#adsense

لبنان يدخل عين العاصفة هزيلاً “مفصوم الشخصية”

حجم الخط

بات من الواضح والجلي للمتابع والمراقب ان لبنان دخل منطقة الخطر الشديد، ان لجهة الوضع الاقتصادي والمالي وان لجهة الوضع السياسي ـ الامني ـ العسكري. انها الوضعية التي لطالما نبهنا منها منذ اشهر لا بل سنوات، وهي تأتي في خضم اشتداد الكباش الاقليمي الدولي، ولا سيما بين واشنطن وطهران، على الرغم من الدخول الاوروبي القوي على خط التقريب والتقارب من خلال فرنسا في قمة بياريتس للدول السبعة أخيراً.

فالقرار الاميركي بالنسبة لمواجهة ايران وتوابعها في المنطقة ومنهم حزب الله في لبنان بات حاسما وجازما ولا مجال للتكهنات والتحاليل. بالامس، وضع مصرف لبناني (جمال ترست بنك) على لائحة العقوبات، اي ان العقوبات الاميركية والحصار الاقتصادي المالي على محور طهران بدأ يشتد بصورة منقطعة النظير، منذرة بمرحلة قاسية اذا وقف لبنان في وسطها ستجرفه الى حد كبير تداعياته ومفاعيله وستتفجر على ارض الواقع.

رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون دعا الى طاولة “حوار اقتصادي ـ مالي” في بعبدا، وجهت الدعوة للمشاركة فيها الى جميع القوى السياسية والحزبية والكتل البرلمانية، بمعزل عن الفاعليات الاقتصادية والمالية المفترض ان تكون المعنية الاولى بمثل هذه الطاولة. والسؤال: لماذا؟

من يقرأ بتمعن مسار التطورات في المنطقة، سرعان ما يدرك وجود سباق مع الوقت بين خروج لبنان من العاصفة التي وصل اليها والحد من تأثيراتها اقله، وبين انقاذ وضعه الاقتصادي والمالي الذي بدأ يترنح بجدية تحت وطأة اشتداد المواجهة الاقليمية والدولية.

وفي خضم هذا السباق، لم يأت العدوان الاسرائيلي الاخير على الضاحية الجنوبية في بيروت لتسهيل الامور باعتبار الشرخ الوطني العامودي في النظرة الى الاستراتيجية الدفاعية، والتي بات الافضل اطلاق تسمية جديدة عليها اكثر تعبيرا عن واقع الحال والمرتجى الا وهي تسمية “استراتيجية السيادة” لا الدفاع.

لأن الدفاع وقرار الحرب والسلم وسواها من مواضيع سيادية جزء من حق اشمل على الدولة وحدها ممارسته الا وهو الحق الحصري بالسيادة والذي منه تنبثق سائر الموضوعات ومنها الدفاعية وغيرها، خصوصا ان الدستور اللبناني، وان كان ثمة من لم يعد يقيم وزنا له، ينص بوضوح على الاليات الدستورية والقانونية لممارسة حق السيادة الحصري ليس اقله المادة (65 ) منه حيث يتضح من قراءة هذه المادة كيف تترجم السيادة الوطنية: بدء من وضع الحكومة السياسة العامة للدولة “في جميع المجالات” والسهر على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على “كل اعمال اجهزة الدولة من ادارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وامنية بلا استثناء” وصولا الى صلاحية مجلس الوزراء مجتمعا باتخاذ قرارات سيادية مثل “اعلان حالة الطوارىء والحرب والسلم والتعبئة العامة والاتفاقات والمعاهدات الدولية.

فلبنان اليوم وهو في عين العاصفة يدخلها، ضعيفا اقتصاديا وماليا، ومحاصرا بعقوبات بدأت بالاشتداد عليه وبضرب قطاعات حيوية كالقطاع المصرفي الذي وعلى الرغم من تأكيدات المصرف المركزي والمصارف بعدم تأثير مثل هذه العقوبات على سلامة القطاع، لا يجب في المقابل ان ننسى ما يؤكده المسؤولون السياسيون والماليون والمصرفيون من اشتداد العجز المالي وضغط الانفاق العام على احتياطي المصرف المركزي وعلى قدرته على التحرك.

فبدء المعالجة الاقتصادية والمالية في بعبدا يكون اولا، في ظل التطورات الاقليمية الداهمة، بالعمل على عدم السماح للبنان بالاقتراب اكثر من خط التوتر العالي بين واشنطن وطهران لا بل من خط التصادم، لانه اضعف من ان يتحمل التبعات الاقتصادية والمالية والميدانية والاجتماعية.

وعلى طاولة بعبدا ايجاد الاستراتيجية الوطنية للخروج من المأزق لا تعميق المأزق، خصوصاً ان الظروف المحيطة بلبنان حاليا ليست هي نفسها ظروف 2006 حيث لا تضامناً عربياً ودولياً مع لبنان عكس ما كان عليه الامر في حينه. وحيث لا مهادنة اميركية مع طهران وحلفائها في المنطقة ولا تساهل مع اية جهة تغطي او تتحالف مع المحور الايراني في المنطقة. وحيث قطار العقوبات الجارف يزيد من وطأة المحاصرة والاختناق، ولبنان بحد ذاته جسمه ضعيف ومريض فلا يقوى على تحمل المزيد من المعاناة.

اليوم طاولة بعبدا امام ساعة الحقائق: اولها، هل ان لبنان مستعد وقادر على الخروج من التجاذبات الاقليمية – الدولية؟ وهل لبنان مستعد للعودة الى ما كان يسمى بالنأي بالنفس على علاته وخروقاته خصوصاً ان الحروب في المنطقة التي كانت تبرر تدخل حزب الله، وفق منظاره طبعا، انتهت، وبالتالي بات على طاولة بعبدا ان تقنع الحزب بالعودة الى الاهتمام بأولويات الداخل في حساباتها الاستراتيجية وليس فقط في سياساتها الداخلية اليومية الضيقة؟

ايران ابلغت الفرنسيين والروس بألا مجال لتجنب الحرب الا بايقاف اسرائيل عند حدها، والجنرال قاسم سليماني، الذي يُعتبر وزير خارجية “ايران الحقيقي”، بينما محمد جواد ظريف وزير خارجية ايران الدبلوماسي والمتحاور مع العالم، بكثيف تحركاته في الايام الماضية في المنطقة وفي المواقف التي اطلقها، خير من عبر عن خطورة الموقف بالنسبة للمواجهة مع اسرائيل، حين اشار الى رفض طهران محاولات تل أبيب قطع الخط البري من طهران عبر العراق وسوريا الى لبنان ورفض استفراد حزب الله ولو اشتعلت المنطقة.

اذا لبنان في العاصفة، منفصم الشخصية بين لبنان رسمي وخطاب ملتزم دوليا وعربيا، يفقد يوما بعد يوم مصداقيته، وبين لبنان مقاوم موال لمحور طهران ومتبن للخطاب العدائي لاميركا والعرب، يلقي ظلال تداعياته على العالم ويكشف يوما بعد يوم عربيا ودوليا، خصوصاً اميركيا وهي تنظر اليه كمريض وهزيل الشخصية، عن أنه لا يقوى على مسك زمام مصيره بيده كما يجب بل يقع تدريجياً في قبضة المحور الايراني في المنطقة.

طاولة بعبدا وان اعتبرت طاولة اقتصادية ومالية الا انها في الحقيقة والواقع الذي يفرض اجندته على المجتمعين، ستكون سياسية بامتياز، لان اللحظة الاقليمية الدولية التي يوجد فيها لبنان، لحظة سياسية وعسكرية وامنية بأدوات اقتصادية ومالية لا العكس.

وتعليق وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو على عقوبات “جمال ترست بنك” وتغريدة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو على الموضوع من باب محاصرة ايران وحزب الله مالياً، مؤشرات واضحة الى انتقال المواجهة اكثر منها الى الحقل العقابي الاقتصادي والمالي والسياسي منه الى الحقل العسكري والامني.

اما قرار مجلس الامن الدولي بالامس القاضي بالتمديد لليونيفل 12 شهرا اضافيا بمجهود فرنسي كبير في وجه مطالب الولايات المتحدة، يبدو كجرعة اوكسجين محدودة التأثير، في المكان والزمان، وكرسالة الى بيروت بأن الوضع بلغ من الحراجة والخطورة ما بات بإمكانه ان يقضي على كافة مقومات الاستقرار الداخلي من بوابة الجنوب بالاتجاهين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل