويله من الدولة. هم لا يطرحون كل هذه الأساسيات نهائياً اليوم. بالتالي، هناك مخالفة للدستور ولقانون الدفاع الوطني وللسيادة الوطنية. وأرى، مع الأسف، أن هذا انصياعاً أو خضوعاً لشروط حزب الله الآمر الناهي في لبنان”، بحسب تعبيره.

ويعتبر الحلو أن “موقف رئيس الجمهورية هذا، يضع لبنان أكثر فأكثر في أحضان إيران، ويجعلنا أمام صعوبة كبيرة في التعاطي مع المجتمع الدولي، لأنه لا يقرأ سيادة الدول والتعاطي بين الدول بهذه الطريقة، إذ من غير المعقول بالنسبة إليه أن يكون هناك سلطتان في دولة ما، بل سلطة واحدة. أما إذا كانوا يريدون من المجتمع الدولي أن يتعاطى مع سلطتين، فلماذا وجود وزير دفاع؟ فليلغوا هذا الموقع وليتعاطى المجتمع الدولي مباشرة مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. ما قيمة وزير الدفاع في هذه الحال؟ للحفلات وافتتاح المعارض؟”.

ويوافق الحلو على أن “موقف عون يتناقض مع الحرص على تطبيق القرارات الدولية والالتزام بالقرار 1701، على سبيل المثال، إذ ينسفه بشكل أو بآخر”. ويلفت إلى أن “القرار 1701 ينص على ضبط الحدود الشرقية، وهي غير مضبوطة. كما ينص على ضبط تدفق السلاح إلى لبنان من البر والبحر، وهذا أيضا غير مضبوط. وينص كذلك على عدم وجود أسلحة غير شرعية جنوب الليطاني، وهذا الأمر تلفّه الشكوك لأن قوات الطوارئ الدولية غير مرتاحة إلى الوضع في هذه المنطقة”.

ويحذر من أن “حديث رئيس الجمهورية أول أمس يضعنا في وضع غير مريح تماماً، بحيث يمكن لإسرائيل في أي لحظة أن تشنَّ عدواناً على لبنان متحجِّجة بأن السلطة اللبنانية بكاملها في يد حزب الله. فبدل أن تبتعد السلطة عن حزب الله في الظرف الحالي حيث العالم كله في مواجهة مع إيران، نرمي بأنفسنا في أحضانها. نحن لا نضع أنفسنا هدفاً لإسرائيل فقط، ونحن هدف دائم لها، لكن أيضا للمجتمع الدولي”.

ويسأل العميد المتقاعد الحلو، “هل من مصلحتنا أن نكون على خصام أو تناقض مع المجتمع الدولي؟ فإذا أقدمت إسرائيل على عمل ما تجاه لبنان، من لنا غير المجتمع الدولي؟ هل يمكن لإيران أن تأتي لمساعدتنا؟ فلننظر إلى سوريا التي تقف خارج المجتمع الدولي، هي تدمَّر منذ 9 سنوات ولا يمكن للمجتمع الدولي مساعدتها في ظل هذا الوضع، وبلغ عدد الضحايا أكثر من نصف مليون، وأقصى ما يمكن للمجتمع الدولي أن يفعله هو تقديم بعض المساعدات الغذائية والبطانيات”.

ويذكّر أننا “في العام 2006 تجنَّد المجتمع الدولي بأسره لوقف إطلاق النار. وتحقيق النقاط السبع، والقرار 1701، ونشر الجيش في الجنوب، وتوسيع مهام (اليونيفيل)، كانت كلها بجهود دولية، فرنسية بشكل خاص وأميركية”. ويسأل، “من سينظر إلينا اليوم حين يكون موقف رئاسة الجمهورية بهذا الشكل، متناغماً مع مشروع حزب الله؟”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل