الافلام تصلي

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1697

شربل، مورين، رفقا، يسوع

… الافلام تصلي

 

«لبنان وطن الرسالة»، «لبنان هو أرض مقدسة وأرض قداسة وقديسين». هذا ما قاله البابا القديس يوحنا بولس الثاني، يوم زار لبنان في أيار سنة 1997. يومها، حيّا قداسة البابا مئات الألوف من اللبنانيين، أبناء وطن القديسين شربل مخلوف ورفقا الريّس ونعمة الله كساب الحرديني ومورين واسطفان نعمة ويعقوب حداد الكبّوشي والقافلة القدسية تطول وتطول. يومها سار البابا القديس على هذه الأرض التي زارها السيد المسيح قبل 2000 عام، وحقق أولى عجائبه في قانا، فجعلنا نسكر بنعم الرب الكثيرة التي تصون هذه الأرض من كافة الأخطار. يومها قال يوحنا بولس الثاني للمؤمنين «نحن هنا في المنطقة التي وطأتها منذ ألفي سنة قدما السيد المسيح مخلص العالم… أيها اللبنانيون واللبنانيات إن ابن الله نفسه كان أول من بشّر أجدادكم. فإن هذا لامتياز عظيم». نعم، لا خوف على لبنان وعلى المسيحيين، لأن الله بارك هذه الأرض، أرض الله والقديسين التي وقف الرب عليها، ونحن والسينما على ذلك شهود. نعم، السينما اللبنانية شاهدة بدورها على قدسية هذه الأرض التي وطأتها قدما السيد المسيح، والتي أنجبت  قديسين وقديسات ومكرّمين ومكرّمات، وملفات التقديس لا تزال بالعشرات في الفاتيكان.

كثيرة هي الأفلام السينمائية والتسجيلية والوثائقية والسلسلات التلفزيونية التي خصصت لقديسي لبنان، ونتوقف في هذا العدد الخاص عند 5 أفلام سينمائية (أربعة أفلام طويلة وفيلم قصير). إثنان تناولا حياة القديس شربل، وشريط إستعاد قدسية «مورين» ورابع «سار على خطى المسيح» في هذه الأرض المقدسة، وخامس قصير إستعاد برؤية حديثة جلجلة المسيح، إضافة الى تيلي فيلم مخصص للقديسة رفقا.

 

القديس الصامت، الختيار الحبيس

إنه الختيار، إنه بونا شربل حبيس عنّايا السكران ب الله، إنه قمة الروحانية والتواضع والصمت والزهد بالحياة والتعبّد لله. إنه شربل بقاعكفرا ولبنان، الذي طوّب قديسا للكنيسة جمعاء في 9 تشرين الأول من عام 1977 في الفاتيكان.

إنه يوسف  ابن أنطون وبريجيتا مخلوف، الذي ولد في أعلى قرية من لبنان في 8 أيار1828، وترهّب في عمر ال23 في الرهبانية المارونية اللبنانية. دخل الإبتداء في دير سيدة ميفوق، ثم انتقل إلى دير مار مارون عنايا حيث أتم عامه الثاني من الإبتداء. عيّنه الرؤساء تلميذا فأُرسِلَ إلى دير كفيفان حيث قضى ست سنوات في درس الفلسفة واللاهوت وتربى هناك على أيدي رهبان قديسين، خاصة الآب نعمة الله الحرديني، المعروف «بقديس كفيفان». رسمه كاهنا، في بكركي، المطران يوسف المريض في 23 تموز 1859.

أقام الأب شربل في دير مار مارون عنايا، بعد سيامته، مدة 16 عاماً، متمرساً بأسمى الفضائل الرهبانية. ولا سيما فضيلتي التواضع والطاعة. وقد أجرى الله على يده في الدير عجائب عديدة ، منها أعجوبة السراج الذي ملأه له الخادم ماءً بدل الزيت، فأضاء له ساعات صلاته الليلية.

طلب من رؤسائه، بإلهام الله، ان يتحوّل حبيسا في محبسة دير عنايا، فأذنوا له بذلك عام 1875، فقضى فيها 23 سنة من التقشف والصلاة والتأمل والعمل في الأرض.

وفي عام 1898، في الأسبوع السابق لعيد الميلاد، شرع الحبيس يتلو القداس كعادته. فما ان تلا كلام التقديس وبلغ إلى رفعة الكأس والقربان، تاليا صلاة «يا أبا الحق»، حتى أصابه عارض الفالج، فاستمر رافعاً الكأس والقربان وأصابعه متشنجة عليه. تمكن رفيقه الأب مكاريوس من نزع الكأس والقربان من يديه وحمله إلى غرفته. قاسى أوجاعاً مرة، مدة ثمانية أيام، من دون أن ينقطع عن إتمام قداسه، إلى ان اسلم روحه بكل هدوء مساء عيد الميلاد عام 1898.

دُفِنَ الأب شربل في مقبرة الدير العمومية. وقد شاهد أهلُ الجوار ليلة دفنه نورا يتلألأ فوق ضريحه، وتكرر ظهور النور طوال 45 ليلة. بعد ذلك أذن البطريرك الياس الحويك بفتح قبره، فوُجدَ جسمهُ سالماً من الفساد، وجرى من خاصرته دم ممزوج بماء، وأخذ جثمانه ينضح عرقاً دموياً. أُعيد جثمانه إلى قبر جديد عام 1926. في 22 نيسان من عام 1950، كشفت لجنة طبيّة ولجنة كنسيّة على الجثمان السليم والصحيح، فانتشر خبر هذه الظاهرة، وتهافت الناس إلى الدير وتكاثرت حول الضريح حوادث الشفاء من أمراض متنوعة مستعصية. فضج لبنان والعالم بأخبار هذا القديس. وفي عام 1965، في ختام المجمع الفاتيكاني الثاني، رفعه قداسة البابا بولس السادس إلى شرف الإكرام على المذابح وأحصاه في مصاف الطوباويين. وقد تشيّدت على اسمه كنيسة في عنايا، قرب ضريحه، تُعدّ اليوم من أجمل كنائس الشرق. وفي عام 1976، تم فتح القبر، وفي هذه المرة وجد الجثمان متحللاً تماما وما بقي منه سوى العظام .وفي 9 تشرين الأول 1977، أعلن قداسة البابا بولس السادس شربل قديساً.

 

شربل مالئ الدنيا وشاغل الناس… خصصت له السينما اللبنانية فيلمين إثنين

الفيلم الأول من إنتاج سنة 1977، بالأبيض والأسود وهو مقتبس عن كتاب الأب بولس ضاهر «شربل إنسان سكران بالله» الذي نقتبس من كتابه فقرة تسليمه الروح: «نشيدُ نِصْفِ اللّيلِ في أعماقِه، ليلُ الكوانين، ليلُ العواصِفِ والثُّلُوج، راحَ مُتعاليًا يتباهى بقولٍ: إنَّ في ظُلْمَتِي سِرًّا أعمَقَ مِمّا يَظُنُّ النّهار، سِرًّا سيتجلّى يومًا على الأشهادِ فتَلْهَجُ بعظائمِه الدُّنيا. وانْبَرى التاريخُ يُسَطِّرُ وجْهَ شبهٍ جديدًا بين طِفْلِ المِذْوَدِ وحبيسِ عنّايا: سيكونُ لِكِلَيْهِما ميلادُهُ في اليومِ بالذّات: ميلادُ يسُوعَ على الأرضِ وميلادُ شربلَ في السّماء. ميتَةٌ رائعةٌ على تواضُعِها، سماويّةٌ على جُلجُلَتِها، يَغارُ منها الملائكةُ لو كانوا يَمُوتُون…

الفيلم حمل عنوان الكتاب، أي «شربل إنسان سكران بالله»، وقد تولى مؤلفه الأب بولس ضاهر كتابة السيناريو، وقام بإخراجه نقولا أبو سمح. يومها قام الأب البروفيسور يوسف مونّس بتجسيد شخصية القديس شربل في الفيلم، وكان لا يزال شابا يافعا واستهاب هذه المهمة الكبيرة. ولكنه صلى لمار شربل وقال له «أنا بين يديك، إستعملني أنت واستخدم جسدي وصوتي ووجهي ويدي لأداء هذه الرسالة».  وقد تم تصوير الفيلم في الأماكن نفسها وفي الأوقات ذاتها من دون أي مؤثرات.

أما الشريط الثاني فمن إنتاج سنة 2009، بالألوان وحمل عنوان «شربل»، وتولى إخراجه نبيل لبس، وأقيم له افتتاح رسمي في قصر الأونيسكو برعاية البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير. وروى الفيلم قصة حياة القديس شربل الذي جسد دوره كل من الممثلين أنطوان بلابان (شربل كبيرا) وإيلي متري (شربل شابا)، وجسدت الممثلة جوليا قصّار شخصية والدة القديس، وقدم الممثل غسان إسطفان دور والده أنطون ، والممثل طوني معلوف شخصية الأب الحرديني، وشارك فيه عدد كبير من أهم الممثلين اللبنانيين مثل رلى حمادة (كضيفة شرف) وعفيف شيا وعلي الزين وخالد السيد وبديع أبو شقرا وأنجو ريحان ونبيل أبو مراد وميشال أبو سليمان. أما تنفيذ الإنتاج فتولاه ميشال أبو سليمان وغادة دغفل، والموسيقى تيدي نصر، وإدارة التصوير زياد خوري.

 

مورين، قديسة في زي قديس

ثالث الأفلام الدينية الروحانية اللبنانية، شريط بمواصفات عالمية، هو فيلم «مورين الفائز بجائزة «موركس دور» أفضل فيلم سينمائي لسنة 2018. «القديسة المتنكرة» (أي مارينا باللغة السريانية) من كتابة وإخراج طوني فرج الله ومن إنتاج «الأكاديمية اللبنانية للسينما» (LFA) و«سبيريفيلم»،  ومن توزيع سليم رميا. وقد تولت تنفيذ الإنتاج والمشاركة في التمثيل، النجمة تقلا شمعون فرج الله، إضافة الى نخبة من أهم الممثلين، مثل كارمن بصيبص بدور القديسة مورين  ومنير معاصري بدور جدها الكاهن وحسن فرحات بدور والدها وسمارة نهرا ومنير كسرواني ورينيه غوش وأجيا أبو عسلي وغسان مسعود وأويس مخللاتي.

قصة القديسة مورين مؤثرة وغير معروفة كثيرا، والفيلم  يحترم التاريخ والوقائع بإعادة تجسيد تلك الفترة بشكل مقنع جدا، على رغم اللغط الدائر حول بطلته  التي تُكرّم في أكثر من كنيسة شرقية، ولكل من تلك الكنائس رواية عنها مختلفة شكلا وموحدة مضمونا. كما تُكرّم أيضا عند الدروز الذين يطلقون عليها إسم الست شعواني.

قصة القديسة مارينا  المعروفة بمارينا الراهب تعود لسنة 620 ميلادية حسب الفيلم، هي ولدت في القلمون قرب طرابلس، وتوفيت والدتها أثناء ولادتها، فرحل والدها (حسان مراد) وترهّب، وتركها مع جدها الكاهن (منير معاصري) الذي رباها الى حين أصبحت شابة (كارمن بصيبص). مارينا أحبت لبنون (بول سيف اللافت جدا في إدارة تصوير الفيلم) وصدمت بخيانته لها وبموت جدها وعودة والدها من الدير، فقررت الترهّب على رغم إستحالة دخول الفتيات الدير في تلك الفترة. وهكذا قصت شعرها الطويل وتنكرت بزي راهب وانطلقت مع والدها الى دير قنوبين في الوادي المقدس وأطلق عليها إسم مارينو وعرفت بتقواها وزهدها. وعندما سيرسلها رئيس الدير (غسان مسعود)  بمهمة إلى إحدى القرى، ستضطر للمبيت مع أحد الرهبان في خان إمرأة تدعى رحيل (تقلا شمعون) لديها إبنة اخ مومس (وفاء حلاوي) تغار من مورين، وأخرى بسيطة عقليا وحامل (رينيه غوش). وعندما سيكتشف حمل الفتاة، ستتهم الأخت الأخرى مورين بالأمر، وطبعا ستصمت مورين وتتحمل الظلم وتطرد من الدير وتجبر على تربية الطفل في كهف بارد وفارغ ، في ظل فقر مدقع وظروف مناخية قاسية. وهنا تحل عجيبة مارينا التي استطاعت إرضاع الطفل من صدرها، فتحولت شفيعة كل الأمهات اللواتي جف حليبهن. ولم تكشف حقيقة مورين إلا عند وفاتها.

الفيلم لافت ضمن فئة الأفلام الدينية  الطويلة من ناحية تنفيذه الراقي المستوى واحترامه المصداقية. الشريط روحاني  يخاطب الجميع (لا المسيحيين فقط) برسالته ومشهديته ومصداقيته في نقل الواقع، واقع ذلك الزمن القديم، من دون تجميل. وقد سلط الضوء على سرد القصة الإستثنائية لتلك المرأة الشجاعة والصبورة التي تحدت التقاليد والمجتمع الذكوري في سبيل تحقيق حلمها.

فيلم «مورين» لفت خصوصا بمشهدية مبهرة أعادت تجسيد تلك الحقبة الزمنية باتقان، من خلال مواقع تصوير جبلية وبحرية ملائمة تماما لمجريات القصة، وديكورات بانورامية طبيعية ومبنية، والبلدة التي تم التصوير فيها (بلدة «طير حرفا» الجنوبية على حدود فلسطين الشمالية، إضافة الى  مواقع قرب قلعة المسيلحة البترونية وقرب وادي قنوبين) والأزياء الكتانية والاكسسوارات (الفخاريات) والبيوت المعتقة. أيضا تم التصوير في ظروف مناخية قاسية، تحت ثلج حقيقي وليس مؤثرات بصرية، وهذه من أصعب المهمات خلال تنفيذ فيلم سينمائي، لأنها تخضع لمزاجية الطقس والضوء والرياح، لا لمشيئة فريق العمل.

الممثلون الذين ارتدوا «الخيش» ونزعوا عن وجوههم ألوان الماكياج الصارخ وآثار عمليات التجميل ومبضع الجراحين، ولم يخافوا من التجاعيد والشعر المنكوش واللحى غير المهذبة بالمقص، تقمصوا شخصياتهم ببراعة وتلقائية وطبيعية تحاكي تجسيد كبار النجوم العالميين لأدوارهم عادة.

 

«على خطى المسيح»

الشريط الرابع والأخير هو «على خطى المسيح» من إنتاج جمعية «على خطى المسيح في جنوب لبنان» و«المؤسسة المارونية للإنتشار» مع Fantascope production  للمخرج فيليب عرقتنجي الذي لخّص هدف الفيلم  بإبراز هذا التاريخ الديني والثقافي الغني.

الفيلم من إنتاج 2019 وهو من  النوع الوثائقي السياحي الديني، تحوّل بفضل حرفية المخرج عرقتنجي شريطا عائليا ممتعا من نوع أفلام الطريق road movie الذي سبق ان استخدمه عرقتنجي في فيلميه السابقين «بوسطة» و»تحت القصف».

يجمع «على خطى المسيح» الأجواء الروائية بالوثائقية، وينطلق تماما مثل «بوسطة»، في باص على متنه 9 طلاب (إيلي ضاهر، إلياس عيد، سيمون غايزاكيان، ماري سيلين حداد، إيمانويل حشاش، باسكال خوري، إيلي رامي، تاليا توروسيان، وجاكوب تاربينيان) مع ثلاثة من أساتذتهم (ستيفاني غَفَري وشربل عون وسارة عطالله)، أي 12 شخصًا على عدد تلاميذ المسيح، سينطلقون من قانا، في رحلة إستكشافية ستعيد رسم مسار السيد المسيح في جنوب لبنان، وكافة المحطات التي توقف عندها، مثل القلَيلِة حيث مقام النبي عمران، وصور ومواقعها الأثرية وبقايا مرفئها القديم وكنيسة سيدة البحار، وقرى رأس العين ومارون الراس وتبنين وعين إبل (حيث ستنشد المطربة باسكال صقر ترتيلة «أبانا الذي في السماوات» بالسريانية) ودير أنطار، وكرخا، وصيدا، ومغدوشة (سيدة المنطرة)، ومرجعيون، وعين قصَير حيث بقايا دير القديسة حنة والدة مريم، وكوكبا، وراشيا الوادي، إنتهاء بجبل حرمون أو جبل التجلي.

الفيلم إضافة الى قيمته الدينية التثقيفية، يعرفنا على قسم كبير من البلدات اللبنانية وتاريخها الديني المكتوب بعضه في الإنجيل وبعضه الآخر تراث شفهي تتناقله الأجيال، عن يسوع الذي مرّ في هذه الأرض، وعن مريم العذراء ووالدتها القديسة حنة. أيضا يجسّد الفيلم بعض أعجوبات السيد المسيح، (مثل أعجوبة عرس قانا الجليل)، من خلال مشاهد تمثيلية مسرحية أدّاها التلاميذ التسعة بإشراف معلّميهم الثلاثة. وساهمت هذه المشاهد، مع مشاهد الأولاد وهم يلعبون أو يتصرفون على سجيّتهم، في إنعاش السرد الوثائقي التقليدي. وربما لأن المسيح قال «دعوا الأطفال يأتون إليّ»، و»إن لم تعودوا كالأطفال، لن تدخلوا ملكوت السموات»،  لجأ فيليب عرقتنجي في الفيلم الى الأطفال، الذين استطاعوا ببساطتهم وعفويتهم وصدقهم، تجسيد روحية مرور المسيح في هذه الأرض.

لغة عرقتنجي السينمائية راقية كالعادة ، فيها مزج ساحر بين الكادرات التصويرية والموسيقى الملائمة وأصوات الطبيعة، إضافة إلى سيناريو عفويّ، من كتابة ريمون أفتيموس وميرنا منيّر ومايا نصّار وفيليب عرقتنجي، تتخلله لحظات تأمّل بنصوص بسيطة ومؤثّرة، شديدة الروحانية من دون أن تكون دينية. وقال عرقتنجي: «حاولت في الفيلم أن أعبّر عن إعتزاز اللبنانيين وتأثرهم بكون المسيح مرّ في أرض لبنان».

 

من أجلكم

السينما اللبنانية لم تغب أيضا عن درب الجلجلة والقيامة، من خلال الفيلم القصير «من أجلكم» من إخراج الأب الكرملي شارل صوايا عام 2015. هذا الشريط قدم نظرة مختلفة للآلام، جعلت المسيح الذي علق على الصليب قبل 2015، ينزل عن خشبته المقدسة ليرى خلال 13 دقيقة ما الذي حلّ بشعبه الذي افتداه بروحه. شريط لفت جدا بمشهدية سينمائية متقنة وراقية أدارها باحترافية كبيرة مدير التصوير ميلاد طوق في مناطق الأرز وضهر القضيب ودير المعونات للبنات في جبيل، وبأداء رائع لشادي حداد، عابق بالإيمان والتأثر والصدق في الإحساس. هذا الفيلم اللبناني سبق ان نال مباركة البابا فرنسيس يوم قدمه إليه كل من صوايا وحداد في روما، وشارك في عدد من المهرجانات مثل المهرجان المسيحي العالمي في فلوريدا.

 

رفقا… «لتكن مشيئتك»

«لتكن مشيئتك» هي الكلمة التي لطالما كانت ترددها قديسة لبنان رفقا. و»لتكن مشيئتك» هو تيليفيلم من إنتاج المؤسسة اللبنانية للإرسال والأب الكرملي شارل صوايا الذي تولى الإخراج أيضا، عن سيناريو وحوار للكاتب والممثل والمخرج كميل سلامة.

يستعيد التيليفيلم المقدم بعدة أجزاء، قصة حياة القديسة رفقا، وقد جسدتها ميرانا النعيمي، بمشاركة عدد كبير من الممثلين اللبنانيين مثل كلوديا مرشليان وغريتا عون وتقلا شمعون وأجيا أبو عسلي وجومانا مدوّر ومارينال سركيس ورندا حشمة وريمون حصني، بالإشتراك مع كميل سلامة وأسعد رشدان وغبريال يمين وغسان اسطفان وجناح فاخوري.

إنها القصة المؤثرة لرفقا مراد صابر الشبق الريّس (1832 – 1914) التي اشتهرت بتحملها للعذابات والألم، تيمّنا بالسيد المسيح. ولدت رفقا في حملايا  بالقرب من بكفيا في جبل لبنان، في 29 حزيران سنة  1832 ودُعيت «بطرسية». تُوفّيت والدتها سنة 1839 وبعد المعاناة مع زوجة أبيها الجديدة، ترهبت في جمعية المريمات.

سنة 1860، أُرسِلت رفقا إلى دير القمر لتلقّن الفتيات التعليم المسيحيّ. سنة 1863، توجّهت إلى مدرسة جمعيّتها في جبيل. في أوائل سنة 1864 نُقِلَت من مدرسة جبيل إلى قرية معاد. سنة 1871، دخلت رفقا إلى كنيسة مار جرجس ثم انتقلت إلى دير مار سمعان القرن – أيطو ولبِست ثوب الابتداء في 12 تموز 1871، ثم نَذَرت نذورها الإحتفاليّة في 25 آب 1872، واتّخذت لها اسم الأخت رفقا تيَمُّناً باسم والدتها.

أمضت رفقا 26 سنة في دير مار سمعان القرن – أيطو، وكانت مِثالاً حيّاً لأخواتها الراهبات في حفظ القوانين والصلوات والتقشّف والتضحية والعمل الصامت. في تشرين الأول سنة 1885 طلبت من السيد المسيح أن يُشرِكَها في آلامه الخلاصيّة. فاستُجيبت دعوتها، وبدأت الأوجاع المؤلمة في رأسها، ثم امتدّت إلى عينَيها. وباءت جميع محاولات علاجها بالفشل. إثر ذلك، تقرّر إرسالها إلى بيروت للعلاج.

أثناء إجراء العملية إقتلع الطبيب خطأً عينها برمّتها، فقالت: «مع آلام المسيح، سلِمَت يداك، الله يآجرك». ثمّ ما لبث الداء أن تحوّل إلى عينها اليُسرى، فحَكَم الأطبّاء بأن لا منفعة لها بالعلاج. رافقها وجع العينَين المرير أكثر من 12 سنة وهي صابرة، صامتة، مصلّية، فرِحة ومردّدة: «مع آلام المسيح».

عام 1897، إنتقلت إلى دير مار يوسف الضهر – جربتا في منطقة البترون وفي سنة 1899، انطفأ النور نهائيّاً في عينها اليسرى، لتصبح عمياء. توفيت في 23 آذار 1914، في دير مار يوسف – جربتا ودُفِنَت في مقبرة الدير. أشعّ النور من قبرها طيلة ثلاثة أيام متتالية. أعلنها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني مُكرّمة في 11 شباط 1982، ثم طوباوية في 17 تشرين الثاني 1985، وقُدوة ومثالاً في عبادتها للقربان الأقدس، لليوبيل القربانيّ لعام 2000 ثمّ رفعها قديسة على مذابح الكنيسة الجامعة في 10 حزيران سنة 2001.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل