يوروبوند بفوائد تاريخية لتخفيف سرعة الغرق فقط

يتحضر لبنان لإطلاق إصدار جديد لسندات يوروبوند بعد انقطاع لفترة طويلة، حيث كان مصرف لبنان يتولى تأمين تمويل السندات المستحقة على الدولة من دون الاضطرار للاستدانة من الأسواق. لكن الظروف المالية والاقتصادية المأزومة والوضع الحرج بالنسبة إلى حجم السيولة النقدية بالعملات الأجنبية لدى البنك المركزي، لم يترك خياراً أمام الدولة للتعويض عن العجز في الموازنة وتمويل نفقاتها سوى اللجوء إلى الأسواق العالمية للاستدانة.

المشكلة تكمن في أن الدولة ستضطر إلى دفع فوائد عالية على سندات الخزينة هذه، بأسعار السوق، نظراً للمخاطر التي تحملها السندات اللبنانية جراء الوضع الاقتصادي والمالي المتعثر وتقارير مؤسسات التصنيف الدولية السلبية. أي أن العجز سيزيد نظراً لارتفاع نسبة الفائدة المتوقعة على السندات السيادية اللبنانية إلى حدود 14%، كما توقعت وكالة “بلومبيرغ” الأميركية.

والمعطيات المتوافرة لدى “بلومبيرغ”، تشير إلى أن الإصدار المرتقب الذي بدأت التحضيرات له في الاجتماع الثلاثي الأخير الذي ضم رئيس الحكومة سعد الحريري ووزير المال علي حسن خليل وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، سيكون الأعلى من ناحية الفوائد المسجلة على السندات السيادية في العالم خلال هذا القرن.

ومن المؤشرات المقلقة التي تفرض نفسها، أن سندات اليوروبوند اللبنانية السيادية هي الأسوأ أداءً بعد الأرجنتين هذا العام، إذ سجّلت خسائر بنسبة 7.2% وفقاً لمؤشّر بلومبيرغ. كما لا يجب أن يغيب عن الملاحظة ارتفاع العوائد في السنوات الماضية على سندات اليوروبوند من مستوى 4.5% العام 2013 لتلامس الـ10% في 2018 وصولاً إلى مستوى 14.7% حالياً. وكل ذلك سينعكس حكماً على خدمة الدين العام بعد الإصدار المرتقب، ما يزيد من تعميق الأزمة المالية والاقتصادية.

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور لويس حبيقة يوضح لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “الموضوع يكمن في العجز المالي الكبير الذي تعاني منه الدولة. فإيرادات الموازنة أقل بكثير من النفقات كما هو معلوم، ولتمويل العجز في الموازنة تلجأ الدولة للاستدانة (دين داخلي أو خارجي)”.

ويقول “بالنسبة للاستدانة من الداخل، المصارف باتت مثخنة بالديون للدولة، وهي لا تريد زيادة محفظتها من السندات، كما أنه ليس من الصحي أن يقوم مصرف لبنان بإقراض الدولة أكثر. بالتالي، تلجأ الدولة إلى إصدار سندات خزينة في الخارج، باليورو أو بغير عملة، لتمويل نفقاتها. وبما أن مخاطر لبنان عالية تبعاً لتقارير (ستاندرد أند بورز) و(فيتش) و(موديز) وغيرها، فبالتأكيد ستستدين الدولة بأسعار عالية”.

ويضيف أنه “بغير ذلك لا أحد على استعداد لتقديم قروض إلى الدولة اللبنانية. وبالتالي نحن في ورطة الاقتراض من الخارج بأسعار عالية، إذ لا سبيل متاحاً أمام الدولة لتمويل تغطية العجز القائم”. ويلفت إلى أن “الوضع الذي وصلنا إليه هو نتيجة العجز المالي، وطالما لم نعالج هذه المشكلة لا يمكن القيام بشيء، فالدولة عندنا تجتاحها الفوضى، وعاجزة عن إدارة أي شيء، لا الكهرباء ولا المياه ولا الاتصالات، وتقوم بالتوظيف عشوائياً، بالتالي المشكلة كبيرة”.

ويأمل حبيقة أن “يبقى من يُقرضنا. لكن من دون شك سيطلب أصحاب القروض فائدة عالية، وسيواجهون الدولة والمسؤولين بأنهم يتكبدون مخاطر كبيرة نظراً لانخفاض مستوى الثقة بلبنان بسبب السياسات المالية والاقتصادية والادارية والنقدية التي اتبعها المسؤولون اللبنانيون وأوصلت إلى هذا الوضع”. لكنه يشير إلى نقطة إيجابية، إذ إن لـ”السندات أفضلية معينة على الاقتراض المباشر من المصارف، لأن من يشتريها يمكنه بيعها في السوق الثانوية متى أراد ذلك، ويصبح الشاري الجديد هو من يحملها إلى وقت استحقاق آجال تسديدها”.

وعن المسعى لتكون السندات المزمع إصدارها بحدود ملياري دولار، يشدد حبيقة على “ألا حدود للاستدانة في ظل الوضع الذي نعيشه. فلا يزال البعض يتفلسف ويتبجّح بالعمل على تخفيض العجز من 7.6 إلى 7.2%، ولا يقال مثلاً نعمل على خفض العجز وعلى أن يكون عندنا فائض في الخزينة!”.

ويقول إنه “في كل الحالات، لا نزال غارقين في الحفرة، وكل ما تزعمه الدولة من اجراءات هو مجرد تخفيف لسرعة وحدّة الغرق، لا أكثر”. ويضيف، “بكل موضوعية، لم يُعمل أي أمر إصلاحي. لا إصلاحات جذرية بنيوية في كل القطاعات وفي تأمين الخدمات للمواطنين، وما يتعلق بمكافحة الفساد، وإقفال مزاريب الهدر، وضبط الحدود وإقفال المعابر غير الشرعية والتهرب والتهريب الجمركي، وغيرها”.

ويشدد الخبير الاقتصادي والمالي على أن “الاصلاح يبدأ بتطبيق القانون، وهم قاموا خلال السنتين الماضيتين بتوظيف أكثر من 10 آلاف شخص خلافاً للقانون، ولم يتخذوا أي إجراء في هذا الشأن حتى الساعة، وليتهم يوظفون أصحاب الكفاءة بل المستزلمين في غالبيتهم، فعن أي إصلاح يتحدثون؟”.

ويستغرب حبيقة “ادعاء بعض المسؤولين تحقيق إصلاحات فيما الوضع مزر وإلى تراجع في كل قطاعات الخدمات العامة”، مضيفاً، “ليحترموا عقولنا قليلاً ويقولوا مثلا، نحن بحاجة لإجراء إصلاحات لكن لا نعرف كيف، كنا ربما تفهّمنا عجزهم”.

ويؤكد أن “المشكلة الأساسية تكمن في أن المستويين السياسي والإداري في أسوأ حالاتهما وتحوطهما الشبهات، ولو كان الأمر مختلفاً لكان حل المشاكل الاقتصادية والمالية والنقدية سهلاً. أما في ظل هذا الوضع، فكل ما يمكن القيام به هو محاولة الحد من الخسائر فقط”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل