#adsense

انا طوني بجاني “المشّاط”… خبريهن عني يا ريما

حجم الخط

كان الاب مناضلا. حمل بندقية وصوبها باتجاه الغريب المسلّح، قاتل المسلحين الفلسطينيين والسوريين، لوحق واحتجز وحاول الاحتلال السوري ان يأخذ منه ولو معلومة صغيرة عن رفاقه المناضلين، او عما إذا كان يملك قطعة سلاح، ومن أطلق النار على قوات النظام السوري يوم داهموا بلدة الكحالة العام 1976 لتطويعه واذلاله، كما حاول ان يفعل المسلحون الفلسطينيون قبلهم. فعلوا المستحيل لاستدراجه وسحب ولو معلومة صغيرة منه فعجزوا. أطلقوا سراحه بعدما يئسوا منه، فهرع الى بيته وسحب بندقيته من تحت مخدّة ابنته الرضيعة ريما، وعاد الى الشارع وانضم الى رفاقه وبدأ معهم القتال والدفاع عن شرف الكحالة.

كل المكان يعرف “ابو طوني”، وهنا الكحالة حيث اسماء الشهداء المقاومين مغروزة بضمير ووجدان البلدة، هنا كل الشوارع والبيوت والحيطان والعيون مزروعة عزّ المقاومين، مزروعة نضالا لم يتوقف يوما، ولم ينس يوما ابطاله وتواريخه المجيدة.

حتى اليوم تروي الكحالة بفخر كبير حكايات ابطالها في المقاومة اللبنانية، لم تنسَ بندقية “أبو طوني” صحيح، لكن ولا يوم منذ ذاك الـ16 ايلول 1985، تناست الكحالة طوني نفسه، ذاك الشاب المناضل الشجاع الشهيد الذي لم يرحل بعد!

كما الاب، كبر الابن واعتنق بارودة النضال، صار البكر مقاوما رغما عن ارادة الاهل، لم يكن جوزف بجاني يريد لابنه ان يمشي على دربه خوفا على حياته، فأبعده عن الضيعة. وذات صباح وبعدما نقلت العائلة مسكنها الى بيروت، نهضت ام طوني من نومها لتجد سرير طوني فارغا “وينو الصبي؟”، كان الصبي لبس بدلته الزيتية حمل البارودة وصار في بيت قلبه الاحب الاحب اليه، الثكنة والمتراس. كان يريد ان يفعل كما فعلوا رفاقه من قبله، الدفاع عن الارض وكانت الكحالة على الحدود، خط تماس مباشر تحت فوهات الغرباء وعملائهم.

“كنت زغيرة بعمر تسع سنين وضل ناطرة طوني يوصل ع البيت وياخدني مشاوير. كان يحبني كتيير وكنت اعتبرو بطل وما حدن متلو. حنون يضل يشتريلي العاب، ويهتم بالبيت وبأهلي واخوتي، من يوم للي راح بحس بعدني ناطرتو ع الباب وهو حامل بارودة بإيد وهديي الي بالايد التانيي”، تقول اخته ريما بجاني.

صار لقبه طوني “المشّاط”، اذ كانت مهمته تمشيط الاحراج والساحات الفارغة المحيطة بالكحالة، ليتمكن رفاقه من تنفيذ عمليات اختراق لمناطق العدو، وشن الهجومات لتحريرها من المسلحين. كان خفيف الحركة شجاعاً لا يهاب. حتى عندما خطفه السوري المحتل الى الضاحية العام 1985، لم يبالِ بهم، اخضعوه للتحقيقات القاسية، علّقوه على البلنكو ليعترف بأسماء رفاقه وأماكن وجودهم، فابتلع بطاقته الحزبية كي لا يعرّض رفاقه للموت. امر لم يحتمله الوالد المناضل، فانتحل صفة ضابط سوري وذهب الى مركز اعتقاله وحرره، وطنطنت الكحالة بالحكاية، بالبطولة المزدوجة للاب والابن “هيك ربينا على هالاخبار وبهالاجواء. نضال ومقاومة وحكاية عسكر وشهدا، كنا نخاف كتير على طوني بس ما كنا نعرف انو الشهادة واصلة ع قلب البيت”.

شاءت الاقدار أن يكون موسم قطاف ربيعه في ايلول ايضا، لتتعمّد شهادته بورق الحنين وكل الشجن الرقراق. 16 ايلول 1986، اخترقت عمره رصاصة قناص هناك عند اطراف الكحالة في ما كان يقوم بجولة.

نام ابن الثانية والعشرين في سريره حضن الشهادة، واشعل الشباب الجبهة وحوّلوها الى جهنم المعتدين لأجل طوني، لم ترحم نيرانهم من سلبوه الحياة، لأجل طوني جعلوا الارض جحيمهم هم من دنسوها بإجرامهم واحتلالهم وعملائهم، وليتمكنوا من سحب جسده الطري المبلل بدماء العطر، كي لا تمتد اليها اياديهم الآثمة الملوثة بالعار، وعادوا به مرفوع الهامة مكللا بالشهادة وبغار المسيح “بس راح راح شي مني الكتير معو، كأني خسرت نصي التاني، خسرت قطعة مني، خيي الزغير ما استوعب الغياب فقرر انو يرجّع طوني ع البيت فتزوج بعمر العشرين وانجب طوني الزغير، لان طوني الكبير رفض يتزوج قبل تحرير لبنان، وبقيت امي عشر سنين لابسة الاسود”، تقول ريما.

هل رحل طوني بجاني؟ “ولا لحظة ولا لحظة ” تصرخ ريما “امي لليوم محتفظة بغراضو وبدلتو، صورو بالبيت، ريحتو ع تيابو متل عبق الورد، نضالو معلّق ع زوايا حياتنا كلنا”.

تزوجت ريما وانجبت، وصارت من كوادر القوات اللبنانية ولا تزال تقف على عتبة بيت الكحالة تنتظر هدية طوني ومشاويره “ابني عمرو 16 سنة بيعرف كل اخبار خالو طوني وشو عمل ووين حارب، بنتي الزغيرة بتحكي عنو كأنو موجود، وكل سنة منتذكرو مع رفاقو بقداس على نيتو، ومنطلع كلنا ع قداس الشهدا”.

لم يبارح طوني بجاني بيته بعد، متعمشق على صوره وقلوب الحاضرين فيه وكل تفاصيلهم، “شغلي بمعراب وخصوصا بقداس الشهدا هو جزء من تمسكي بذكراه، انا ماشية على خطاه هو حمل البارودة تيدافع عن بلادو، وانا حاملة قلبي ونشاطي وحياتي للقوات من وحيه ومن وحي طريقة تفكيرو ونضالو، العمر معو كان غني كتير ورح ضل إحكي عنو حتى موت”.

غرقت الام في حدادها لسنوات طويلة، لكنها لم تقل يوما ليته لم يكن مقاوما، تعبّر عن اسفها لأنه رفض الزواج قبل تحرير بلاده “كان ع القليلة عندو ولاد من ريحتو” تكرر، صورة طوني ما زالت معلقة الى صدرها لا تبارحها لحظة، تعيش معه الحنين والشوق والصلاة، “منشان هيك بقول دايما انو خيي معنا ما تركنا، امي اخوتي ولادي كلنا عايشين وكأنو طوني موجود، وهو موجود فعلا بكل تفاصيل حياتي، بايماننا المسيحي، بضميرنا، بحس انو محاصرني وبطلب منو دايما انو متل ما كان يساعدني وهو ع الارض، يضل يساعدني وهو بالسما، بحكي معو وبخبرو حكاياتي وبقلو يا ريتك كنت هون تتحضر عرسي وتشهد على سعادتي وتتعرف ع ولادي، هيدا من منطلق وجداني. اما من المنطلق الوطني بعتبر انو القوات وصلت لهون من ورا استشهاد هالشباب ونضال شبابنا الاحياء كمان. هني حملوا البارودة نحنا عم نحمل علمنا وعم نواجه وهودي مش شعارات، الوطن ما كان موجود لولا دفاعن يعني بعد ما راحوا”.

ابن ريما البكر يروي بفخر كبير قصص خاله، هو الان رئيس خلية القوات في مدرسته، اخذ من امه الصليب المشطوب الذي كان لخاله، وحفر على يديه شعار “حيث لا يجرؤ الاخرون”. ابنة ريما بعمر ست سنوات وحين تسألها مَن البطل فتصرخ “خالو طوني”. ريما الان مسؤولة عن دائرة المحللين والمعالجين النفسيين في القوات اللبنانية، وتعمل في لجنة النشاطات في معراب. نحلة من نحلات “القوات اللبنانية” حيث تنغل بحضورهن ونشاطهن وعسل ينتجنه من رحيق المقاومة والنضال والايمان بالقضية الكبرى “لازم يكون مثالنا الاعلى هالشهدا، وقت الحرب بس طلبن الوطن لبوا النداء، اليوم عم يطلبنا الوطن بالسلم تنشتغل لأيام احلا لكرامة الوطن والانسان، نحنا مطلوبين تنبني الوطن للي منحلم فيه، لازم نعمل متلن ونكون ع قد مسؤولية استشهادن تنحافظ ع بلادنا، وهيك بيكونوا عن جد ما راحوا”… اسمعت يا مشّاط المقاومة؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل