من تحكّم بجهاز “طيران الضاحية الانتحاري”؟

سيناريوهات عدة وُضعت لرسم المسارات المحتملة للطائرتين المسيّرتين اللتين سقطتا، أو أسقطتا، في الضاحية الجنوبية لبيروت، منذ بداية انطلاق “الرحلة الغامضة الأهداف” حتى الساعة، وصولا إلى نهايتهما “الانتحارية” الملتبسة. سيناريوهات تبدأ من إسرائيل، وقد لا تنتهي على أعتاب معقل حزب الله في الضاحية ذاتها. وعلى كل سيناريو منها تترتب ترددات ومفاعيل ونتائج من المبكر التكهن بمدى خطورتها، لكنها بالتأكيد مقلقة إلى أقصى الحدود.

تعددت الاحتمالات بانتظار ما ستكشفه التحقيقات من معطيات حول “طيران الضاحية الانتحاري”، وبينها ما هو مستبعد أو صعب، فيما أخرى تبدو مرجحة أكثر، خصوصاً بعدما نقل البيان الصادر عن “المقاومة الإسلامية” المسألة إلى الداخل اللبناني.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الاحتمالات تتأرجح بين أن تكون الطائرتان أطلقتا من الداخل الإسرائيلي، أو من الجو عبر طائرات إسرائيلية أو طائرات مسيّرة أكبر، أو عبر البحر من خلال اختراق المياه الإقليمية اللبنانية بطريقة لم يكشفها الرادار، وتم التحكم بالطائرتين عبر الأقمار الاصطناعية، إذ ترددت معلومات عن أنهما كانتا مجهزتين لهذه التقنية.

البيان الصادر عن “المقاومة الإسلامية” والذي أكد أن “الطائرة المسيرة الأولى كانت تحتوي على عبوة مغلفة ومعزولة بطريقة فنية شديدة الإحكام، والمواد المتفجرة الموجودة بداخلها هي من نوع C4 وزنة العبوة تبلغ 5.5 كيلوغرامات، وهدفها لم يكن الاستطلاع وإنما كانت تهدف إلى تنفيذ عملية تفجير تماماً كما حصل مع الطائرة المسيّرة الثانية”، لم يرو غليل العطشى إلى معطيات وافية وحاسمة. في حين لم يصدر عن أي جهة رسمية لبنانية معلومات نهائية حول نتائج التحقيقات حتى الآن.

ثمة أسئلة أخرى تُطرح أشد خطورة. فعلى ضوء المعلومات التي تُسرَّب من هنا وهناك أن المدى الأقصى لإطلاق الطائرتين قد لا يتخطى الخمسة كيلومترات، ومن هنا تتشعب الاحتمالات:

هل تمكن الموساد الإسرائيلي مجدداً من اختراق الضاحية الجنوبية وأطلق الطائرتين من داخلها أو على تخومها؟ أم تمت العملية على يد عملاء نجحت إسرائيل بتجنيدهم من داخل بيئة حزب الله؟ وهذا غير مستبعد إذ تبيَّن في محطات وعمليات سابقة أن حزب الله مخترق من قبل الموساد الإسرائيلي وعلى مستوى قيادي، وتم كشف عشرات العملاء الذين وقعوا في قبضة الأجهزة الأمنية المختلفة، خصوصا شعبة المعلومات؟

كذلك، ما مدى صحة ما يتردد عن أن الطائرتين إيرانيتان وكان حزب الله يجري تجربة إطلاق واختبار وفشلت لأسباب تقنية أو لمستوى القدرة الاحترافية، خصوصا على ضوء ما تناقلته وسائل الإعلام عن أن الحرس الثوري وفيلق القدس يحضّران لشن هجمات بطائرات مسيّرة مفخخة على مدن وقرى داخل إسرائيل، وأن الغارات التي شنتها الطائرات الاسرائيلية أخيرا في العراق على مراكز للحشد الشعبي وحزب الله في دمشق ليل السبت الماضي حيث سقط عنصران للحزب، لكون هذه المراكز بالذات كانت تحضر لهذا النوع من العمليات بالطائرات المسيّرة، حسب المزاعم الإسرائيلية؟

ومما يزيد في الشكوك والغموض، ما تتداوله الصحافة العالمية عن انتقال قسم من الأسلحة الكيميائية التي احتفظ بها نظام بشار الأسد بعدما خدع المجتمع الدولي المتساهل، إلى حزب الله. وأن هذه الأسلحة موضوعة في مستودعات بين الأبنية السكنية على غرار الأسلحة والذخائر التقليدية، كما تبيَّن في محطات سابقة انفجر فيها عدد من مخازن الأسلحة في قرى جنوبية ومُنع الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية من معاينة أمكنة الانفجارات بعدما كان حزب الله يضرب طوقاً أمنياً حول أمكنة حدوثها.

وفي الحالة الأخيرة احتمالات عدة، منها أن إسرائيل كانت بصدد مراقبة هذه المنطقة في الضاحية لشكوك حول احتوائها لمخازن أسلحة، سواء لطائرات مسيّرة أو كيميائية أو تقليدية، وذلك من ضمن عملية إغناء بنك المعلومات لديها المرتبط عضوياً ببنك الأهداف المحتملة. أو أن حزب الله بات يمتلك فعلاً أسلحة غير تقليدية كاسرة للتوازن وكان يجري تجربة ميدانية معينة مرتبطة بالطائرات المسيّرة لكنها لم تنجح. علما أن الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله صرّح بعد قصف مفاعل دير الزور السوري في شباط 2013 أن “الأسد رد على القصف الإسرائيلي بتزويد حزب الله بسلاح (كاسر للتوازن)”، مما يرفع من الشبهات حول امتلاك الحزب للأسلحة غير التقليدية.

العميد المتقاعد سليم أبو اسماعيل يرى في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه “لإزالة كل الالتباسات والفصل بين هذه المعلومات الكثيرة المتناقضة المتداولة وغيرها، كان يُفترض أن يتم كشف دقيق على الطائرة التي انفجرت أو أُسقطت، بحكم التضارب الحاصل في المعلومات”.

ويوضح أن “تفاصيل القطع الإلكترونية وغير الإلكترونية الموجودة في الطائرة هي التي تحدد مصدرها. لذلك كان يفترض أن يتم تحقيق رسمي ودقيق في تفاصيل الطائرة، كي يتم التعرف بالضبط إلى من صنّعها ومن أنتجها وكيف تسيَّر”.

ويعتبر العميد أبو اسماعيل أن “كل هذه التقارير التي يتم التداول بها متناقضة وتبقى مشكوكة بصحتها، إلا بعد إجراء كشف نهائي رسمي على تفاصيل الطائرة التي سقطت أو اُسقطت في الضاحية”.

ويشدد على أن “القضية برمّتها من المفترض أن تكون تحت سيطرة ومعرفة ومتابعة الجيش اللبناني”. ويؤكد أنه “يوجد في الجيش فنيون وتقنيون يمتلكون الخبرات اللازمة، ولدينا اختصاصيين في الجيش خضعوا لدورات تدريبية متخصصة في الخارج على هذا النوع من الطائرات (Unmanned Aerial Wehicles UAV)”.

ويقول، “أما سوى ذلك، تبقى الشكوك حول المعلومات المسرّبة قائمة، وكل طرف يفسّرها بحسب أهوائه السياسية إذا صح التعبير. لذلك، لا يفترض الركون إلى أي خبر حول الموضوع أو تأكيده بشكل قاطع، قبل التحقق من طائرة الضاحية والتدقيق في تفاصيل صناعتها من قبل الجيش اللبناني بشكل رسمي”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل