.jpg)
ورد في كتاب “1958القصّة، الأسرار، الوثائق” الصادر عن دار سائر المشرق العام 2011، للصحافي عادل مالك، نصّ لرسالتين تمّ تبادلهما بين الزّعيم كمال جنبلاط والوزير شارل مالك على أثر رسوب الأوّل في الانتخابات النيابيّة التي جرت في حزيران العام 1957.
في رسالة جنبلاط الأولى في 10 تمّوز 1957، يدعو فيها شارل مالك إلى الاستقالة من الحكومة مدغدغًا إيّاه بوتر الميثاق العالمي لحقوق الانسان الذي كان مالك من واضعيه، ومحاولا التمييز بين شخصيّتي مالك: السياسيّة والحقيقيّة كما قال جنبلاط. وعرض فيها لاستقالته هو شخصيًّا في العام 1947 يوم استقال ومدّ يده للمعارضة ليعود وينجح بعدها مع المعارضين كلّهم.
أمّا في ردّ مالك الذي تأخّر عشرة أيّام ما أوجب جنبلاط على توجيه رسالة ثانية لمالك في 25 تموز من العام عينه، يذكّره بمضمون الأولى، فجاء ردّ مالك على الرّسالتين بشجب الأمور التي صدرت عن الدولة وسوء ممارسات بعض رجالاتها، مع إشارته الصريحة إلى أنّ الفساد وخرق القوانين هما وليد تراكم سنين كان جنبلاط فيها وزيرًا ونائبًا ومسؤولا وليس مالك.
ويردف مالك لجنبلاط بأنّ مفهوم الدّولة المفقود الذي أشار إليه جنبلاط إنّما يؤيّده فيه تمامًا. وعلى كلّ لبناني مؤمن بوجود لبنان هيكلا للحرّيّة الكيانيّة المسؤولة أن يتقدّم على أي مشكلة إدارية جهازية إصلاحية داخلية. فمالك على حدّ قوله لجنبلاط، يفضّل لبنانًا موجودًا متلمّسًا طريقته إلى مفهوم الدولة، وعلى لبنان فهم الدولة، وأنّ ما فهمه لبنان بالحقيقة هو غير لبنان الموجود في يومهما.
ويؤكّد مالك لجنبلاط “أنّ الخطر الأكبر اليوم ليس في أنّ فساد الدولة الداخلي غير معروف، أو غير واضح، أو في أنّ أحدًا لا يقرّ بالضرورة الملحّة للإصلاح الشامل الجذري، بل في أن يطوّح العابثون والموتورون بلبنان من أساسه باسم الاصلاح ومن أجل تحقيق مفهوم الدّولة فيه… ومشكلة الوجود هي مشكلة لبنان الحقيقيّة الأولى اليوم”.
لكأنّنا اليوم في حضرة شارل مالك وكمال جنبلاط. تبدّلت الأسماء لكن الأحداث لم تتبدّل. لا تزال مشكلة لبنان الحقيقيّة هي هي. مشكلة وجود أو عدمه. فإسقاط حلف بغداد الذي كان بوجه المدّ الشيوعي بين إيران وتركيا والعراق وباكستان والمملكة المتّحدة بإشراف الولايات المتحدة وسقط في العام 1979 على أثر اندلاع الثورة الاسلاميّة في إيران كان ضرورة في تلك المرحلة للعروبيّين المنضوين تحت المظلّة الروسية.
ما نحن بحاجة إليه اليوم في المنطقة ولبنان:
أوّلا: إنشاء حلف دولي يقف بوجه المدّ الفارسي، لمواجهة انتشاره في دول تعدديّة كلبنان، لا تؤمن مجموعاتها الحضاريّة كلّها بهذا الفكر. وذلك كي لا يفرض هذا المشروع نفسه فرضًا بقوّة سلاح الأمر الواقع.
ثانيًا: العمل في لبنان على عمليّة إصلاح حقيقيّ تبدأ من إرساء مفهوم الدولة من دون شراكتها مع أيّ دويلة أو منظّمة أو حزب. ومن ثمّ العمل على تطبيق الخطط الاصلاحيّة التي كثر الحديث عنها قبل انتخابات 2018، وخبا بعدها؛ على الأقلّ من معظم الأطراف.
ثالثًا: مشكلة الوجود اليوم هي المشكلة الأساس التي يجب معالجتها. إمّا أن يكون لبنان بلد الحرية الشخصيّة الكيانيّة، وإمّا لن يكون. فلبنان والحريّة توأمان لا يعيشان بطريقة منفصلة. لكن الحريّة التي نتحدّث عنها هنا هي المسؤولة التي لا تتعارض وأيّ مفهوم من مفاهيم المجموعات الحضاريّة المكوّنة للنسيج اللبناني.
من هذا المنطلق، تحلّ الأزمة في لبنان التي باتت أزمة وجود بين الاستراتيجيّتين: الدفاعيّة والاقتصاديّة. وخلا ذلك، نكون في طور عمليّة بحث عن ساعة الظهيرة عند المساء. والأزمات كلّها التي تلوح في الآفاق الاقليميّة، ستنعكس حتمًا على السياسية الداخليّة في لبنان، لأنّ الذين لم يتوقّفوا عن المناداة بالنأي بالنفس هم أنفسهم من أقحموا لبنان في أزماته الاقتصاديّة والاستراتيجيّة وحتى الأمنيّة.