Site icon Lebanese Forces Official Website

أنا الشهيد جوزف حنا: طالع ع القداس لحقوني

أنا الشهيد جوزف حنا: طالع ع القداس لحقوني

هذه ارض المقالع، ومقالعنا تخرّج الرجال الصخور وليس الصخور النائمة في جمادها. هنا الفرزل في ذاك البقاع الاخضر، ومن هنا، كما كل ارض طيبة في عبق نضالها وشهدائها، تخرّج مناضلون وشهداء.

تاريخ الضيعة حافل في حكايات ابطالنا، هؤلاء الرجال الاشداء الذين نظن لوهلة ونحن نقرأ قصصهم، انها من نسج خيال غزير يعشق البطولات وحكايات القبضايات، لكنها ليست حكايات تروى في ليالي السمر، هي ذكريات نرويها بدمع الحب ونبض القلب، هي نحن هم كلنا.

حكايات حفرت تفاصيلها على صخور الضيعة ودروبها وكنائسها وكل عناوينها الكبيرة والصغيرة، اليس كذلك يا جوزيف عزيز حنا، يا شهيد الاحتلال السوري وعملائه، يا مقاوما رفيقا لا نعرفه، ولكننا نعرف الكثير الكثير عنه. هو الراحل منذ سنوات وحتى اللحظة لا يزال يسكن البيت وأهله وضيعته وبلاده، ولائحة الشرف تلك التي تتصدر موائد الوفاء في قداديس الشهداء؟

“من سنة استشهاد خيي بالـ1987، يوم اغتالوه برصاصة ونحنا بعدنا عايشين بالذكرى الحلوي مع جوزيف، بتصدقي انو بعدو ما ترك البيت لحظة؟ ومنحكي عنو كأنو موجود؟”. يعجز عزيز (أخ الشهيد) عن اكمال حديثه، تغلبه دمعة الشوق تلك “ما تواخذيني تأثرت بس بتعرفي الشهيد شو بيبقى غالي ع قلب اهلو ورفاقو، تصوري امي بعدها لليوم بتحب تشوف اي حدن من الشباب رفاقو للي كانو مع جوزف تتشم ريحة جوزف بصواتن ووجوهن”.

غريبة تلك المفارقة التي تجعل من الشهيد انسانا حيا ينغل في قلوبنا مثل الريح العاصفة، لا يمر الزمن على اهل شهيد، لا يرحل شهيد طالما يعيش في قلوب الحب والوفاء والرجاء، وحتى اليوم يروي رفاقه حكايته حين اسس ما عرف بزمن الحرب بـ”فرقة التيوس” على المتحف. “كان مراهق بس التحق بالشباب تيدافع عن ضيعتو، وحارب ع كتير جبهات، شجاع متل النسر ما بيهاب الا ربّو، وبعدن لليوم بيحكو عن بطولاتو بحصار زحلة لـلي ما قبل يتركها الا بعدما فكوا عنها الحصار وتحررت، حبيب قلبي شو كان متحمّس للقضية واستشهد كرمالا”.

لسنوات طويلة كانت المتاريس والثكنات بيت جوزف الاول، في حين كان يشتاقه البيت واهله وينتظر بفارغ الشوق والخوف ايضا، اطلالاته القليلة من وقت إلى اخر “رفاقو عاشوا معو اكتر ما عشنا نحنا بالبيت، يبقى يجي يطل ع امي من وقت للتاني والوقت الكبير مع رفاقو بالثكنات والجبهات. ترك البيت بعمر 19 سنة وصارت الجبهات بيتو، تصوري انو اذا بتسألي اصحابو ورفاقو ابطالنا ع الجبهات، بيعرفوا عنو خبارو اكيد حتى اكتر مني”، يقول عزيز بفخر كبير، “تركنا بجسمو بس بقي عنا الفخر وهيك شي متل صلا قاعدة بقلب البيت منضل نرددها لحالنا تلقائيا، حكاية جوزف وبطولات جوزف، عنا شهيد بقلب البيت في اكبر بعد من هيك حب واعتزاز؟”.

سؤال لن يجد اجابة له مهما كبر الانسان في علومه وتطوره التكنولوجي وما شابه، كيف يعيش اب او ام شهيد فراق ابنهما؟ كيف تتفاعل ام شهيد وتتحمّل وتحمل ذاك الصليب العظيم؟ يجيب عزيز، “امي ما نسيت وبعدها لليوم كأنو جوزف فلّ مبارح، وبتسأل عن رفاقو يللي البعض منهم ما عاد يجي لعنا حتى ما يزعّل امي لان بتشمّ ريحة جوزف بوجوهن، والبعض الاخر بعدن بيمرقو تيطمّنوا عنها وكتييير بتفرح بلقائهم، جوزف عايش حدّ امي وعايش معي وكرمال هيك كلنا بالبيت ع ذات القضية وذات الدرب وهيك رح نبقى”.

هذه قضيتهم، البقاء في القضية حتى بعد الاستشهاد، اساسا لماذا ذهبوا طوعا الى موتهم؟ ليبقوا في الوطن وليبقى الوطن لنا ولأجيالنا من بعدهم. نكتب عن شهيد وغالبا لا نكتب كيف استشهد، لان النهاية البداية موحدة، هناك على جبهة ما في معركة ما في مكان ما مزروع خطرا في ارض الوطن، صار البطل سمادا للأرض، سالت الدماء ولم تبتلعها سواقي الزمان، لا أحد يبتلع دم شهيد ويبقى هو حيا ولو كان كذلك.

دماؤهم نذرا، صلاة، ارزا مغروزا في ضمير امّة مهما حاولت ان تتناسى ذكراهم، ولعنة أيضا على من يتنّكر لتضحياتهم، لكن دائما تأتي يد وتنشلهم من وعر النسيان ليصبحوا هم الذاكرة هم الحياة هم القضية. لا يموت شهيدنا مرتين ولن يحصل مهما تطاولت اياديهم على ابطالنا الاحياء والشهداء.

رايح ع قداس الشهدا مع الوالدة؟ نسأل عزيز. “الوالدة ما عادت تقدر تشارك تعبت كتير، انا رايح وخيي الشهيد سبقني لهونيك، بتعرفي انو صار عنا جوزف تاني بالعيلة؟ ابن خيي التاني، وبتعرفي انو خيي جوزف بيضل مرافقني بكل شي بعملو متل ملاك حارس، متل ضو حلو متل نسمة هيك بتقطع بحياتي وبتخليني دايما ابتسم؟ شفتي انو شهدائنا ما بيموتوا لان نحنا معيشينن معنا… شو بتقول الغنيي رفيقة؟ فلوا وبعدن في قوات يعني بعدن ما راحوا”.

Exit mobile version