#adsense

عندما يرتدي أيلول ثوبه الأخضر

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1698

عندما يرتدي أيلول ثوبه الأخضر

روقوا يا شباب… عا دعستكم نحنا مشينا

 

دائما بالورد الأبيض يستقبل المكان أهله. مش جايي الباش؟ أكيييد جايي. رمزي؟ جايي. بيار بولس؟ أكيد أكيد… توقفي عن طرح الأسئلة عنهم، أنظري الى الأسماء المدروزة هناك كم عددها؟ 15 ألفا؟ ربما أكثر لا أعلم، من دون استثناء، من دون استثناء كلهم يحضّرون إحتفاليتهم، وها هم يرتّبون ملابسهم، يحضّرون ثياب العيد، وثيابهم مدنية كانت أم عسكرية هي البدلة الزيتية، بدلة الزمان تلك التي زرعتهم في وعر الأرض أرزا وفي يباس الكرامة شرفا… رجاء لو تبتعدين قليلاً من زحمة التحضيرات، وصل شلومو ويريد إضافة بعض الترتيبات الضرورية على قداس الشهداء!!

 

إبتعدت، لكن ثمة إلتباس هنا، هذه ليست الجنة، ولا نحن هناك فوق معهم فوق الغيوم، هنا معراب في جرد كسروان، هنا كل الحياة، وهذه هي الساحة الفسيحة المفلوشة تحت أنظار مار شربل، والتي يلتقي فيها الشهداء مع الكل، أهل ورفاق في أيلولهم السنوي المنتظر. ستمطر هذه السنة يا أيلول كما فعلت السنة الماضية؟ يضحك الذي طرفه دائما بالشتي مبلول ولا يجيب، إذ من يفهم مزاجيته العالية، ولعله يتعمّد المطر ليخبرنا عن عظمة النعمة التي تحاصرنا في ذاك القداس. نعمة الإستشهاد لكي يحيا وطن، وبركة المطر التي تنهمر فوق ذكراهم العابق كمن يقول “خذوا بركة لعطش الأرض كما سبق وأخذتم بركة لعطش الكرامة”. لكن يبدو المكان مختلفاً عن السنين السابقة، ما الذي تغيّر يا شباب؟ يضحك الرفاق المنظمون من ضياعي “لا رفيقة ما تغيّر المطرح بس نقلنا المسرح ع الجهة التانية”. آه الآن استوعبت التغيير، لكن يا ريما ستضيق مساحة الكراسي ولن يتمكن كثر من حضور القداس، “لا ما تخافي زدنا مدرّج ع المساحة المقابلة للمذبح تـ نقدر نستوعب نحو 3800 كرسي يعني زيادة 800 كرسي عن السنة الماضية” تقول ريما بجاني المسؤولة عن الديكور في لجنة الأنشطة في حزب “القوات اللبنانية”؟

مسرح طووويل وفوقه وُضع المذبح وكل العدّة. لا يهم التغيير هنا في ديكور المذبح وما شابه، الشهداء لا يحبون التعقيدات ولا كل تلك الإضافات الكثيرة التي تضيّع جوهر الحدث “المهم هالكاس يتعبّا من جسد الرب ودمّو وتتعبا القلوب برجاء القيامة وهيدا عرسنا وخلاصنا” يقول سمير… أنت سمير وديع ما غيرك؟ يبتسم ويذهب الى أسماء رفاقه يبحث عمن غاب.

على الشاشات الكبيرة سيُعرض فيديو كليب أنشودة الشهداء الخاصة بهذا الإحتفال. لم تكن صورهم ومشاهدهم يوما إلا فائقة الروعة، نراهم كما الأحلام، كما الخيال المتناهي الصفاء وهم  يمشون في حقول الوطن، يحملون بواريدهم حين يستدعيهم الخطر، وورودهم حين يفرضون سلامهم، وتلك الموسيقى وتلك الأغنية الأنشودة التي روت بعضًا قليلاً من بعضهم الكثير، ما راحوا! يا الله أي شجن هذا، كيف ما راحوا طيب وينن إذن؟ “راحوا وبعدن في قوات يعني بعدن ما راحوا” تقول الأنشودة، صحيح، صحيح يا شهداء، القوات من بعدكم كثر كثر، وها هو قداس معراب يشهد سنويًا على أعداد مضاعفة للأجيال التي تركتموها، الأبناء والأهل والأحفاد والرفاق، أجيال تسلّم أجيال، يعني ما زلتم في الوجود تنغلون حياة، أولادكم هنا يشهدون على حياتكم، “هالنشيد من كلمات نزار فرنسيس وألحان هشام بولس وتوزيع باسم رزق وسُجِّل باستوديو هادي شرارة، رح ينعرض قبل مراسم القداس”، تقول ريما.

عصفورة كانت تحلق فوق هاماتهم، جميلة مزغردة سعيدة، تنقد حبيبات قمح يتركها الشباب فوق، إذ يعرفون أنها ورفيقاتها سيأتين حتمًا حين تصيبهن حمى الحنين؟ العصافير أيضا تحب وتشتاق وتشعر بمن أحب حتى الإستشهاد. الفيديو المصوّر إستغرق إعداده نحو السنة، وفيه مشاهد حقيقية عن مقاومين حقيقيين مناضلين، لا هو تمثيل ولا افتعال، إنما حكاية من الواقع عن شباب اختبروا الموت لأجل الحياة، حرسوا منازلهم حين تعرضت لهجومات غرباء وأعداء وعملاء، حملوا بواريدهم لحماية شرفهم، ولما خُيّروا بين الذل أو الموت قالوا “لبيك لبنان لبيكِ يا سماء”.

طارت العصفورة من مكانها وحطت عند نصب الأرزة التي تظلل عرين الشهداء. هناك لا يذبل الورد الأحمر، هناك لا يقبل الحكيم إلا أن يحمل لهم وردته بنفسه ويقبّلهم بقلبه وعينيه، هم رفاق دربه، هم أصدقاؤه، هم أيقونة النضال الذي رسم وإياهم كل حكايا المقاومة المفلوشة على مساحة الوطن ولأجلهم يكمل المسيرة، باسمهم يجابه، لأجل استشهادهم يكمل الطريق، السنة الماضية أهداهم إنتصارًا انتخابيًا و15 نائبًا، السنة سيخبرهم إنهم عن جدّ ما راحوا ضيعان أبدا، وإنهم راحوا بس بعدن هون لأن ثمة من يعيش بعيونهم وقلوبهم وأسمائهم، لأن هنا القوات ما زالت موجودة لأنهم استشهدوا، ولأن شهادتهم أثمرت وطناً. سيرشدهم الى الإرث الذي تركوه، الأجيال، النضال لأجل حياة كريمة، السمعة الطيبة للقوات، نضالها لأجل الكرامة والنزاهة والإنسان في لبنان، لن يخفي الحكيم عنهم سرًا، سيخبرهم ما تعانيه القوات في زمن البؤس الذي صار يقارب اليأس، سيصارحهم بكل ما عنده لهم وما عنده سوى الإمتنان والإحترام والحب ومشعل البقاء، وهم ينتظرون بفارغ الصبر…

من بعيد يراقب الشهداء المشهد. يبتسمون، يشمخون برؤوسهم عاليًا كما كانوا وسيبقون مثالاً للكرامة والبطولات. فجأة إلتفت الى يمين المسرح، يخرج صبايا وشباب كشاف الحرية يتمرنون على اللحظة الكبيرة، “شفتوا إنكن بعد ما رحتوا؟” إختفى المقاومون، لعلهم خلف الكواليس يراقبون أجيال الشغف تحمل بيارقها. دعسات متراصة على نغمة عنفوان، هنا سيزرعون حضورهم كما عيون المستقبل حين نغرزها وعدا لأيام أفضل. كشاف الحرية وتلك الحرية المنهمرة من عيون الصبا وانتفاضة الرماد من وعر وطن، يا الله شو حلوين شو حلوين….

إقترب الموعد، جاء الأول من أيلول، ورق أيلول ليس أصفرًا في قداس الشهداء إنما يمطر ألواناً من وعد الحب. يحوم الشهداء، يتراصون في الصلاة، يترنحون طربًا لأغنيتهم. روقوا يا شباب نحنا معكن ع الدعسة. لا. أنتم لكم الأرض تناضلون لأجل إرثنا، وإرثنا لا يجب أن يقل يومًا عن الحب الذي يقارب قلب المسيح… مبارك يا أيلول بمن راحوا وبعدن هون ما راحوا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل