.jpg)
من حفرة إلى أعمق تغرق البلاد في الأزمات، فيما تبدو المعالجات المتّبعة قاصرة عن مواجهة مكامن الخلل الفعلي. وما أزمة السيولة والشح في تأمين الدولار التي تعاني منها السوق المالية والمصارف والشركات والمؤسسات في لبنان، سوى آخر الشواهد على عقم السياسات القائمة للمعالجة، إذ وصل سعر الدولار الفعلي إلى حدود الـ1560 ل. ل نتيجة ارتفاع الطلب.
لم يبق حريص أو متعاطف مع لبنان، في الداخل والخارج، إلا وحذر المسؤولين من أن “العربدة السياسية” ستؤدي في نهاية الأمر إلى “اختناق الاقتصاد”. لم يكن الأمر بحاجة لكثير اثبات مع تراجع النمو وارتفاع الدين العام وعجز الخزينة المتنامي، كل الوقائع والمعطيات كانت تدل بوضوح إلى هذه النتيجة المحسومة.
وترى مصادر اقتصادية ومالية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنه “على الرغم من كل التطمينات الصادرة عن مصرف لبنان والمسؤولين على كافة المستويات إلى استقرار الوضع المالي، وأن الأمور لم تبلغ بعد خط اللاعودة ويمكن إنقاذ الوضع، ومع الاعتراف ببذل بعض الجهود على هذا الصعيد خصوصا من قبل المصرف المركزي، غير أن الوقائع لا تكذب”.
وتقول: “تقارير وكالات التصنيف الائتماني الدولية السلبية من “ستاندرد أند بورز” إلى “فيتش” وصولاً إلى “موديز”، لا تكذب. ورفض مصارف ومؤسسات وشركات التعامل بالليرة اللبنانية وفوضى تسعير صرف الدولار في بعض القطاعات، خصوصا قطاع المحروقات، لا يكذب. وتكلفة التأمين على ديون لبنان السيادية (يوروبوند) من مخاطر التخلف عن السداد، التي قفزت بحسب “آي.إتش.إس ماركت” إلى مستوى قياسي جديد بلغ 1229 نقطة أساس، لا تكذب. وتعرض سندات لبنان للتراجع وانخفاض الإصدارين المستحقين في 2030 و2035 إلى أدنى مستوياتهما على الإطلاق، بحسب بيانات “رفينيتيف”، معطيات لا تكذب”.
وتضيف، أن “هذه، وغيرها من المعطيات الاقتصادية والمالية الكثيرة، حقائق وأرقام. ففي علم الاقتصاد، وحدها المعادلات العلمية يجب أن تسود، لا (الخزعبلات والبهلوانيات) السياسية، أو الهروب من الحقائق وتأجيل مواجهتها إلى ما شاء الله، أو مواصلة الممارسات السياسية ذاتها التي أوصلت الوضع إلى ما وصل إليه”.
وتشير المصادر الاقتصادية والمالية لموقعنا، إلى “خطورة اقتصاد المصارف منذ أشهر في تسليم الدولار للزبائن وتقنين السحوبات لغاية أرقام محددة، وذلك بسبب المؤشرات والمعطيات غير الإيجابية وللاحتفاظ بكتلة نقدية احتياطية آمنة في خزائنها، وعوامل أخرى. في حين، أدى ارتفاع الطلب على الدولار إلى فوضى في سوق الصرف فاضطُرت شركات الصيرفة إلى اعتماد سعر صرف أعلى من السعر الذي يحدده مصرف لبنان بـ1513 ل.ل، وصل أحياناً إلى 1560 ل.ل لتأمين الطلب المتزايد وحاجة الأسواق”.
وفي السياق، يوضح مصدر في إحدى شركات الصيرفة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “كل اللغط الحاصل في ما يتعلق بمسألة السيولة بالدولار”. ويؤكد أن “الدولار موجود، لكن سعره مرتفع بسبب ارتفاع الطلب”. ويشير إلى أنه “حين لا تقوم بعض المصارف ببيع الدولار لزبائنها يأتون إلى الصرافين، ونحن في هذه الحالة يزداد الطلب عندنا فيرتفع سعره. المسألة بهذه البساطة”.
ويشدد على أن “الصرافين يمارسون مهنة حرة في نظام اقتصادي حر، ولديهم كامل الحرية في ممارسة مهنتهم. وتداول العملة في لبنان هو تداول حر، وكأي سلعة تخضع لنظام العرض والطلب، وحين يزداد الطلب عليها في الأسواق يرتفع سعرها، وحين تتوفر بكميات كبيرة ينخفض السعر بشكل تلقائي”.
ويذكّر المصدر الصيرفي أن “المصارف بدأت منذ أشهر بتخفيف بيع الدولار، أما اليوم فقد توقف بعضها عن البيع نهائياً، فيما حددت مصارف أخرى سقف المبالغ التي تسمح بسحبها بالدولار بألف أو ألفَي دولار يومياً”. ويقول: “إذا كان على أحد الزبائن تسديد سند بقيمة 300 دولار مثلا، يرفض المصرف قبضه بالليرة اللبنانية أو بيع الدولار للزبون، ويطلب منه شراء الدولار من الصرافين وتأمين تسديد السند”.
ويضيف، أن “الأمثلة كثيرة في هذا الإطار، والمصارف لا تبيع الدولار للزبائن حتى ولو كان المبلغ زهيدا جداً، ولو بقيمة 20 أو 50 دولاراً. بل إن المصارف لا تبيع الدولار للزبائن ولو كان أحدهم يريد تسديد سند قسط جامعي أو سيارة. ولو كان لدى المودع حساباً بملايين الليرات اللبنانية، يطلبون منه شراء الدولار من الخارج وتسديد السند”.
ويلفت إلى أن “مصرف لبنان وبهدف تعزيز ملاءته من الدولار لتأمين المستحقات المالية للدولة ودفع السندات والفوائد المترتبة عليها والرواتب والأجور، طلب من المصارف ألا تبيع الدولار بكميات كبيرة للزبائن، وحفظ الدولار لتأمين عمليات المصرف المركزي في هذا الإطار. بالإضافة إلى كل المؤشرات السلبية المحيطة بالوضع المالي والاقتصادي المعروف”.
ويشير المصدر في إحدى شركات الصيرفة لموقعنا، إلى أن “القضية تنتهي فورا بمجرد عودة المصارف إلى بيع الدولار بالسعر الرسمي، وحركة السوق تهدأ ويعود سعر الصرف إلى الانخفاض”. ويأمل أن “تتحسن المعطيات الاقتصادية والمالية عامة، متمنيا “ألا يُحمَّل الصيارفة ذنب أزمة مفتعلة لا علاقة لهم بها، بل إن كل المسألة متعلقة بحركة العرض والطلب، لا أكثر ولا أقل”.
من جهتها، تأمل المصادر الاقتصادية والمالية لموقعنا، أن “يؤدي تراجع نقابة الصرافين عن إضرابها العام، الذي كان مقررا اليوم الجمعة، على ضوء ما لمسته من ايجابية في الاتصالات التي جرت بينها وبين السلطات المسؤولة في شأن وقف الاجراءات التي يتعرّض لها الصيارفة واستدعاء بعضهم إلى التحقيق، إلى حلحلة ما على هذا الصعيد”. لكنها تلفت إلى أن “الأمر يبقى رهن التنفيذ، وأن تتحمل السلطات المسؤولة مسؤولياتها كاملة لا أن ترمي القضية على عاتق الصرافين، الذين قد يستغل بعضهم الوضع، لكن لا يجب أن يغيب عن بال المعنيين أننا في اقتصاد حر تحكمه حركة العرض والطلب لا في اقتصاد موجّه”، محذرة من “أي دعسة ناقصة في هذا الاتجاه والانزلاق إلى منزلقات خطرة”.
كما تتمنى المصادر الاقتصادية والمالية أن “يكون تعليق إضراب أصحاب محطات المحروقات والصهاريج الذي كان مقررا أمس الخميس، تعليقاً دائماً وحلاً نهائياً للمشكلة التي برزت منذ أشهر وتطفو إلى السطح بين فترة وأخرى. وذلك بعد الاجتماعين اللذين حصلا مع وزيرة الطاقة ندى البستاني ووزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش، بمشاركة ممثلين عن الشركات المستوردة للمشتقات النفطية”.
وتعتبر أن “الاتفاق الذي قضى بأن تأخذ وزارة الطاقة على عاتقها تأمين الدولار لزوم دفع ثمن المشتقات النفطية للشركات المستوردة بسعر الصرف الرسمي الذي يحدده مصرف لبنان، والموافقة على أن يدفع أصحاب المحطات والصهاريج قيمة مشترياتهم بالعملة اللبنانية على هذا الأساس، قد يكون حلا مطمئناً في حال اعتماده، بانتظار انتهاء أزمة السيولة بالدولار”.
