“سيدر للتبرعات”… مقفل بانتظار التصليحات

حملت زيارة المبعوث الفرنسي بيار دوكان المكلف متابعة تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر” إلى بيروت واللقاءات التي عقدها مع المسؤولين، إشارات عدة، بدت أحياناً متناقضة. لم يخلُ المؤتمر الصحفي الذي عقده في المركز الثقافي الفرنسي في ختام زيارته، أو تصريحاته خلال الجولة، من بعض أجواء إيجابية، مع إعلانه أن الدول المانحة والصديقة لا تزال ملتزمة بمساعدة لبنان، منهياً جولته “بشعور قوي بأن الوضع الملحّ بات مفهوما وواضحا”. هذا من جهة.

لكن دوكان لم يغفل، من جهة ثانية، إرفاق “إيجابياته” بـ”تحذير مهذّب” إذ قال إن “رئيس الجمهورية ميشال عون ذكر لي مهلة 6 اشهر، لكن الوضع ملحّ وطارئ للغاية، فلا يمكن ايجاد مؤشر اقتصادي واحد ليس سيئاً، والحل السحري الذي يفكر به البعض غير موجود. يجب العمل على مجموعة اجراءات ولا بد من تعزيز جهات مكافحة الفساد. هناك بعض التشكيك من قبل الدول المانحة ارتفع في الاسابيع والاشهر الأخيرة، وهي بحاجة إلى الشعور بالثقة لكي تقرر تقديم الأموال للبنان، إلا أنها لا تزال جاهزة لتقديم الدعم”.

تكشف مصادر سياسية متابعة لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، أن دوكان “تمنى على المسؤولين الاقلاع عن التوتير السياسي والممارسات السابقة، نظراً لانعكاس ذلك بشكل مباشر على الوضع الاقتصادي والمالي”، مشددا على أنه “لم يعد بإمكان أحد التعامي عن هذا الأمر”.

وتلفت إلى أن “الموفد الفرنسي كان أكثر صراحة خلف الكواليس، ونُقل عنه قوله إن أموال سيدر لا تأتي من صندوق تبرعات، وحتى لو ظن البعض ذلك، فهذا الصندوق سيظل مقفلاً بانتظار لمس إصلاحات جدية التزمت بها الحكومة اللبنانية، كتخفيض العجز وانطلاق المشاريع بمعايير شفافة، وتشكيل الهيئات الناظمة لمختلف القطاعات، والتهرب الضريبي وملف التهرب الجمركي، وتحقيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وإقرار موازنة العام 2020 في مواعيدها الدستورية، وزيادة التعرفة في قطاع الكهرباء بدءا من العام المقبل، وغيرها”.

من جهته، يشير المحلل الاقتصادي الدكتور سامي نادر، في حديث إلى موقع “القوات”، إلى أن “الاستعدادات لا تزال موجودة لتقديم مساعدات وقروض إلى لبنان في إطار سيدر”، لافتاً إلى أن “أن أوروبا لا تعاني من شحّ في السيولة بل هناك وفرة، والمؤسسات الدولية مستعدة لتمويل مشاريع بقروض ميسّرة، خصوصاً إذا ما تماشى ذلك نوعاً ما مع مصالحها المتمثلة باستقرار لبنان”.

أما عن تنفيذ الوعود المقطوعة من قبل المانحين في سيدر، يلفت إلى أن “هذا يتوقف على قدرة الحكومة على تنفيذ الاصلاحات، لكن حتى اليوم لا شيء من الاصلاحات الهيكلية الأساسية تم تنفيذه، بل هناك وعود بتخفيض العجز”، معرباً عن اعتقاده أن “المانحين سينتظرون لرؤية ما إذا كانت الوعود ستتحوّل إلى أفعال. فبالنسبة لموازنة الـ2020 مثلا، يجب أن تُنجز في مواعيدها، لا أن تتأخر نحو عشرة أشهر كما حصل لموازنة 2019”.

ويضيف، “كذلك بالنسبة لـ(بيت القصيد) ملف الكهرباء الذي يعتبر بمثابة حجر أساسي في مؤتمر سيدر لأنه يشكل بالنسبة إليهم أكثر من 40% من نسبة العجز. وهنا يتساءل المرء ما إذا كانت الحكومة، أو الطرف اللبناني، بحاجة إلى أموال سيدر لتمويل هذا القطاع تحديداً أم أنه يريدها على قياسه، فيما الدول المانحة تطالب بإصلاحات كتشكيل الهيئة الناظمة وتعيين مجلس إدارة جديد لكهرباء لبنان ورفع التعرفة بشكل تدريجي؟”.

ويوضح نادر أنه “في ما يتعلق بالإصلاحين الأولين لا شيء حتى الساعة. أما بالنسبة لرفع عرفة الكهرباء، فهي ضرورية إنما بعد تأمين الانتاج، أي بعد تخلص المواطن من فاتورة المولدات. فلا يمكن زيادة فاتورة من الفاتورتين اللتين يتكبدهما المواطن، أخلاقياً هذا لا يجوز، واقتصادياً تضيف المزيد من الضغط والعبء على المواطنين ما سيعمِّق الركود الاقتصادي”.

ويرى أن “ورقة بعبدا تضمنت أموراً إيجابية، لناحية التشخيص الدقيق بالأرقام للواقع الاقتصادي والمالي، بمعنى الخروج من سياسة النعامة السابقة، والقول رداً على كل من كان يشير إلى خطورة الوضع ألا مشكلة قائمة بل تهويل وتخويف للمواطنين وممارسة صناعة اليأس. اليوم، السلطات المعنية وفي رأس الهرم باتت تقول إن الوضع خطير وبالأرقام. واللافت أنهم ركزوا على المشكلة الحقيقية الضاغطة المتمثلة بالعجز في ميزان المدفوعات، الذي بلغ في نهاية الـ2018 نحو 12 مليار دولار، أي أنه في كل شهر يخرج من لبنان مليار دولار، وهذا ليس أقل من نزيف قاتل، وما ثبَّته تقرير (ستاندرد أند بورز) بالأمس والذي شكك في قدرة لبنان على الاستمرار في الحفاظ على استقرار سعر الصرف”.

وفي النقاط الايجابية في ورقة بعبدا أيضا، أنها “ربطت بين الوضعين السياسي والاقتصادي بإشارتها إلى أن جذب الاستثمارات بحاجة إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي. أي أنهم بمعنى آخر يقولون ما نكرره دائماً، تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية شرط أساسي لنمو الاقتصاد، وهذه رسالة يفترض أن توجَّه إلى أكثر من طرف داخل الحكومة، لا سيما حزب الله”.

لكن نادر يشير إلى أن “المشكلة تكمن حين نصل إلى المعالجات لهذا الوضع عبر التركيز على الضرائب. فتشخيص المشكلة كان مفصّلاً ودقيقاً، لكن الاصلاحات الهيكلية بقيت ضمن عناوين عريضة من دون أي تفصيل. فماذا يعني تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص؟ ليقولوا لنا أين وفي أي قطاعات؟ في المرفأ مثلا أو في تيليكوم؟ ووفق أي آلية وجدول زمني؟”. هنا قفزوا فوق مشكلة تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وتعيين مجلس إدارة جديد لكهرباء لبنان، والتي تشكل مفتاح سيدر، لا إشارة إلى المشكلة. أما للتعويض عن ذلك، فيلجأون، بدقة تامة وبالتفصيل الممل، إلى زيادة الضرائب”.

ويضيف، “يريدون زيادة الضرائب على TVA والبنزين. علماً أنهم زادوا الضريبة على TVA في 2018، ثم زادوا الرسوم على المواد المستهلكة في موازنة 2019 والتي هي بمثابة ضرائب مقنَّعة، والآن يريدون زيادة ضريبة TVA؟ أي زيادة TVA ثلاث مرات خلال سنة؟ كيف ذلك؟”. ويؤكد أن “هذا الأمر سيؤدي إلى نتيجة معاكسة. فلو قاموا بزيادة الضرائب وسيصلحون الوضع، لقلنا لا بأس. لكنهم مع زيادة الضرائب سيعمِّقون الركود الذي نعيش فيه. حتى إن ورقة بعبدا تقول إن النمو في 2020 سيكون سلبياً، أي ركود، وأن النمو في 2019 صفر”.

ويعتبر نادر أنه “بحسب الاتجاه الذي يسلكونه، من غير الممكن تخفيض العجز إلى النسب التي يتوخّونها. فطالما الاصلاحات الهيكلية الأساسية مغيَّبة لا مجال لمعالجة الأمور”، مؤكدا أن “المعالجة بالضرائب غير منتجة ولن تأتي بالثمار، إنما ستُعمِّق الركود. والقلق من أن تغييب الاصلاحات الهيكلية الأساسية المنتظرة المتعلقة بالكهرباء والشراكة بين القطاعين العام والخاص والمرفأ وضبط التهريب الجمركي والمعابر وتفعيل تحصيل الضرائب، سيؤدي إلى غياب Package الأساسي للاستثمارات، باستثناء بعض المشاريع ربما”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل