185 مليون دولار كفيلة بضبط الحدود

تكاد قضية ضبط الحدود بين لبنان وسوريا وإقفال المعابر غير الشرعية تبلغ مرحلةً تشبه فيها “حكاية إبريق الزيت”، التي لا تنتهي وتدور في حلقة مفرغة. وذلك، لكثرة ما تكررت المطالبات المحقة والمشروعة بإقفال هذا الملف نظراً للمخاطر الأمنية والخسائر الاقتصادية التي يتسبب بها، من جهة، وللتبريرات الفارغة التي يسوقها المسؤولون المعنيون مباشرة عن التصدي بجدية لهذه المسألة ومعالجتها بشكل نهائي وحاسم، من جهة ثانية.

تستغرب مصادر سياسية معنية، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، “لجوء وزير الدفاع الياس بو صعب، المسؤول الأول الرسمي في هذا الخصوص، إلى المناورات الإعلامية والمؤتمرات الصحفية المضللة والتخفيف من خطورة هذا الملف، لمحاولة تبرير تقصيره الفاضح. وآخرها وليس أخيرها مناقضة نفسه، إذ في الوقت الذي حاول فيه التأكيد على أنه نسّق مع المعنيين وقدم لمجلس الوزراء الخطة للمباشرة بتنفيذها، عاد ليشير إلى أنه سيتم التنسيق مع الأجهزة الأمنية في هذا الشأن، وذلك بعدما رأى أن هناك اجماعاً رسمياً لبنانياً حول أعداد المعابر.

وتلفت إلى أن “كل ردوده على الوقائع الدامغة التي تثبت تقصيره وعلى مطالبته بتحمُّل المسؤولية، اقتصرت على إثارة ضوضاء اعلامية وعلك هواء واتهامات باطلة لم توفّر حتى رئيس الحكومة سعد الحريري”.

وتضيف أن “المطلوب قيام وزير الدفاع بواجبه ليس أكثر وضبط الحدود. فالأجدى به توفير جهده لإقفال معبر غير شرعي واحد على الأقل، بدل رجم الحقائق الثابتة. هذا بالإضافة إلى الحل المسموم الذي يحاول دسّه في إطلالاته ومفاده (نسّقوا مع بشار الأسد)”، معتبرة أن “طرح هذا المطلب كمن يقول إن الحدود ستبقى سائبة إلى ما شاء الله ولا نية لضبطها، خدمةً لأهداف مجهولة ـ معلومة”.

من زاوية تقنية علمية بحت، يلفت الدكتور المهندس الجيوتقني اللبناني الأميركي مارك بلوز، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن “الحدود بين الدول تكون عادة آمنة وسالمة ومسالمة. فإن أخذنا مثلاً الولايات المتحدة وكندا، لا نجد حائطاً أو مراقبة شديدة على الحدود بين البلدين لأن العلاقات بينهما عادية ولا تنافس اقتصادياً أو احتداداً أمنياً إذ لا جماعات ترتكب جرائم وتهرب من هذه الجهة إلى تلك، وما شابه ذلك، بعكس الحال بين الولايات المتحدة والمكسيك”.

ويشير إلى أن “عدم انضباط الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك دفع إلى بدء بناء حائط جديد بين البلدين، أفضل من الحائط أو السياج القديم القائم في بعض المناطق الحدودية بينهما، بسبب الحاجة لذلك. كما هو قائم مثلا بين مصر وقطاع غزة، وبين ما يفوق 60 دولة عبر العالم تملك حدوداً مشتركة لأن ثمة حاجة لذلك”.

ويؤكد أننا “بأمس الحاجة لضبط الحدود بين لبنان وسوريا المتروكة لأسباب سياسية ولمنفعة بعض السياسيين”. ويقول إنه “ليس بالضرورة أن يكون هذا الحائط من الباطون وهناك تقنيات أرخص يمكن أن تتوفر للجيش اللبناني. فحدودنا مع سوريا هي على رؤوس القمم، وأسهل وأرخص ما يمكن القيام به لضبطها هو من خلال قطع من الحيطان مع أبراج مراقبة ثابتة للجيش. ويتم تركيب تقنيات متطورة على هذه الأبراج متاحة من نوع “FLIR LTV-X”، وهي كاميرات يمكنها رصد وقراءة أدنى حركة على الحدود في الليل والنهار على حد سواء، بوضوح عالٍ ودقة متناهية، وتمييز نوع الحركة بين الأشخاص والحيوانات وغير ذلك”.

ويضيف أن “هذه التقنيات يمكنها مثلا في الليل عند رصد أي حركة مشبوهة، تمييزها وإضاءة البروجكتورات المزروعة على الحدود وإرسال المعطيات الدقيقة إلى القيادة بالصورة الحية لاتخاذ القرار المناسب. ويمكن تركيب الكاميرات عالية التقنية على أبراج المراقبة للجيش بشكل ثابت، كما تركيبها على عربات متنقلة ومتحركة، وقيادة الجيش تختار الأنسب بين الثابتة والمتحركة بعد دراستها لطبيعة الحدود”.

ويشدد على أن “ضبط الحدود لا يجب أن يسبب (نقزة) عند أي كان والقول مثلا إننا نقسم بين لبنان وسوريا. بل على العكس، نحن بذلك نؤمِّن الحدود من الجهتين ولمصلحة الطرفين المشتركة. فعند حصول جريمة في أي منطقة من لبنان مثلاً يكون السؤال الأول عما إذا ألقي القبض على المجرم، وفي حال أتى الجواب بالنفي، يأتي السؤال الثاني مباشرة: هل أصبح في سوريا؟ والعكس صحيح”.

ويكشف المهندس بلوز عن أنه “أجرى دراسة حول تكلفة إنشاء حائط على كامل الحدود اللبنانية من الشمال إلى الجنوب، وبلغت حوالى 185 مليون دولار”. ويؤكد أن “الأموال التي تُنفق على الدوريات العسكرية والأمنية والجمارك لضبط الحدود والخسائر الناجمة من عمليات التهريب غير الشرعي، في سنة واحدة أو سنتين كحد أقصى، تكفي وحدها لتوازي كلفة إنشاء الحائط مع التجهيزات بأحدث التقنيات، وذلك بحسب الدراسات الموثقة حول التهريب عبر الحدود بين الدول. علماً أن الطريقة الحالية لضبط الحدود لا تفي بالغرض المنشود كما هو واضح”.

ويلفت إلى “المنافع كبيرة التي نجنيها خصوصاً بوجود حائط وأبراج مجهزّة بالتقنيات. فلذلك انعكاسات معنوية مباشرة إذ يبعث الاطمئنان في النفوس ويؤدي حكماً إلى هجرة معاكسة من المدينة إلى مناطق الحدود المهجورة، التي ستنتعش مع قيام المواطنين والسواح بزيارتها للتعرف عليها وعلى جمالاتها، فتزدهر البلدات الحدودية المنسية والمهملة والمتروكة لقدرها”.

ويضيف أن “العديد من القرى الحدودية مع سوريا تتمتع بموارد طبيعية ومقومات بيئية كثيرة وأنهر وشلالات مياه رائعة، لكنها مهجورة ولا يستفاد منها لكونها غير آمنة. حتى أبناء هذه القرى أنفسهم لا يجرؤون على إقامة مشاريع أو زيارة أراضيهم في مناطق عدة، إذ يخافون على حياتهم إذا تخطوا الحدود إلى الجانب السوري عن طريق الخطأ، أو من المتفلتين على الحدود بين الجانبين ومن تعرضهم للخطف أو القتل على أيدي جماعات وعصابات التهريب. كما أنه بضبط الحدود يمكن نقل الكسارات والمرامل إلى المناطق البعيدة عن المدن وأماكن السكن وتخفيف التلوث، أو إقامة مناطق للصيد مثلاً تحت إشراف الجهات المختصة”.

ويشدد بلوز على أن “ضبط الحدود ضروري وحيوي جداً لأنه يقوّي الاقتصاد، بحيث ستنتعش معظم السلسلة الشرقية للبنان وتزدهر السياحة البيئية مثلاً في المناطق الحدودية ويزداد الاستثمار فيها، فيتثبت الناس في أرضهم نتيجة الشعور بالأمان والطمأنينة، وتصبح نصف مساحة لبنان تقريباً متاحة أمام المواطنين والمستثمرين بشكل آمن أكثر لممارسة مختلف النشاطات والأعمال”.

ويلفت إلى أن “ذلك يقوّي حتى العلاقات بين لبنان وسوريا إذا كانت هناك نية فعلاً لعلاقات سليمة، نظراً لزوال العوامل السلبية التي يسببها الفلتان الحاصل. بل إن بعض الطرقات الحالية التي تستخدم في عمليات التهريب، تصبح طرقات منضبطة ومتاحة أمام حركة تنقل المواطنين بين البلدين، وبدل أن تكون معابر غير شرعية خطرة تصبح في حماية الجيش بشكل شرعي وآمن”.

ولا ينفي بلوز أنه “من الصعب على الجيش أن يضبط الحدود طالما ليست هناك روح سليمة بين الجانبين، وخصوصاً من دون إقامة حائط مجهز بالتقنيات المطلوبة، سواء كان حائطا ثابتاً أو “virtual” عبر الكاميرات عالية التقنية الثابتة أو المتنقلة على عربات”. لذلك، يشدد على “ضرورة اعتماد هذه الاجراءات والمباشرة بتنفيذها نظراً للفائدة الأمنية والاقتصادية الأكيدة للبلد”.

ويكشف عن أنه “أجرى أبحاثاً وتوصل إلى اختراع حيطان ثابتة من الباطون الضعيف يمكن تركيبها كقطع في وقت قصير، وإزالتها في المستقبل إذا تقرر ذلك في أي وقت إن انتفت الحاجة إليها، عبر تفكيكها وتركها في مكانها لكونها من مواد صديقة للبيئة وتتكامل معها وتندثر فيها، وأنه يعمل على الحائط الجديد الذي بدأ بناؤه بين الولايات المتحدة والمكسيك”.

ويستغرب “عدم تطبيق الحلول الممكنة واستخدام التقنيات العلمية مضمونة النتائج والإيجابية على الصعد كافة”، ويقول “البلد لم يعد يحتمل ما يحصل، وعلى المسؤولين التفكير بمصلحة لبنان العليا”، مشدداً على أن “المجتمع الدولي والدول الصديقة للبنان على أتم الاستعداد للمساعدة، وسبق لبريطانيا أن قامت وتقوم بذلك، وألمانيا عرضت تقديم خبراتها ومساعداتها، والولايات المتحدة معلوم حجم المساعدات التي قدّمتها وتقدمها للجيش اللبناني، لكن الكرة في ملعب الدولة اللبنانية التي عليها أن تعقد العزم وتقرر معالجة هذا الملف بشكل نهائي”.

ويذكّر بلوز بـ”إحصاء تلفزيوني أجري في وقت سابق حول إنشاء حائط على طول الحدود اللبنانية، وأتت النتيجة بتأييد أكثر من 60% من اللبنانيين الذين صوّتوا لصالح إنشاء الحائط، ما يعكس مدى استشعار المواطنين بأهمية ضبط الحدود واطمئنانهم إلى هذا الحل، الأمر الذي يجب أن يحفّز المسؤولين على أخذ الموضوع بالجدية المطلوبة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل