
كتب المحامي ألبير يمين في “المسيرة” – العدد 1697
مار نصرالله بطرس صفير،
الشخص، والبطريرك، ومعركة الحرية: بطل على قديس
قد تكون فاعلاً في الموضوع الذي تبحثُ فيه أو تكتبُ عنه، إنما الموضوع نفسه هو من يفعلُ فعله فيكَ متى كان الشخص هو الموضوع، ومتى كان الشخصُ هو شخصُ البطريرك. فأنت لا تستطيع التفاعل مع العلوم مثلاً ولا مع الرياضيات ولا حتى مع الفلسفة ولا حتى مع أفكارك. هذه كلها لا تخرجك من حدود ذاتك. أنت لا تتفاعل إلا مع الكيان الحقيقي، وهذا الكيان هو الشخص. أنتَ لا توجد أصلاً في الوجود إلا في خضمٍّ شخصيّ، وبين أشخاص يريدون لك الوجود. هذه باختصار وجودية أرسطو وكيانية شارل مالك.
لماذا الشخص؟ لأن المسألة من أولها الى آخرها هي مسألة الشخص. محنة العالم في كل زمان ومكان هي الشخص وحريته، موته وحياته، دمعته وابتسامته، شقاؤه وسعادته، سقوطه ونهوضه، وبحثه عن معنى لوجوده. لأنه في جدلية الموت والحياة، والقوة والضعف، والوجود وعدم الوجود، يبقى الشخص، ويبقى العقل، وتبقى الحقيقة بعد أن يذبل كل شيء، ويضعف كل شيء، ويسقط كل شيء. لقد زال مجتمع أثينا القديم – يقول صاحب المقدمة – وبقي أرسطو وأفلاطون ينبضان حياة. وزالت روما القديمة وبقي الشرع الروماني. وزالت القرون الوسطى وبقي أوغسطينوس وتوما الأكويني.
الشخص أولاً كما تقول الأمثولة القديمة منذ أرسطو الى توما الأكويني الى التوماويين الجدد الى Gabriel Marcel وJacques Maritain و Heidegger Martin وHusserl. من الشخص ومن تركيباته وتعقيداته تنحدر النظم الاقتصادية والإجتماعية والسياسية وليس العكس كما يظن الموتورون المتخلفون. الشخص قبل الدولة وقبل القوانين، يقول Emmanuel Levinas. الدولة والقوانين ابتدعتهما الأنا الشخصية التي هي حرية. المناعة الحقيقية تنبع من الداخل أي من الأشخاص أنفسهم، وليس من الخارج. الأمان الحقيقي هو أمانٌ شخصيّ، حميميّ، داخليّ. أما الأمن فهو خارجيّ، جماعيّ، كالأمن الإجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والغذائيّ، والبيئيّ، والأمن على الحدود. الأمان غير الأمن. الأمان أقوى من الأمن. الأمان يُعطي الأمن وليس العكس.
فإذا كان الشخص هو الفيصل الحاسم في الوجود، لذا سنترك لغيرنا مهمة البحث في ما قاله وأنجزه البطريرك صفير طوال السنين العِجاف التي حملَ خلالها صليب الوطن والكنيسة، لنمثُلَ أمام شخصِهِ بالذات، أمام كيانهِ بالذات، أمام وجودِهِ بالذات، أمام قامتِه بالذات، أمام حضرتِهِ بالذات، أمام وقارِهِ بالذات، أمام طلعتِهِ بالذات، لأن القائلَ – والقول لشارل مالك- أهمّ من القول، والفاعلَ أهمّ من الفِعل.
لماذا شخص البطريرك بالذات؟
لأن البطريرك صفير شخصٌ فريدٌ من نوعه. لم يكن الناس يأتونه إلا في زمن الخطر والأزمات، شأنه شأن أسلافه الخمسة والسبعين. أما زمن السلم والطمأنينة فأنت تكاد لا تسمعُ عنه شيئاً. الناس زمن السلم يُهملونَه، يَنْسونَه، وقد تمرُ عقودٌ ولا يستذكرونَه، أو يتحدثون عنهُ، فيغيبُ عن خطاباتهم واجتماعاتهم وكتبهم. وكأنه خُلِقَ من أجل الخطر، وكأنه يمضي من خطرٍ الى خطر شأنه شأن المارونية منذ خلقيدونيا والنشأة الأولى مع جماعة بيت مارون على العاصي، الى يانوح، وكفرحَي، وميفوق، وقنوبين، والديمان، فبكركي، ومن يدري – والقول للعلامة ميشال حايك – أين تكون الوجهة بعد بكركي.
لأن الحرية الشخصية أي حرية الضمير والإختيار، والكينونة والصيرورة، والإيمان والمعتقد، تحتاج كي تكون وتبقى الى كياناتٍ خبيرة في الشؤون الإنسانية الأخيرة كالجامعة والكنيسة وشخص البطريرك بالذات. هنا ندخل في بُعدٍ من نوع آخر، بُعد الإنعتاق والخلاص. بدون البطريرك وبدون البطريركية تفقد الحرية في لبنان أهم ما عندها. هذا ما عناه شارل مالك بقوله إذا زال لبنان تستطيع بكركي لوحدها أن تعيد بناء لبنان، أما إذا زالت بكركي فلبنان بأكمله يعجز عن إعادة بناء بكركي. ليس المقصود هنا القول إن الموارنة يحتكرون الحرية، إنما المقصود أن شخص البطريرك والبطريركية وُجدا في الأصل كفعل اتكالٍ على الذات، كفعلِ اعتراضٍ على الأمر الواقع في محيطٍ لا يعرف إلا المألوف ولا يستسيغ ما هو خارج عن المألوف. هذه الفرادة التاريخية القائمة في الأصل على الحرية لدى الأخ الأكبر فعلت فعلها لاحقاً في التلاقي والتآخي مع الأخوة الآخرين.
إن شخص البطريرك أنطولوجياً وكيانياً ووجودياً وفعلياً هو جسر عبور إنساني – شخصي للحرية الشخصية، أساسه العقيدة الخلقيدونية – الشخصية، التي تؤمن بالإله – الشخص. الموضوع من أساسهِ إلهي- شخصي – تجسدي. المسيحية هي شخص المسيح قبل أن تكون تعليماً أو عقيدة. الكتاب المقدس في قلبه وقالبه هو شخص المسيح. اللاهوت لا يكون تعبيراً إنسانياً صادقاً عن الله إلا متى كان في حضرة المسيح – الشخص. عَمود الكنيسة هو المسيح -الشخص. المارونية ـ والقول للأباتي بولس نعمان- ليست إلا رسالة تحرير مشرقية شخصية.
من المكوِّنات الأنتروبولوجية – الكتابية – اللاهوتية ـ الشخصية – المصدر، تنحدر دعوة البطريرك الإنسانية الشخصية ليس للموارنة وللمسيحيين وحسب وإنما لكل اللبنانيين، وللعرب أيضاً إذا أرادوا، هم الذين لم تكن حركتهم في ماضيهم وحاضرهم في سبيل الشخص، وإنما دفاعاً إما عن دِين أو عن قومية أو عن أرض بعدما تحول الشخص عندهم – والتعبير ل Martin Heidegger – الى «إنسان الجماعة»، Das Man، أي اللا – إنسان، وهو الشخص الذي سحقته إيديولوجية الجماعة التي ينتمي إليها، فلم يعد يقوى على الوقوف في وجهها وقفة سقراط، وThomas Moore، وJeanne d’Arc في أهم المحاكمات التي عرفها تاريخ البشرية.
لماذا شخص البطريرك؟
لقد أُعطيَ للبطريرك صفير، من فوق، في كل آسيا وأفريقيا، أُسوةً بأسلافهِ، قيادة أكبر مغامرة، مغامرة الحرية الشخصية في آخر معاقلها في هذه البقعة الفريدة من العالم التي اسمها لبنان، «ليبقى لنا الإيمان بالله على طريقتنا»، وليبقى لغيرنا أيضاً إيمانه بالله على طريقته.
من المعين الشخصي – الإنساني ينتصر لبنان. الحرب على لبنان كانت وستظل في جوهرها حرباً على الشخص وحريته. لقد كُتِبَ على شخص البطريرك وعلى الكنيسة في لبنان تقوية كل ما هو شخصي. التلاقي مسعى شخصي، الإلفة مسعى شخصي، المحبة مسعى شخصي، الحوار مسعى شخصي، إعادة بناء كل ما تهدم مراراً وتكراراً مسعى شخصي.
في الختام، أنتم يا سيدي البطريرك صفير بطلٌ على قديس، شامخٌ على تواضع، قائدٌ ورسول. والموت ـ والقول لشارل مالك – يصعب تحديده لأنه موت، أي لأنه لا شيء. إنما أقرب ما يكون إليه هو حالة الرتابة والتكرارية وجمود الحياة التي تمكنت منا يوماً وعصيت عليك. والحرية التي قلتم عنها يوماً إنه إذا عُدمناها عُدمنا الحياة، فهي ولو بدت يوماً وحيدةً مفردةً متروكةً في أدائها لشهادتها، فلها وحدها ولكم ملء الأيام.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]