






كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1698
في كل سنة يسابقون الوقت ليكونوا على الموعد. كأنهم يخشون أن يغدر بهم الزمن ويسرق منهم تلك اللحظات التي يجلسون فيها مع شهدائهم وجهًا لوجه بفخر وكرامة تحت سماء معراب لينسجوا من خيوط دموعهم خارطة طريق نحو الحرية المنشودة.
إلى معراب يتوجه أهالي الشهداء مزوّدين بألف ذكرى وحكاية. يعانقون الصورة المؤطرة. يشدون عليها، يعصرونها بصدورهم وكأنهم في ذلك ينشدون ان يسمعوا دقات قلوبهم ترقص فرحا في تلك المناسبة التي يكرم فيها “القوات اللبنانية” شهداءها.
ثمة وجوه أثقلتها هموم الأعوام تعبًا وحزناً، وحفرت أثلاماً جديدة تحاكي وجع الأيام. لكنها لا تزال على صلابتها، على عنفوانها، على كبريائها.. وثمة وجوه غابت وعانقت أرواح شهدائها المحلّقة في سماء الحرية. لكن مقاعدها لم تفرغ. فالأجيال الجديدة التي كبرت على عقيدة الإلتزام وحكايات الإستشهاد على الوعد والموعد.
في فعل الشهادة الكثير الكثير من المعاني التي تسمو فوق كل الإعتبارات وقد لا تجد تفسيرًا داخل البيت الواحد، لكنها تزرع في ثناياه براعم نضال وأجيال تؤمن أنه ما بيصح إلا الصحيح مهما طال زمن القهر والإعتقالات. وبين أول الشهداء وآخرهم مسافات زمنية رسمت على مفترقاتها الكثير من الأسئلة عن مفهوم الشهادة في زمن الحرب والسلم وانعكاساتها على عائلة الشهيد.
تفسيرات كثيرة والجواب واحد. شهداؤنا ما راحوا. وأيلول الشهداء على الموعد في معراب هذه السنة في الأول منه حيث الصلاة واللقاء مع الذكرى والذكريات التي سترويها الأجيال عن قصة شهيد.
ذاك اليوم في عليَّة الصلاة سنقرأ بعضاً من الأجوبة على ألف سؤال وسؤال نحمله معنا لملاقاة شهدائنا وتكريمهم بقداس سنوي. وحدها حماسة أهالي الشهداء، كما الرفاق، يثبت أن استشهادهم أثمر مشاريع شهداء والتزامًا لا حدود له.
فهل ثمة من يشكك بعد بأنهم “ما راحوا؟”.
بجاني: تجديد العصب لنبقى ونستمر
في العام 2017 ركز جعجع في خطابه على الانتخابات النيابية، وفي العام 2018 كان التشديد على مرحلة ما بعد الانتخابات وما حققته “القوات”، شاكراً الشهداء ومقدماً لهم الـ15 نائباً الذين وصلوا إلى الندوة البرلمانية بفضل ما أثمرته هذه الشهادة. هذه السنة سيحمل خطاب جعجع عناوين مختلفة وسيكون بمثابة وثيقة سياسية تتضمن جملة مواقف وطنية لها وقعها الخاص على المستوى الوطني، وسيركّز على اللحظة الوطنية التي يعيشها اللبناني عموماً، والقواتي تحديداً لا سيما بعد استبعاد مرشح حزب القوات اللبنانية من عضوية المجلس الدستوري، ويتوقع أن تكون له تردداته على أكثر من مستوى، لا سيما وأنّ لبنان يعيش لحظة وطنية تاريخية بالإضافة إلى الضائقة الاقتصادية، والسياسية والٍمالية.
صفوة الكلام فإن الكلمة تنبع من حال البلد للتأكيد على أنّ “القوات” هنا والى جانب اللبنانيين، وستكمل المواجهة إنطلاقاً من حرصها على وجود الإنسان، والمحافظة على سيادة لبنان وحريته واستقلاله، ومنعاً لتوريط البلد بمحاور خارجية، وحفاظاً على أمنه وسلامته.
المسؤولة عن التصميم والديكور في جهاز الأنشطة في حزب “القوات اللبنانية ريما بجاني أوضحت أن معراب تتحضر لاستقبال أكثر من 4000 شخص، ولهذه الغاية أجريت بعض التعديلات على التجهيزات اللوجستية والإدارية لتنظيم المواقف والمقاعد ولتسهيل وصول المشاركين، وعدم إزعاجهم.
أما في الشكل، سيشهد الإحتفال بعض التغييرات الطفيفة التي ستطرأ على شكل المذبح وطريقة الدخول إليه والخروج منه، أمّا في المضمون، فإن قداس الشهداء “هو بمثابة نقطة التقاء لتذكرنا بتضحيات شبابنا وتمنحنا الزخم وتجدد فينا العصب لنبقى ونستمر”. وتضيف بجاني أن طابع القداس هذه السنة والذي يتولى إخراجه رئيس جهاز الأنشطة طوني قهوجي يدخل في صلب المقاومة اللبنانية ويتجسد ذلك في نشيد “ما راحوا” الذي يروي حكاية أطفال الحرب الذين كانوا شهودا على كل تفاصيلها الموجعة إلى أن كبروا وبدأوا يتعرفون إلى حقيقة أسبابها، وكيف دافع شباب “القوات” عن كل حبة تراب واستشهدوا من أجل لبنان… ومن أجل أن نبقى في لبنان. ويسلّط شريط الفيديو الضوء على تاريخ الحرب اللبنانية لا سيما المعارك والمجازر التي تظهر بطولات شباب المقاومة اللبنانية وصولاً إلى اليوم. ولفتت إلى أن الفكرة التي وقّعها المخرج طوني قهوجي تعكس روح النضال وتجدد العصب القواتي بعدما وصلت مشهديات قداديس الأعوام السابقة التي وقّعها رئيس جهاز الأنشطة السابق إيلي يحشوشي إلى القمة”.
تلفت بجاني إلى أن قداس هذه السنة الذي يقام في الأول من أيلول سيكون بمثابة محطة شكر لشهدائنا “بدنا نقللن شكرًا لأنو من خلالكن صار عنا 15 نائب في البرلمان وأربعة وزراء. والإنسان اللي استشهدتوا كرمالو بعدو عم بيناضل للوصول إلى الحرية اللي حلمتوا فيا. وأكيد أكيد هني عم بيشوفوا من فوق النتايج اللي عم نحققا كـ”قوات لبنانية” على صعيد الوطن والإنسان”.
قصة الشهادة تربطها بجاني بالجذور، تلك القصة التي بدأت مع يوحنا مارون وتستمر. وتقول: “علاقة المسيحيين المشرقيين مع الشهادة بدأت منذ التاريخ وهي تربطنا بالأرض التي نستشهد من أجل أن تبقى حرة للأجيال الطالعة. وهذه الشهادة إستمرت على مر العصور عنواناً لوجود المسيحيين في هذه البقعة من الأرض إلى أن اندلعت شرارة الحرب اللبنانية في العام 1975. يومها حمل شبابنا السلاح دفاعًا عن وجودهم وانتمائهم والتزامهم بإيمانهم وعقيدتهم ووطنيتهم وكان الثمن باهظاً لكن كان لا بد منه إذ لم يكن من الممكن أن نبقى ونكون حيث نحن اليوم لو لم يكن هناك قافلة من الشهداء”. وتضيف بجاني: “من لحظة نزوله إلى ساح المعركة دفاعًا عن الوجود والحرية يصير مشروع شهيد تماما كما تلامذة السيد المسيح الذين طافوا يبشرون باسمه وكانوا يدركون أنهم يكتبون سيرة استشهادهم. وإذا عدنا إلى العام 1975 ندرك أن الشباب الذين حملوا السلاح كانوا يدركون أنهم ذاهبون إلى الموت. همهم الوحيد كان الدفاع عن وجودهم الحر وحماية أمن ووجود أهلهم وأبناء مجتمعهم. وهذا أسمى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان. فعل الشهادة. من هذا المنطلق يولي رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أهمية قصوى لقداس الشهداء السنوي وله في قلبه مكانة لأنه يمثل جوهر القضية اللبنانية، قضية الوجود الحر والسيد والمستقل. وعلى هذه القاعدة سنستمر لتحقيق أحلام شهدائنا في بناء وطن يتمتع فيه الإنسان بأبسط حقوقه”.
هم لم يسألوا ليس عبثاً ولا اعتباطاً لأن هدفهم كان نابعًا عن إيمان وعقيدة، لكن ماذا عن أهل المقاتل؟ توضح بجاني: “يعيش أهل المقاتل وعائلته صراعًا بين العاطفة والخوف على أولادهم من جهة، والإلتزام الوطني من جهة ثانية. من هنا نرى أن هناك فئتان من الأهالي في كل المجتمعات، الأولى التي تحاول أن تمنع أبنها من حمل السلاح والنزول إلى ساحة المعركة، والفئة التي تبارك ليس فرحاً إنما إيمانا بالقضية التي التزموا بها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن المقاتل عمومًا يخرج من بيت تمخض بالإلتزام والإيمان بقضية”.
أجواء الحزن الصامت التي تزنر بيت كل شهيد تنعكس حكماً على الأولاد، “هم يعيشون حالا من الحزن البارد والإحساس بالذنب. أكثر من ذلك تراهم يتشبهون دائما بالشهيد فيصير مثالهم الأعلى ولو كلفهم الأمر السير على خطى الشهادة. في المقابل هناك فئة من الأهل التي تفصل بين مسارات الحزن والتعايش مع الواقع وتولي إخوة الشهيد اهتماما خاصا، ومنهم من يحولون الشهادة إلى ثورة سلبية على الحزب الذي كان ينتمي إليه الشهيد فيقفلون الباب على كل ما يمت إليه بصلة، إما خوفا من أن ينخرط أحد الأبناء ويتحول من مشروع شهيد إلى شهيد، أو إنتقاما على اعتبار أنه كان السبب في استشهاد إبنهم. لكن في الحالين يبقى الشعور بالفخر والإعتزاز في كل مرة نسمعهم يرددون: “خيي شهيد… إبني شهيد”. وهذا ما يفسرالإزدواجية في وضعية بيت الشهيد. فمن جهة هناك الحزن الذي يعيشه أهل البيت، ومن جهة أخرى هناك الفرح السماوي الذي يبارك هذا البيت الذي قدم شهيداً للوطن وبذل حياته من أجل الآخر”.
عامًا بعد عام ينتظر أهالي الشهداء ذاك اليوم الذي سيصلون فيه مع شهدائهم ورفاقهم مسبحة الشهادة. عامًا بعد عام تغيب وجوه لتلتحق بشهيدها وتطل وجوه جديدة، أجيال جديدة لتقف في تلك الباحة باحة العز والكرامة في معراب وتسمع قصة شهدائنا اللي ما راحوا. وتقول ريما بجاني: “كل سنة نراهم يأتون غير آبهين بظروف الطقس. في العام الماضي كانت ظروف الطقس قاسية جدا ومع ذلك لم يغادر الأهالي الساحة. وقفوا تحت الأمطار الغزيرة صلوا واستمعوا إلى كلمة الدكتور جعجع ولم يتركوا الساحة إلا في نهاية القداس. هم يدركون مكانة شهدائهم في الحزب ويعرفون أننا لم ولن ننسى تضحياتهم”.
“في 21 آذار 1994 قالوا “إنتهى” وفي 21 نيسان 1994 أيضاً وأيضاً قالوا “إنتهى”، أما في 9 أيلول 2018 فنقول وبالصوت العالي: “لا ما انتهى”.
لم ينتهِ لأن هناك أناسًا وبأصوات عالية جداً صرخوا: “لا ما انتهى… ولا بدّنا ينتهي”.
لم ينتهِ لأن الناس، ومن بين كل الأحلام، قرروا التمسك بهذا الحلم بالذات من بعد محاولة سلطة الوصاية والكثير غيرها وبكل قواهم خنق هذا الحلم وتقديم أحلام أخرى للبنانيين على طبق من فضّة.
ومن بعد ما أمعنوا تهميشاً وتعتيماً وإلغاءً، ومن بعد ما استبعدوا “القوّات” عن السلطة السياسيّة لمدة 15 سنة، عادت “القوات” بـ15 نائبًا في يوم واحد وانكسر الحصار وتحرّر الحلم”. قالها سمير جعجع للشهداء في قداس العام الماضي وإلى أهاليهم توجه قائلاً: “شهداؤنا لم يسقطوا في أي يوم من الأيام، من أجل حكومة أو من أجل وزير “بالطالع أو بالنازل”. لقد سقط شهداؤنا من أجل الدولة وليس من أجل أي منصب فيها”.
من أجل هذه الدولة التي خاطب بها سمير جعجع الشهداء في قداس معراب 2018 الدولة التي حلم بها شهداء المقاومة اللبنانية يحرص حزب “القوات” على أن يكون قداس الشهداء مسطراً بكل تفاصيل العز لتكريمهم. وكما في كل سنة ينكب رئيس الحزب على كتابة الكلمة التي يلقيها في نهاية القداس وبعد النشيد الذي حمل هذه السنة عنوان “ما راحوا” وهو من كلمات الشاعر نزار فرنسيس وألحان هشام بولس وتوزيع باسم رزق إنشاد جوقة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة.
وكما لكل قداس رمزيته. ذاك الأول من أيلول كان الموعد مع تجديد الوفاء والعهد لشهدائنا. في ذاك القداس كان الوعد واللقاء، وكان أيضًا القرار بأن نكون شهوداً بالفعل والفاعل والمؤتمنين والثابتين والملتزمين بقوافل الشهداء.
ذاك الأول من أيلول قلناها عن إيمان وقناعة “ما راحوا”. وعلى خطى دعساتهم باقون.
(إنتهى)
إقرأ أيضاً: الله يبارك البيت اللي طلع مِنّو شهيد – 1
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
