شهداؤنا قوّتنا وقوّاتنا

أيلول طرفه  بالشّهادة مبلول، من أوّله حتّى منتصفه، وما بعده بكثير. تاريخنا في هذه الأرض كلّه مجبول بالشّهادة.  ولا يوجد أيّ حالة استغراب في هذه الحقيقة. ذلك لأنّ إيماننا قائم على الشهادة. فمعلّمنا الأوّل سار الجلجة بملء إرادته، وبحرّيّته الكاملة، ورفع على الصليب شهيدًا كي لا ينكر حقيقته. فلو قال يسوع  لبيلاطس أنّه ليس المسيح، لكان انتهى كلّ شيء. إلا أنّ جوابه كان واضحًا وناصعًا كالثّلج، عندما أجابه على سؤاله عن حقيقته: “أنت قلت.”

وهكذا هم شهداؤنا. رفضوا إنكار حقيقتهم الوجوديّة، وساروا بملء حرّيّتهم الشّخصيّة الكيانيّة إلى الاستشهاد، ليحافظوا على إرث الآباء والأجداد. لذلك، نرفع اليوم الصلاة ككلّ عام عن أرواحهم، وهم ما زالوا بيننا، ما راحوا. لم يرحلوا. ولن  يرحلوا  طالما حيينا. وما زالت أحلامهم كلّها عائشة فينا. منذ حلم أوّل شهيد، مرورًا بحلم البشير، وحتّى حلم آخر شهيد سقط.

وهذا الحلم هو بوطن يليق بتضحياتهم، فيه دولة قادرة قويّة لا يشاركها أيّ كيان كيانيّتها أو سيادتها. قرارها الاستراتيجي بيدها وحدها،  لا تتشاركه مع أحد. دولة حلموا بها خالية من الفساد. فيها المساواة للجميع أمام القانون والقضاء النّزيه البعيد من الرّشاوى السياسيّة والانتخابيّة. دولة حدودها مصانة بوساطة قواها الشرعيّة وبسلاحهم الشّرعي. ودولة اقتصادها استثماري وليس ريعيًّا. تستخرج ثرواتها الطبيعيّة بكلّ حرّيّة ومن دون منّة من أحد.

نعم، هذه الدّولة التي حلموا بها. ونحن أيضًا حلمنا بها. لكن المؤسف أنّنا بعد هذه المسيرة الطويلة من التضحيات والاستشهاد لم نصل إليها. لكنّنا نستطيع أن نطمئنكم بأنّنا ما ساومنا قيد أنملة على أيّ مبدأ من المبادئ التي استشهدتم من أجلها. ولا استبدلناها لقاء أيّ مكسب سياسيّ مهما عظم شأنه. تخلّينا حتّى عن رئاسة الجمهوريّة، وذهبنا رأسنا مرفوع لننسج مصالحة تاريخيّة كي لا يمسّ شهادتكم أيّ جاحد.

اطمئنّوا ولا تخافوا، لو تعرّض الجاحدون لشهادتكم. فنحن على خطاكم سائرون. وكلّنا إيمان وقناعة راسخة في صميم وجداننا وكياننا، بأنّنا لا بدّ واصلون. وما يزيد اطمئناننا أكثر، هو كثرة محاربيننا. فكلّما كثر هؤلاء،كلّما تثبّتنا أكثر فأكثر  من صوابيّة خياراتنا وقراراتنا. وكلّما كثر محازبوننا، وزاد عدد مناصريننا. وككلّ عام  سنكون على موعد معكم لتخريج دفعة جديدة من المنتسبين بعد قدّاسنا بنيّف.

يتفاخرون بإنجازات سرقاتهم وصفقاتهم ونهبهم للمال العام. ونحن نتفاخر بأنّنا كنّا السدّ المنيع بشفاعتكم مقابل هذه الصفقات الرّخيصة على حساب الوطن. اطمئنّوا، لم تغرينا يومًا المكاسب  ولا المناصب. وما عتبنا على من طعننا في ظهرنا، ومن نكث بوعوده لنا. في ذلك مدعاة فخر إضافيّة لنا، لأنّنا تثبّتنا أكثر أنّنا سائرون أمامهم كلّهم.

وعدنا لكم هذه السّنة بأنّنا ثابتون أكثر فأكثر في صلابتنا. لن تزعزعنا قوّات جحيمهم كلّها ولن تقوى علينا مهما اشتدّ جبروتها. نستمدّ قوّتنا منكم، ومن كلّ شهيد قوّة، وقوّة فوق قوّة معًا نشكّل قوّات، وقوّاتنا بكلّ فخر لبنانيّة،  لا تدين بولائها إلا للبنان. ومن  له علينا فلس أرملة، فليتفضّل وليأخذه أضعافًا مضاعفة.

صلّوا لأجلنا حبًّا بلبنان والمسيح، لنبقى نحن هنا، حتّى إذا يومًا ما رحلنا فليردّد أبناؤنا وأحفادنا من بعدنا: ” ما راحوا”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل