مبضع حكيم في جرح الجمهورية

ما ان لفظ سمير جعجع عبارة عشتم، عاشت القوّات اللبنانيّة ليحيا لبنان حتى اشتعلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وانقسمت بين مؤيّد لمضمون الخطاب ومناهض له. العاصفة التي أقلقت اللبنانيّين من ان تكون رياحها جنوبيّةً باشتعال الجبهة بين حزب الله وإسرائيل، جاءتهم رياحها لبنانيّةً بحتة بخطاب كسر قواعد الاشتباك الداخليّ بسهامٍ معرابيّةٍ لم تسلم منها كلّ معاقل الفساد والمحسوبيات والمحاصصة والانهيار الاقتصادي للبلاد من أعلى الهرم الى اسفله.

خطاب ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية هزّت مضامينه أركان دولة متهاويةٍ أمام دويلةٍ لا تعرف حدوداً لممارساتها، خطابٌ حدّد كالرصاص الخطّاط مكامن الخلل وسبل الحلول الممكنة.

موجة انتقادات لاذعةٍ انطلقت من نوّاب التيار الوطنيّ الحرّ الذين لم يجدوا ما يردّون عليه في جوهر الخطاب فاستسهلوا استبدال مقارعة الحجّة بالحجّة بهجمة لم يسلم منها الا الطروحات السياسية لجعجع التي لم يجد خصومه مادةً يردون بها على كلامه فانقضّوا بموجة اتهاماتٍ جديدة قديمة سخّروا في خدمتها كل فصائلهم من قدامى الى حركة تصحيحيّة الى حسابات وهميّة ووسائل اعلام.

لم يتوقّف جعجع عند حدود خطابه الناري فألحقه بموقف كان بمثابة الزلزال في الاجتماع الاقتصاديّ في بعبدا، فوقف وقال “كلّنا فشلنا، لنستبدل الحكومة بحكومة اختصاصيّين ولنراقبها من المجلس النيابي”. موقف نخر جسم المحسوبيّات في الدولة ليغوص ويضربها في العظم.

انّه سمير جعجع، لم يتغيّر، فالعارف بخصال الرجل يعرف أنّه من طينة أولئك الذين يرفضون تقبيل الأيدي والدعاء عليها بالكسر. فما من قويّ الّا ويأتيه من هو أقوى منه، وما من حدث يدوم حين يسير عكس مسارات التاريخ.

من يقرأ الردود، يلاحظ اللهجّة الموحدّة في الردّ وكأننا عدنا الى زمن الآلة الكاتبة التي توزّع المواقف المتشابهة على الأزلام والمحاسيب لإطلاقها وتضليل الرأي العام في محاولةٍ لحفظ ما تبقّى من ماء الوجه.

رفع البعض المصاحف على الحراب مستعيدين لغة التخوين ومفردات الحرب فسقطت ردودهم في أفخاخ اهاناتهم الشخصيّة التي لا تساهم سوى في ازدياد نفور الشعب منهم ومن لغتهم الحاقدة.

لم يكن مفاجئاً تهافت الأخصام للردّ على مواقف جعجع انما المستغرب هو تجاهلهم لكلّ النقاط التي طرحها وسعيهم الى لعب دور الضحيّة واعادة تصوير القوات وقائدها كحفنةٍ من المرتزقة الغريبين عن الوطن الواجب اقصاؤهم فندّد بعضهم بحضور جعجع الاجتماع الاقتصادي وكأنّ المطلوب معاقبته على مواقفه في حين أنّه يكاد يكون المسؤول الوحيد الذي ينقل رأي المواطن وهمومه من دون مواربة.

لا يختلف اثنان ان لبنان بات قاب قوسين من الانهيار، وفي خضمّ هذا التحدّي، لا يحتمل الوضع المزيد من صبّ الزيت على النار، بل تبرز حاجة ماسّة أن تلعب كلّ المكوّنات دور الإطفائي لحريقٍ إذا انطلقت شرارته ليقضينّ على كل مقدّرات البلد. لكنّ بعض الطارئين على العمل العام يستسهلون فقدان المنطق وإطلاق الأبواق المأجورة بدل القبول بطروحات قد تكون مداخل حلول لا لشيءٍ سوى انّها تأتي من خصمٍ في السياسة.

مهما كان تاريخ جعجع ومواقفه، يشهد له ولحزبه الأقربون والأبعدون بنظافة الكفّ والمصداقيّة، والكلّ من دون استثناء يعي درجة الحرفيّة التي يقارب بها حزب القوات اللبنانية المواضيع المطروحة ان من خلال ورش العمل التي دعا اليها او من خلال الاوراق التي تقدّم بها في مواضيع عدة كالكهرباء والوضع الاقتصادي والنقدي والاستراتيجية الدفاعيّة.

الخوف المتزايد من التعاطف الشعبي مع القوات وقائدها نتيجة الاقتناع الشعبي بصوابية طروحاتهما يشكّل سبباً اكثر من كافٍ لنفهم الهجمات المتكرّرة عليهما انما ما يبقى غير مفهوم هو استعداد البعض للتضحية بالبلاد والعباد في سبيل كسر خطٍّ سياسيٍ ضارب في اعماق التاريخ والجغرافيا تمثّله القوات اللبنانيّة لم تستطع الأنواء والحرائق ان تلغيه وتوقفه.

كثيرة تبقى الأسئلة والتكهنات أكثر، انّما الثابت الوحيد في خضمّ المعادلة يبقى انّ جعجع يضحي اليوم تلو الآخر الرقم الأصعب في طريق سيطرة الدويلة على لبنان، ومن ايلول الى آخر ستبقى القوات العين التي تقاوم المخرز لأنّ التاريخ محكمة لا تهمل وتأخذ حقّها ولو بعد حين.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل