جريمة مخزية… الجيش بلا خبز

“يوم الأربعاء الماضي، أمضاه عسكر لبنان من دون خبز”. هذه الحقيقة الصادمة كشفها، بهدوء ممزوج بسخط وغضب مكتومين، مصدر عسكري خاص لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، مضيفاً أن “اللواء اللوجستي في الجيش قام، الأربعاء الماضي، بتوزيع الطعام على الثكنات والقطع العسكرية والألوية والوحدات المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، من دون خبز”.

هذه الأزمة الخطيرة بدأت إثر إعلان متعهدي تغذية الجيش اللبناني، في بيان، “التوقف عن تقديم المواد الغذائية المطلوبة من الجيش، بما فيها الخبز العربي والخضار واللحوم الطازجة منذ ثلاثة أيام، بعدما تقدمنا بكتاب خطي الى كل الجهات المعنية شرحنا فيه أسباب اضطرارنا التوقف عن التسليم ابتداء من تاريخ 9-9-2019، وذلك بسبب عدم دفع مستحقاتنا منذ تشرين الثاني 2018 من قبل وزارة المالية”.

استشعر المسؤولون المعنيون، متأخرين، فداحة هذا الأمر، بعدما وعوا انعكاساته السلبية على مجمل وضعية الجيش اللبناني ومعنوياته، فقامت رئيسة مصلحة الخزينة في وزارة المالية بالتوقيع على الاعتمادات المخصّصة للمتعهدين الذين يؤمنون التغذية للجيش. لكن، لعل ردود الفعل الغاضبة والشاجبة التي عبّر عنها المواطنون، والتي لا شك أنها وصلت مسامع المعنيين، بالإضافة إلى شخصيات سياسية عدة، لعبت الدور الأساس في تسريع عودتهم عن هذا الخطأ ـ الخطيئة بحق الجيش.

وزارة الدفاع أعلنت عن تبلغها من وزير المال علي حسن خليل، أنه “تم وضع 16 مليار ليرة بتصرف متعهدي تغذية الجيش اللبناني”. وأفادت المعلومات أن المتعهدين سيباشرون تسليم المواد الغذائية للجيش، ابتداء من صباح اليوم الجمعة، بعد تبلغهم قرار صرف الاعتمادات المالية. لكن البلبلة والتخبط، المستغربَين، لم ينتهيا عند هذا الحد، إذ عاد وزير المال وغرّد عبر “تويتر” أنه “خلافاً لكل ما يتم تداوله حول أموال تغذية الجيش، على المهتمين مراجعة الادارات المعنية ليكتشفوا أن الأمر غير صحيح والأموال تحوَّل بشكل طبيعي، ومطالبة بعض التجار تتعلق بأموال سابقة احتاجت الى إجراءات وفق الأصول”.

لكن المصدر العسكري الخاص لموقع “القوات”، يكشف عن أنها “ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها الجيش لهذه الأزمة غير المقبولة، إذ سبق وحصلت خضّة مشابهة في آب الماضي، لم تُسلط الأضواء عليها كثيراً”.

ويضيف أن “الجيش كان مقبلاً على أزمة تموين غير مسبوقة خلال أيام قليلة، أو أسبوع كحد أقصى، لو لم يتم حل المشكلة القائمة بين وزارة المال ومتعهدي تقديم المواد الغذائية”. ويؤكد أن “المواد الغذائية الموجودة في مستودعات الجيش لم تكن تكفي لأكثر من هذه الفترة الزمنية”.

ويتأسف لأن “تصل الأمور إلى ما وصلت إليه، والتعاطي، من قبل الجميع، مع مسألة حيوية وأساسية على هذه الدرجة من الأهمية والأولوية القصوى المتعلقة بتموين الجيش، بهذه الطريقة من الخفة”، معتبراً أن “هذا أقل ما يمكن أن توصف به هذه القضية”.

ويشدد المصدر العسكري الخاص، على “ضرورة أن يتحمل جميع المعنيين مسؤولياتهم ومعالجة هذه المسألة المتكررة بشكل نهائي، مرة لكل المرات. فلا يجوز أن يوضع الجيش كل فترة أمام أزمة من هذا النوع”.

ويشير إلى أن “المسؤول عن صرف المستحقات للمتعهدين يجب ألا يتأخر من الآن فصاعداً في القيام بواجباته، من جهة. كما أن تصرف متعهدي تغذية الجيش غير مفهوم ومستغرب، من جهة ثانية”. ويقول، “ليس بهذا الأسلوب يتم التعاطي مع المؤسسة الوطنية التي تقدم أغلى التضحيات في سبيل حماية أمن المواطنين وسلامتهم وممتلكاتهم ومقدراتهم، والتي يعوّل عليها جميع اللبنانيين”.

ويلفت المصدر العسكري الخاص لموقع “القوات”، إلى أنه “كان بإمكان المسؤول عن الصرف تدارك الأمر قبل وقوعه، خصوصاً أنه يتكرر. كما أنه كان يمكن لمتعهدي التغذية انتظار انتهاء المشاورات القائمة مع المعنيين وعدم التوقف عن تزويد الجيش بالمواد الغذائية، على الرغم من التأخر في الدفع لهم، فعقودهم مع المؤسسة العسكرية منذ سنوات مضمونة ومحفوظة، وأموالهم لا تضيع مع الجيش، وهي لم تضع يوماً”.

من جهته، يعرب النائب شامل روكز عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، عن أسفه الشديد، تعليقاً على هذه القضية. ويشدد على أنها “مسألة مؤسفة ومخزية وسيئة إلى أقصى الحدود”، مستغرباً “هذا الاستهتار بالجيش، وهذه الطريقة بالتعاطي مع هذه المؤسسة المؤتمنة على أمن البلد وحماية الحدود وعلى كرامة البلد كله”.

ويلفت إلى أن “هذا الأسلوب انطلق بداية في موازنة 2019، حيث كانت الحجة لعدم تسليح الجيش ألا أموال. كما أنهم حاولوا أن يطاولوا أموال المتقاعدين، فرفضنا، لكنهم حاولوا تمريرها. ووصلنا اليوم إلى العسكر في الخدمة الفعلية، إذ لم يصرفوا الأموال في الوقت المطلوب كي يتمكن المتعهدون من تأمين المواد الغذائية والأكل للجيش”.

ويسأل روكز بحدة، “هل هناك استخفاف وضرب معنويات وحقوق لمؤسسة كمؤسسة الجيش اللبناني، التي نعتبر أنها لا تزال الضمانة الأساسية في البلد، أكثر من ذلك بعد؟”، ويقول، “لم أرَ استهتاراً وقلة مسؤولية وخفة إلى هذا الحد في التعاطي، كما تتعاطى الحكومة مع هذه القضية”.

ويؤكد أنه “مهما قلنا ورفعنا سقف الكلام شجباً واستنكاراً لما يحصل، يبقى دون هذه الجريمة التي ترتكب بحق مؤسسة كمؤسسة الجيش اللبناني”.

بدوره، يستغرب عضو كتلة “الجمهورية القوية” النائب وهبي قاطيشه عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، كيف أننا “في أسوأ أيام لبنان الاقتصادية كان الجيش يأكل قبل كل شيء، فيما يصل الأمر اليوم إلى أن الجيش لا يستطيع أن يأكل لأنهم لا يدفعون لمتعهدي التغذية!”، معتبراً أن “هذه قمة سوء الإدارة والتبشير بالانهيار”.

ويضيف، “قد يفهم المرء ربما بعض التأخر في الدفع للمستشفيات أو لمتعهدي الأشغال أو بعض القطاعات إلى حين، على الرغم من الاوضاع الاقتصادية القاسية على الجميع. لكن إن لم يأكل العسكري، كيف يمكنه أن يحمل سلاحه ويؤمِّن السلم الأهلي؟”.

ويعرب قاطيشه عن أسفه لما يحصل “خصوصاً أنهم على المنابر لا أحد أقوى منهم في الصراخ (نحن مع الجيش)، أما حين نأتي إلى العمق نجدهم يريدون تجويع الجيش”. ويسأل: “هل هكذا تكون محبة الجيش؟ ويقول، “للأسف، هم يتاجرون بالجيش كما يتاجرون بكل شيء”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل