هدنة سياسية وطوارئ اقتصادية

 

يبدو أنّنا دخلنا في مرحلة جديدة قوامها الهدنة السياسيّة. ويسعى بعضهم للاستفادة من هذه الحالة لترميم ما اقترفته يداه المبلّلتان بدماء الخلافات. وفي سعيه هذا بعد آخر يكمن في ترميم علاقاته مع المكوّنات الحضاريّة كافّة، وذلك تمهيدًا لدور أكبر يطمح بلعبه. لكنّ ذلك يبدو منفصلا عن أيّ دور في الملفّ الاقتصادي، إذ يبدو الهاجس فقط محصورًا في مكان واحد وهو: رئاسة الجمهوريّة.

معلوم أنّ اللبنانيين قد اعتادوا على أن تكون الرّئاسة اللبنانيّة من إنتاج دولي ـ إقليمي ما يتقاطع مع الظروف الداخليّة. وحده حدث معراب كسر هذه العادة وبرهن للبنانيين جميعهم، أنّ الرئيس اللّبناني هو الذي يملك قدرة تمثيليّة واسعة تتخطّى المكوّنات الحضاريّة اللّبنانيّة كلّها. من هنا، يكثّف وزير الخارجيّة جولاته المصالحاتيّة بعدما يبدو أنّه اقتنع بأنّ الاستفزازات التي اقترفتها يداه، لم تدرّ سوى السوء عليه وعلى الوطن بأسره. أو قد يبدو ذلك في إطار استراتيجيّة افتعال المشكل للظهور بمظهر البطل باجتراح الحلول بعده!

لكن الالحاحات الدوليّة لمعالجة الملفّ الاقتصادي وجعله في سلّم الأولويّات، فرضت بدورها هدنة سياسيّة انسحبت حتّى على الصراع مع إسرائيل. وذلك اتّضح من خلال الآفاق الجويّة المحدودة التي اتّخذها حزب الله في إطار ردوده على التّجاوزات الاسرائيليّة. ولا يبدو أنّه اقتنع بضرورة إيلاء الدّولة اللبنانيّة دور الدفاع عن أراضيها، ولا حتّى أنّه مقتنع بالحالة الدوليّة المتمثّلة في القرار 1701. وهو من الأساس لم يعر الدور الدبلوماسي أي أهميّة إلا بعدما أثقلته حرب تموز.

وما حضور الموفد الأميركي ديفيد شنكر إلا لتثبيت الهدنة، ولدعم القرار 1701 الذي على ما يبدو، أن لا مصلحة لأحد من أطراف الصراع، لبنانيًّا وإقليمياً، على إسقاطه. من هنا، يبدو الهدف غير المعلن هو: تأمين الغطاء الأمني للانتهاء من مهمّة ترسيم الحدود البرّيّة والبحريّة بين لبنان وإسرائيل، وذلك في إطار دعم الولايات المتحدة لإسرائيل اقتصادياً. وفي هذه المسألة، تعديل في استراتيجيّة الدعم الأميركي للدولة الاسرائيلية في جعلها أكثر اعتمادًا على مقدراتها الطبيعية عوضًا عن الاعتماد على المساعدات الأميركيّة. وهذه المسألة تندرج في السياسة الدّاخليّة التي يبدو أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى تقليصها.

من هذا المنطلق، تندرج الأولوية اللبنانية اليوم اقتصادياً ومالياً، في المراتب الأولى لسلّم اهتمامات السياسيين اللبنانيّين. لذلك لا يبدو أنّ الملفّات السياسيّة ستشهد خلافات، إلا في حال واحدة هي: عدم اقتناع أي فريق لبناني بأنّ أيّ عزل لأيّ فريق سياسي لن يكون في خدمة الوطن بأسره. لذلك، وجود اللّبنانيّين جميعهم على طاولة مجلس الوزراء هو ضرورة وجوديّة للوطن. والحضور الرّقمي ليس هو المقصد. إمّا أن يكون الكل مشاركًا في اتخاذ القرار، وإمّا أنّ هذا الحصار الذي يمارس على بعض المكوّنات الحضاريّة، أو حتّى على فئة أساسية منها، سينعكس سلبًا على السياسة التوجيهيّة للدولة اللبنانية بأكملها.

المطلوب واحد بغضّ النظر عن الكثير الكثير المفترض. معالجة ماليّة اقتصاديّة تتطلّب استقرارًا أمنياً وسياسياً. وأيّ شيء غير ذلك، سينعكس على وجودية الدولة بأكملها. من هنا، إقرار الحكومة الالكترونيّة للحدّ من الفساد ضرورة وجودية. مكافحة التهريب الضريبي والتهرّب الجمركي أيضًا ضرورة وجوديّة. والأهم من تلك الأمور مجتمعة، عودة القرار الاستراتيجي إلى الدولة وحدها الذي يعتبر الضامن الوجودي لها. ولا يفسّرن أحد أيّ انتقاد لمواقف وزير الدّفاع بأنّه انتقاد للمؤسّسة العسكريّة التي وحدها تضمن وجوديّة الوطن والدولة اليوم.

وفي السياق عينه، التسريبات التي ظهرت إلى العلن حول بعض التعيينات، لا سيما في ملف مجلس إدارة تلفزيون لبنان، خلافاً للآليّة التي وضعها الوزير السابق ملحم رياشي، تعكس النهج الذي يتعاطى به هؤلاء وسط وجودهم في صلب الدولة. فقد اكتفى النّاس من كيديّتهم، وباتوا مستعدّين أكثر للمحاسبة. فهل تكون الخطوة الثانية في اجتراح قانون انتخابيّ جديد لتحجيم جديد لكل من يعترض على نهج العهد؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل