ملف التحقيق الكامل مع حبيب الشرتوني – 3

كتبت “المسيرة” – العدد 1698

هكذا حصل إغتيال الرئيس بشير الجميل

لماذا لم يحاكموه بعد؟

ملف التحقيق الكامل مع حبيب الشرتوني (3)

(المصدر جريدة “الجمهورية” 13 أيلول 1985)

 

مقدمة “الجمهورية”

لا تستطيع عقارب الساعة أن تعود الى الوراء. فـ”ما كتب قد كتب”، وكأنه كان لا بد من وجود حبيب شرتوني ما يقتل رئيسًا شابًا قام حوله، في حياته وبعد مماته، أكبر جدل في تاريخ لبنان الحديث، وربما القديم أيضًا. وثمة حقائق تبقى تفرض ذاتها ببلاهة وسذاجة مدهشتين:

*الحقيقة الأولى أن بشير الجميل إغتيل في 14 أيلول 1982 بعد نحو عشرين يومًا على انتخابه رئيسًا للوطن الممزق، وقتل معه مشروع مهما قيل فيه، بقي عنوانه الأكبر “الإنقاذ”، والمشروع إرتبط بالشخص الى درجة الذوبان.

*الحقيقة الثانية أن حبيب الشرتوني هو الذي اغتال بشير الجميل.

*الحقيقة الثالثة أن حزب الشرتوني كان أداة تنفيذية لمخطط عرف من حلقاته، على الأقل، المحرّض المباشر نبيل العلم.

*الحقيقة الرابعة أن حبيب الشرتوني في عهدة الدولة اللبنانية منذ أشهر طويلة، ومع ذلك فهي لم تحاكمه.

فلماذا لم يحاكموه بعد؟

هذا هو السؤال الكبير الذي يطرح ذاته بإلحاح وبشدة.

“الجمهورية” تقدم على الصفحات التالية وثيقة مهمة، تنفرد بنشرها. إنها النص الحرفي للتحقيق القضائي مع منفذ مخطط إغتيال بشير الجميل… ذلك الإغتيال الذي قلب الموازين وحوّل لبنان من إلى…

 

المرحلة الثالثة: أعطاني نبيل العلم جهاز التفجير

بدأ الجيش الإسرائيلي بالتقدم نحو بيروت بعد سيطرته على الجنوب، حتى وصل الى مشارفها. دخل المنطقة الشرقية وتمركز في محلة الناصرة، وبدأ القصف والقصف المضاد، تخوفت عندها من قذيفة تسقط على المنزل أو بقربه فتفجر ما بداخله خاصة وأن الإسرائيليين كانوا بالقرب من مدخل بنايتنا هناك، وتحفظت مخافة تفتيش المنازل والعثور على هذه المتفجرات فقررت نقلها الى بيت جدي نعمان صابر في الطابق العلوي لمبنى بيت كتائب الأشرفية. وضعت المتفجرات، وفي وضح النهار، بداخل الحقيبة الجلدية التي كنت قد ملأتها وتركتها على المتخّت كما هي في المرة الأخيرة، ووضعت باقي المتفجرات في حقيبة سفر من نوع “سامسونايت” غير مرقمة، لونها بني قاتم. وضعت الحقيبتين في صندوق سيارة الدودج خاصة والدي وانتقلت بالسيارة الى محلة ساسين حيث منزل جدي المشار إليه آنفاً. كان ذلك منذ حوالى شهرين قبل وقوع الحادثة. أخذت الحقيبتين وبشكل طبيعي صعدت السلالم الى منزل جدي، في تلك اللحظة كان يؤمن الدوام في بيت الكتائب الحارس المدعو صبحي وقد شاهدني من دون أن أثير له الشك، لدى بلوغي المنزل أفرغت الحقيبتين في كرتونة كانت فارغة وموضوعة على المتخّت في ذلك المنزل. وبعد مرحلة الهدوء الأمني النسبي في بيروت تمكنت من الاتصال بنبيل العلم هاتفيًا على رقم هاتفه (253305) فسألته ماذا يريد أن يفعل بالمتفجرات التي أعطاني إياها، عندها سألني أين هي موجودة، فأجبته أنها موجودة على المتخّت في منزل جدي (فوق بيت الكتائب) فطلب إليّ موافاته الى منزله عندما تسنح الظروف بذلك، وعندما فتحت بوابة المتحف قصدته الى منزله حوالى الساعة الثامنة صباحًا من ذات اليوم، بت لا أذكر تاريخه بالضبط، تناولنا النسكافيه وتطرقنا للظروف التي مرت بها بيروت الغربية، والحصار التمويني الذي طوقها، وبعد حوالى الساعة قال لي إنه سيطلعني على شيء مهم. فدخل إحدى الغرف وطلب إليّ مرافقته وفتح أمامي حقيبة يد سوداء متوسطة الحجم كثيرة السماكة نسبيًا وفي داخلها الجهاز التفجيري المعدّ لاغتيال الشيخ بشير الجميل وأخذ يشرح لي كيفية استعمال الجهاز، قائلاً لي إنه كناية عن “سنترال جيبي”، أي هناك “اللاقط” وهذا شكله: والذي سيركز مع المتفجرات. والمرسل هي الحقيبة الكاملة التي يجب أن تكون معي ساعة التفجير (التي ضبطت موجودة لدينا).

 

تلقيني كيفية التفجير

-أضع الجهاز اللاقط بين المتفجرات أو عليها، بعد أن أصله بالصاعق الكهربائي الذي أدخلته بين المتفجرات وبعد أن أكون قد فتحت الجهاز اللاقط.

-لحظة التفجير، أفتح الحقيبة حيث يوجد هوائي (أنتين) على غطاء الحقيبة من الداخل، فأثبت الهوائي في مكان مخصص له ثم أكبس على زر الـ(on) من ثم أكبس على زر أخضر فيضيء ضوء صغير أخضر ثم أطلب رقم اللاقط الذي كان (120) بعد أن أكبس على الأرقام (1 ـ 2 ـ 0) والموجودين على لوحة صغيرة تحوي على أزرار مرقمة كما يلي (1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، صفر)، وبعدها أكبس على زر (Call) فتنفجر العبوة.

لم آخذ الحقيبة أولاً لأنها كبيرة الحجم، وثانيًا لأنني يومها أتيت سيرًا على الأقدام من دون سيارة، لأن طريق المتحف كان سالكاً للمشاة فقط. بعد ثلاثة أو أربعة أيام فتحت بوابة المتحف أمام السيارات، فأخذت سيارة والدي الدودج وسلكت طريق غاليري سمعان ـ مار مخايل، وذهبت الى منزل نبيل العلم، غير أنني لم أجلب الحقيبة لأنني كنت مترددًا جدًا فعدت الى منزلي على طريق غاليري سمعان.

وبعد يومين عدت وذهبت الى منزل نبيل العلم، وعن نفس الطريق لأنني كنت مصممًا على جلب الحقيبة إلا أنني كنت مترددًا فأقنعني بوضعها تحت مقعد سيارتي الخلفي. فوضعها بنفسه هناك وعدت قافلاً الى منزلي عن طريق المتحف، وكان ذلك قبل حوالى شهر من موعد التفجير، ووضعت الحقيبة على متخّت المنزل في الناصرة.

عندما تمنعت وترددت لأخذ الحقيبة لأنها كبيرة الحجم وتدعو للشك ولا يمكنني التخلص منها بسهولة بعد عملية التفجير، اقترح عليّ تفخيخها وعلمني الطريقة وهي: أحضر قنبلة على شكل “مدقة” وربطها بقطعة من المتفجرات المستطيلة الشكل والخضراء، ثم قال لي ضع قليلا بداخل الحقيبة من المتفجرات التي بحوزتك واربط حلقة أمان المدقة بالهوائي الموجود على غطاء الحقيبة من الداخل، بحيث لدى فتح الحقيبة تنفجر فورًا.

 

المرحلة الرابعة: ما قبل التفجير

انتخب الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية، وعلى رغم ذلك حضر الى بيت كتائب الأشرفية نهار اليوم التالي الثلاثاء 24 آب، وكنت غير مقرر بعد تنفيذ العملية. اعتقدت أنها المرة الأخيرة التي يزور بخلالها بيت الكتائب، إلا أنه عاد في الأسبوع التالي 30 آب، ولم أكن بعد قد قررت. خلال هذه الفترة كنت أتلقى مكالمات هاتفية كل أربعة أو خمسة أيام من نبيل العلم يحثني فيها على تنفيذ العملية ويدعوني الى البطولة، فقررت تنفيذ العملية، ونزلت الى الشقة التي كان يشغلها آل كريم حوالى الساعة الثانية صباحًا من نهار الخميس الموافق في 9 أيلول، فدخلت المنزل وتفقدته لمعركة كيفية وطريقة دخوله ثانية، وخرجت من الباب الرئيسي للمنزل ووضعت قطعة من الورق بين الباب والحاجب لمنع الباب من الإغلاق كليًا، ولكي أتمكن من الدخول من الباب الرئيسي لوضع المتفجرات عوضًا أن أدخل من شرفة المطبخ التي يسهل بلوغها من سلم البناية (كما فعلت في تلك المرة). وحوالى الساعة الثامنة من نفس النهار رأيت الباب موصدًا، فاعتقدت أنه “غلق من جراء التيار الهوائي”.

وفي الواحدة من صباح نهار الاثنين الموافق في 13 أيلول 1982 ربطت الحقيبتين كل على حدة بحبل طويل وأنزلتهما من درج منزلنا الى شرفة مطبخ آل كريم (حقيتبين جلديتين كنت قد ملأتهم قبل أيام من كرتونة المتفجرات الموجودة على المتخّت).

نزلت الى شرفة المطبخ بواسطة الدرج، فتحت باب المطبخ بعد أن مددت يدي من إحدى الدرف المفتوحة، وأدخلت الحقيبتين ووضعتهما في الدار فوق المكان الذي يجلس فيه عادة الشيخ بشير الجميل، ثم خرجت بنفس الطريقة التي دخلت بها، لأن الباب الذي خرجت منه في أول مرة “عمل زيزقة”. نسيت أن أذكر بأنني وقبل وضع الحقيبتين في منزل آل كريم كنت قد وصّلت أشرطة الجهاز اللاقط بالصاعق الموجود بين المتفجرات وكنت أيضًا قد فتحت زر الجهاز اللاقط، وبذلك يكون كل شيء معد للتفجير. وزيادة في الحيطة وضعت باقي الصواعق التي كنت قد جلبتها من منزل نبيل العلم مع المتفجرات.

 

المرحلة الخامسة: التفجير يوم الثلاثاء 14 أيلول 1982

نهار الاثنين في 13 أيلول 1982 اتصل بي نبيل العلم هاتفيًا كعادته على رقم هاتف منزل جدي 323457 لا أذكر الساعة بالتحديد، وسألني كعادته “أين أصبحت القصة”؟ وحثني كي أقوم بهذا العمل وأنتهي منه من دون أن يسميه على الهاتف، فكان جوابي “كل شيء على ما يرام وغدًا سأنفذ العملية. فنصحني بالهرب والذهاب الى المتن (ضهور الشوير ـ بولونيا إلخ…) بعد تنفيذ العملية.

حوالى الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر ذلك اليوم صعدت مع والدي الى شرتون وقضيت النهار بشكل طبيعي، وفي اليوم التالي نهار الثلاثاء 14 أيلول 1982 نزلت مع والدي من شرتون الى بيروت حيث وصلناها الساعة السابعة صباحًا، فرافقته الى محلة المتحف لأنه كان سيتجه الى الغربية حيث مكان عمله في المختبرات الطبية المتحدة بشارع جون كينيدي برأس بيروت، وأخذت سيارة والدي واتجهت به الى شركة فتال في سن الفيل حيث تعمل خالتي ماري عازار وشقيقتي نوال، وكانت الساعة تشير إلى الثامنة تقريبًا، فدخلت مكتب خالتي فاتصلت بشقيقتي نوال لتطمئن عنها، فأيقظناها من نومها وارتدت ملابسها وذهبت الى عملها، وعرّجت علينا (مكتب خالتي) لبرهة، بعدها اتصلت بخالتي يولاند زوجة جاك صابات الموجودة في قبرص على الرقم 72230 بواسطة هاتف دولي موجود في شركة “فتال”، للاطمئنان عنها وسؤالها عن تأشيرة الدخول الى أميركا التي كنت قد كلفت بها زوجها، لأني كنت على علم بأن الحصول عليها عن طريق قبرص أسهل من الحصول عليها في بيروت، فقالت لي: “لم يسأل بعد”.

كانت الساعة حوالى التاسعة والربع، كنت قد وصلت الى المكلس عند إبن عمتي وليد الشرتوني في المكتب، فسألته عن تأشيرة الدخول الى إيطاليا التي وعدني بالحصول عليها بسرعة من أجل ذلك كان قد أخذ مني جواز السفر. التقيت في المكتب بعمي فؤاد حبيب الشرتوني وشقيق وليد المدعو سهيل، وتحدثت معهم بأمور عامة، وتركتهم حوالى الساعة الحادية عشرة. ملأت خزان السيارة بالوقود من إحدى المحطات القريبة من مستديرة الصالومي، وسلكت الطريق الى أنطلياس، وذلك الى بنك كريدي ليوني، لألتقي أحد رفاقي المدعو روني عقيقي الذي يعمل هناك، لم يكون روني موجودًا لأنه كان نقل الى فرع جونية، وكان بودي أن أسأله عن بعض المستندات العقارية والصكوك الملكية، وإذا ما كان بإمكاني وضعها بالأمانة في البنك. حوالى الساعة الحادية عشرة والنصف قفلت راجعًا الى محلة الدورة لأسأل وسألت بنك اللبناني الفرنسي عن مركز بنك الشركة العامة، لأن أحد موظفي بنك طراد كان قد قال لي إنه بإمكاني إيداع الصكوك في بنك الشركة العامة، فقالوا لي إن مركز الشركة العامة في الصالومي. كانت الساعة حوالى الثانية عشرة عندما اتجهت نحو الصالومي، لم أوفق لأن المركز لا يزال قيد التجهيز، فنصحوني بالذهاب الى فرع بدارو، إلا أنني لم أذهب بل عرّجت في طريق العودة على مكتب خالتي في شركة فتال وأعطيتها هذه المستندات.

(يتبع)

إقرأ أيضاً: ملف التحقيق الكامل مع حبيب الشرتوني – 2

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل