
تلقى القطاع المصرفي اللبناني ضربة قاسية الخميس، مع إدراج الخزانة الأميركية لـ”جمال ترست بنك” ضمن اللائحة السوداء لتقديمه خدمات مالية لحزب الله، وصنَّفَته “بنكاً إرهابياً عالمياً” مع ثلاث شركات تابعة له هي “ترست للتأمين” و”ترست للتأمين على الحياة” و”ترست لخدمات التأمين”. ووُضع المصرف على لائحة الإرهاب التي يصدرها مكتب مراقبة الأصول الخارجية في الوزارة المعروف باسم “أوفاك”. كما اتُّهم بتوفير خدمات مالية ومصرفية لمؤسسات يملكها حزب الله مدرجة على لائحة الإرهاب، مثل “القرض الحسن” و”مؤسسة الشهيد” و”المجلس التنفيذي للحزب”.
يخيّم الوجوم على مصادر مصرفية مطلعة، وهي تعلن لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، عن أن “هذا التطور في مسار العقوبات على حزب الله والتضييق المالي عليه وعلى كل من يساهم في تمويله، أشخاصاً وكيانات ومؤسسات، يتّسم بخطورة قصوى إذ يهدد أحد أبرز أعمدة الاقتصاد اللبناني، أي القطاع المصرفي، الذي يعوّل عليه كثيرون للمساهمة في انتشال الوضع من البؤرة السوداء ومنع الانهيار ومحاولة النهوض من الواقع الاقتصادي والمالي اللبناني الصعب”.
ولا تخفي المصادر ذاتها أن “المخاوف تتضاعف من (الآتي الأعظم) في ظل ما يتردد عن أن العقوبات لن تقتصر على “جمال ترست بنك”، بل إن الضربات ستتوالى والدائرة ستتوسع في اتجاهات غير متوقعة، والمرجح أن تطاول مصارف وشركات ومؤسسات أخرى”، لافتة إلى “تأكيد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن (تصنيف مصرف جمال ترست بنك يعكس عزمنا على محاربة نشاطات حزب الله غير الشرعية والإرهابية في لبنان)”.
وتتقصد المصادر المصرفية لفت الانتباه إلى “معاني تصويب نائب وزير الخزانة مارشال بيلنغسلي بشكل مباشر، عبر قوله إن (البنك يشكل جهة مصرفية رئيسية لهذه الجماعة الارهابية في لبنان، وأن النائب في كتلة حزب الله أمين شري الذي يمارس السلوك الإجرامي بالنيابة عن الحزب، يقوم بتنسيق أنشطة الحزب المالية في البنك مع إدارته بشكل علني)”، معتبرا أن “(أعضاء إدارة جمال ترست بنك الذين تواطأوا مع شري وإرهابيي حزب الله الآخرين، هم وصمة عار على سمعة لبنان المالية ويجب نبذهم من كافة الدوائر المصرفية)”، بحسب تعبيره.
وتلفت إلى أن “هذه الضربة الموجعة للقطاع المصرفي تأتي في وقت يتعرض فيه القطاع لضغوط كبيرة، وفي ظل أزمة سيولة لم تعد خافية في ما يتعلق بالدولار والفوضى السائدة في سعر الصرف، وامتناع بعض المصارف عن بيع الدولار أو صرفه مع عدم السماح بسحوبات كبيرة. على الرغم من التطمينات التي يحاولها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي أكد أن (البنك المركزي يتابع عن كثب قضية جمال ترست بنك بعد إدراجه على لائحة أوفاك، ولديه وجود في المصرف، وكل الودائع الشرعية مؤمنة في وقت استحقاقاتها حفاظا على مصالح المتعاملين مع المصرف، والسيولة مؤمنة لتلبية متطلبات المودعين الشرعيين للمصرف)”.
الخبير المالي والاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي يشير إلى أن “الحل بالنسبة لجمال ترست بنك سيكون مشابها لما حصل في مرحلة سابقة مع البنك اللبناني الكندي الذي اشتراه بنك سوسيتيه جنرال. وفي الحالة الحاضرة كذلك، سيقوم مصرف آخر بشراء جمال ترست بنك”.
ويلفت إلى أن “الخزانة الأميركية لم تحرك الإنتربول مثلا لمطاردة أصحاب المصرف، لكن البنك لم يعد بإمكانه إجراء مراسلات وتحويلات مع المصارف الخارجية بسبب العقوبات الأميركية، وبالتالي عمليا لم يعد بإمكانه العمل، والحل هو ببيع أصوله من مصرف آخر”. ويشدد على أن “أموال المودعين في المصرف لا علاقة لها بالقضية، ولا تأثير لقرار وزارة الخزانة الأميركية، وهي محفوظة ولا خوف عليها”.
ولا يستبعد يشوعي أن “تلي هذه القرارات الأميركية التي طاولت جمال ترست بنك، خطوات أخرى مشابهة”، لافتاً إلى أن “الأميركيين لا يخفون هذا الأمر ويكررونه علناً، بأنهم سيلاحقون كل من يتعاون أو يساهم في التغطية على أنشطة حزب الله المالية، انطلاقا من المواجهة القائمة بين الطرفين”.
وعن تأثير القرار الأميركي وانعكاسه على الوضع الاقتصادي والمالي، يرى يشوعي أن “الوضع الصعب لا يخفى على أحد، وهو نتيجة السياسات التي اتبعت منذ 25 سنة، ومن الطبيعي أنه يزيد الأمور صعوبة. فعوامل الثقة مفقودة مع دين شارف الـ100 مليار دولار وناتج محلي يبلغ 56 مليار وعجز في ميزان المدفوعات وتراجع تحويلات اللبنانيين، واللائحة تطول. هذا كله يدفع المستثمرين إلى الهروب وإلى شح في الدولار والعملات الصعبة، ما يفسر الفوضى في سعر الصرف الذي نشاهده”.
على صعيد متصل، يبدو الخبير الاقتصادي والمالي غير متفائل كثيراً بالحوار الاقتصادي المقرر عقده في قصر بعبدا الاثنين المقبل. ويرى أنه “تم دعوة رؤساء الكتل والأحزاب لمحاولة امتصاص غضب الشارع لاحقاً على افتراض أن لهم دالة ومونة على الناس، إذ يتردد أنهم سيزيدون الضرائب وقد يضعون ضرائب جديدة كما يروّج”.
ويستغرب يشوعي أن “يفكروا بزيادة الضرائب، فهي توضع وتزاد حين تكون الأجور والمعاشات إلى ارتفاع لا كما هي عليه اليوم إلى تراجع وضمور، كمّاً وقيمة، في ظل الركود الاقتصادي والبطالة المتصاعدة”.
ويحذر من أن “زيادة الضرائب في هذه الظروف ستدفع الناس إلى ثورة غضب بسبب أوضاعهم الاجتماعية المأسوية. والحل هو باتخاذ قرار بوقف العمولات في كل المرافق والمؤسسات والقطاعات والمصالح الرسمية الحكومية التي تتولى الخدمات العامة وتسليم إدارتها للقطاع الخاص”.
ويضيف، “مع استبعادي أن يتخذوا هذا القرار، لكن إذا أرادوا حلاً فليوقفوا العمولات في كل القطاعات، وليمشوا بالحلول المعتمدة عالمياً، عبر تسليم إدارة كل الخدمات العامة إلى القطاع الخاص على أن تبقى الملكية والمراقبة للدولة. وتبدأ العملية باستقدام استشاريين دوليين معتمدين يتولون وضع دفاتر شروط لمناقصات التلزيم بمواصفات دولية عالمية، ويكونون حدا فاصلاً في علاقة السياسيين بالشركات المتعهدة وتلزيم المشاريع. وهؤلاء الاستشاريون الاداريون الدوليون يشرفون على عملية انتقال الإدارة من القطاع العام إلى الخاص مع الحشوة، أي الموظفين، بحيث يقومون بتدريبهم وتأهيلهم أيضا”.
ويشير يشوعي إلى أنه “في حال اتخذ من يتولون السلطة القرار بوقف العمولات التي يحصّلونها من إشرافهم على إدارة الخدمات والمصالح العامة، واستدعي الاستشاريون الاداريون الدوليون لوضع شروط تخصيص الخدمات العامة والبدء بالتنفيذ، يمكن وبسرعة خلال أشهر دخول كميات كبيرة من الدولار، وبالتالي تصحيح الخلل في ميزان المدفوعات ونمو الدين وثبات سعر الصرف، وسائر التداعيات الايجابية نتيجة استعادة الثقة. لكن للأسف أستبعد أن يقدم المسؤولون على ذلك”.
