




كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1698
الـ10452 كلم2: الرقم الصعب
كيف حضّر بشير برنامجه الإنتخابي؟(1)
في زمن المقاومة قال الشيخ بشير الجميل: “أنا أناضل من أجل كل لبنان وليس من أجل قسم منه أو فئة فيه، أنا أناضل في سبيل الـ10452 كيلومترًا مربعًا. وفي زمن التحضير للرئاسة قال: “ليعلم الجميع أني مرشح لأكون رئيسا لل10452 كلم2”. وبعد فوزه، أكد طبعا هذا الهدف ورسّخ هذا النهج الذي كان بلوره قبل الرئاسة بفتح صفحة مختلفة من العلاقات مع القيادات في جميع الطوائف، حتى من باعدت بينه وبينهم ظروف الحرب وما فرضته من إنقسامات واصطفافات. أدرك بشير الجميل حساسية التوازنات الوطنية وأهميتها في مشروعه لبناء لبنان الجديد. وأيقن أن الإنقسامات صنيعة يد الخارج، وقد غذّتها أيادٍ عديدة عربية ودولية، جعلت من اللاعبين المحليين مجرّد أدوات. وما كان ينقص أي مدرك لهذا الواقع للخروج منه، إلا الجرأة التي لم تنقص بشير الجميل، فأقدم بكل ثقة ونجح بكل خطوة نحو ترجمة الشعار واقعًا منقذًا للبنان، ساعده في ذلك ملاقاة القيادات الإسلامية له ولمشروعه قبل أن تغتاله يد الغدر في 14 أيلول… والممارسة، في ما تلى ذلك من أيام وأعوام.
مرّت عقود على الشعار الأبرز للشيخ بشير الجميل، وما زال الأشد وقعًا على الآذان والأذهان… وفي القلوب. يردده بعض السياسيين بهدف الإستثمار الشعبوي الرخيص، فيما تعمل له المؤسسة التي حملت المشعل والوعد والعهد: “القوات اللبنانية”. ولأن الشعار لم يكن يوم أطلقه الشيخ بشير مجرد شعار، بل مشروع وطن وشعب ومؤسسات، بقي حيًّا. ولأن ثمّة من يُريد له أن يموت بقي حيًّا. وحيًّا سيبقى إلى أن ينجح حاملو الراية في تطبيقه.
من رعيل الشيخ بشير، هناك من عمل إلى جنبه على مشروع لبنان الـ10452 كلم2، ومن الرعيل التالي من حافظ على الأمانة واستثمر الوزنات. لكن ماذا بعد هذه العقود عن مشروع الوطن ذاك، وماذا يفقه فيه أو يعرف عنه جيل اليوم؟
“المسيرة” خاضت هذه المهمة، واستطلعت معارف العديد من الشباب الجامعيين، من اختصاصات مختلفة وجامعات مختلفة، بهدف الإضاءة على إدراك الشباب لماهية هذا المشروع ولجوهره وأبعاده. وكان لافتا أن نسبة لا بأس بها منهم قالت إنها لا تعرف معناه بالضبط، وبعضا من المستطلعة معارفهم لم يجيبوا، فيما أجابت النسبة الأكبر منهم بأن منطلق الشعار المحافظة على مساحة لبنان، والهدف منه أن الشيخ بشير أطلقه في زمن كان لبنان خاضعًا لمجموعة من الإحتلالات والسيادة المنقوصة والمصادرة من الفلسطيني والإسرائيلي والسوري، وهو أراد تحريره كاملًا من دون التفريط بأي شبر من ترابه.
هذه الإجابة الأخيرة وإن كانت تمثل جانبًا من مشروع الشيخ بشير المتجسد بهذا الشعار، إلا أنها جاءت بعيدة عن واقع ذاك الشعار ومعناه ومرماه، لأنه في الحقيقة مثّل مشروعًا متكاملًا موزعًا على أبواب وعناوين وقضايا تطال مختلف جوانب لبنان المرتجى، وتعمل على تحقيقها في شكل منهجي وأسلوب علمي بعيد عن الفئويات والمصالح الضيقة، كما درج عليه العمل السياسي والإصلاحي في لبنان منذ تأسيس الدولة.
من هنا فإن الإضاءة على حقيقة مشروع الـ10452 كلم2 كشعار ومنهاج عمل، تُبيِّن لمن لم يتسنَّ له الإطلاع عن كثب على حجم ذاك الحلم، وكم هو متشعبٌ وراقٍ، وماذا كان ينتظر لبنان لو قدِّر لذاك الرئيس الشاب أن يحقِّق مبتغى اللبنانيين ويستكمل مشروع وطن كان حلمًا ولا يزال. وهناك بعض المدوّنات غير الرسمية ولكن ذات القيمة التاريخية، وهي المتضمّنة الكثير من الإحاطات حول مشروع الوطن ذاك، تُوضِح جوانبه العديدة ومراميه البعيدة وأهدافه السامية. وربما في العودة إليها ليس فقط إعلام من فاته كم كان مهمًّا مشروع بشير وماذا يختصر ذلك الرقم الصعب، بل التأكيد للمكابرين والمتسلقين على شعارات الكبار وأحلام الصغار، أن بناء الأوطان له أسس واضحة وخطوط معلومة الإتجاهات لو شاؤوا لاعتمدوها.
ويَذكر البعض من مساعدي بشير ورفاقه، أن الشيخ بشير في محاولته فتح صفحة جديدة مع القيادات الإسلامية اللبنانية، أمثال الرئيس صائب سلام أو الزعيم وليد جنبلاط أو سواهما، لم يكن يهدف إلى تأمين النصاب البرلماني الضروري لانتخابه فحسب. هدفه الأهّم كان الوصول إلى الرئاسة رئيساً لـ”10452 كيلومتر مربّع”. من هنا عدم استساغته لا من قبل الإسرائيليين ولا من قبل السوريين، لأنهم أدركوا أبعاده وخطره على الدور الذي لطالما لعبه النظامان في دمشق وتل أبيب والقائم على مبدأ التفرقة بين اللبنانيين لتبقى لهما الكلمة الفصل والنفوذ والسلطة.
فالنظام السوري تحديدًا، أرسى قواعد حكمه في لبنان على تعزيز الإنقسام بفرض واقع سياسي وعسكري لا يسمح لطرف بالغلبة على الطرف الآخر، ما يمنع على أي من الأطراف فرض حل أو واقع لا يناسب وجوده في لبنان، وهكذا فعلت إسرائيل طيلة فترة وجود قواتها في لبنان. وهذا ما يعكس التأثير الذي خلفه الإلتزام بالـ10452 كلم2 والذي ارتقى إلى مصاف الخطة المتكاملة لدولة المستقبل في لبنان، ودستور العمل لجمهورية قوية بكامل عناصر قوّتها والتفاف مكوّناتها حول الرئاسة – القيادة. وهو يفسر في آن الحجم الكبير للخشية لدى جميع القوى الطامعة بلبنان والباحثة عن تأمين مصالحها على حساب وهنه وانقسام شعبه وتقاسم مصالحهم فيه.
ويشير البعض إلى أن بشير بطرحه شعار 10452 كلم2، قدّم أولوية وحدة لبنان على ما عداها، وتعالي اللبنانيين على ما فرقهم وتكاتفهم بوجه مخططات الشرزمة، وكله خدمة لبناء الجمهورية المنشودة. وهذا الشعار كان مهيأً لأن يستوعب شعارات أدنى منه متصلة بتركيبة النظام وتوزيع السلطة.
فماذا تضمّن حقيقة هذا الشعار – المشروع إضافة إلى الحفاظ على الأرض بحسب ما تعتبر الأغلبية من اللبنانيين، وكيف شكّل جوهر برنامجه الرئاسي؟
أكثر من شعار… منهاج عمل
بحسب المدوّنات والمعلومات، تضمّن شعار الـ10452 كلم2، العمل على مستويات عديدة لتحقيق حلم بناء الدولة المنشودة. وكانت لدى الرئيس الشهيد قناعة راسخة وجليّة بأنه لا يمكن بناء دولة قوية بالعمل على مستوى واحد أو أكثر من ركائزها، بل عليها كلها. ولا يمكن تحقيق لبنان القوي في محيطه المضطرب، من دون تكامل كل عناصر قوته معًا وهي كثيرة. وأبرز تلك المستويات أو النقاط التي عناها الشعار وعمل عليها الرئيس الشهيد وفريقه الرئاسي هي:
وجدانيًا: الأمانة للشهداء كانت هاجس الشيخ بشير. فهو عاش نضالهم وقدّر تضحياتهم. ويوم قال نريد رئيسًا وقف ولو لمرة على قبر شهيد، كان يقصد أن من يعرف معنى تضحيات هؤلاء لبناء وطن هو وحده من يستحق قيادة وطن. وقد أوعز قبل انتخابه رئيسًا إلى معاونيه للتركيز على أن هذه اللحظة تحمل في ذراتها روح كل شهيد مات في لحظة ما من أجل هذه اللحظة. مؤكدا أنه سيكون أمينًا لكل شهداء لبنان لأنهم كلهم ماتوا من أجل لبنان، ولأن من لا يكون أمينًا لمن ذهب، لن يكون أمينا لمن بقي. وهذا الموقف المعلن قبل انتخابه رئيسًا كانت له أبعاده وأصداؤه في المناطق اللبنانية كافة، وهي كانت مفككة الأوصال بسبب الحرب والحواجز، لكنها شعرت بأن شيئا يعنيها مقدّر عند القائد الشاب، وهذا موضع احترام على الرغم من الإختلاف السياسي والعقائدي معه، نظرا إلى أنه انحنى لتضحيات هؤلاء على امتداد لبنان وليس فقط لمن سقطوا من المقاومة اللبنانية في المنطقة الشرقية.
كيانيًا: كان بديهيا أن يركز الرئيس الشهيد على البعد الكياني في حركته وسعيه لتحقيق مشروعه. وقد أكد ذلك في خطاب القسم بقوله: “إن أولى مهمات الحكم الجديد هي إخلاء سبيل كل مؤسسات الدولة، وسيكون الجيش اللبناني في طليعة المؤسسات العائدة إلى العمل بعد إنقطاع قسريّ، سيعود شجاعًا مؤمنًا بالقضية مرتفع المعنويات، وطني الأهداف، شعبي الإنتماء، ميداني التنشئة، عملاني القيادة.” ويضيف: “الوفاق حكم لا لقاء، إرادة وطنية لا إجماع وطني… سنتابع طريق السيادة والإستقلال عبر الشرعية ونكون دولة الأمة لا دولة الإدارة.دولة الأمة، مؤسسة الطموحات والأحلام التاريخية.دولة الإدارة، مؤسسة التوظيف والملاكات الرسمية. وكان لبنان على مر الأجيال هاتين الدولتين معًا…”
وجوديًا: ركّز الشيخ بشير في مشروعه على وجوب إشراك كل المجموعات في بناء الدولة، باعتبارأنها المرّة الأولى التي تتسلم فيها الأمةُ الدولةَ، وحين الأمة تتسلم الدولة توطّد مبدأ التعايش بين كل اللبنانيين، وتسقط شوائب الصيغة، وتحيي الثقة بالميثاق الوطني، فتشعر كل المجموعات الحضارية اللبنانية بأنها مشاركة في الحكم ومسؤولة عن تقرير مصير الوطن. ويقول في هذا السياق: “ليس لبنان وطنًا مسيحيًا، إنه وطن المسيحيين والمسلمين اللبنانيين”. وهذا العيش معًا له متطلباته ومستلزماته التي أعد لها العدة بحيث يشعر كل مواطن علىامتداد مساحة الوطن بأنه مسؤول تجاه وطن له فيه حقوق وعليه تجاهه واجبات. واعتبر أنه “حان الأوان، لتنقية وجودنا وممارسة حق تقرير المصير، فجوهر القضية اللبنانية هو حرية شعب لا وحدة أرض. الأرض الموحدة لا تحرر شعبًا محتلًا، بينما الشعب الحر يوحد أرضًا مقسّمة. وسنوحد لبنان ليكون وطن الحريات”. بهذا المعنى يصبح تعبير الـ10452 كلم2 أوسع من شعار وأبعد من محطة آنية بل دستور حياة لوطن الحياة.
سياسيًا: بغض النظر عن عدد الأصوات المطلوب قانونا لتوفير نصاب جلسة الإنتخاب، تذكر إحدى المدونات كم كان الشيخ بشير حريصًا على أن يكون ناخبوه من كل الفئات الطائفية وكل القوى السياسية، ليثبت فعلا أنه رئيس كل لبنان وليس رئيس فئة منهم بمواجهة فئة أخرى يقينًا منه أن الحكم لا يكون ناجحًا ومنتجًا إلا إذا تكاتف الجميع في مهمة البناء التي تعني الجميع أصلًا. ويذكر معايشوه في تلك الفترة، أن الإتصالات واللقاءات مع من كانت لديهم مواقف مناهضة لسياسته أو رافضين لوصوله إلى سدة الرئاسة، كانت تأخذ حيزًا واسعًا من وقته وجهده، مشددًا على أن مدخل الحكم الناجح يبدأ من هنا. ويستذكرون اليوم كم أنه كان على حق.
إنمائيًا: معروف عن الشيخ بشير أنه لم يُهمل جانبًا في سياسته من المقاومة إلى الرئاسة. وبمقدار تشديده على جيش وطني العقيدة متماسك البنيان حسن التدريب، وبمقدار تركيزه على سلامة المؤسسات وانتظام العمل الحكومي… وغيرها وغيرها من العناوين، كان حريصًا على أن يكون الإنماء متوازنًا إيمانًا منه – كما كان يردد – بأن الوطن ليس قطارًا تسير القاطرة وتجر وراءها المقطورات، بل إن أي انطلاقة ناجحة مرجوة للوطن المنشود لا تتم إلا بالنهوض المتوازي لجميع المناطق، “إن تطبيق مبادئ الميثاق الإقتصادي الإجتماعي، ينجح عندما يشمل الإنماء والإستثمار كل أراضي الوطن بحسب ثرواتها ومواردها وخصائصها. فلا ينمو قطاع على حساب آخر، ولا تأكل منطقة أخرى ولا تتطفل منطقة على أخرى، هكذا تخدم الدولة المواطن، وهكذا يرتبط المواطن بالأرض وتبقى الأوطان”.
بيئيًا: حتى الجانب البيئي الذي لم يكن في صدارة إهتمام المسؤولين يومها – وهو ربما لا يزال كذلك حتى اليوم – أولاه الشيخ بشير أهمية بالغة منددًا مثلًا بردم البحر، مستخدمًا الشعار نفسه للتشديد على تحريم ذلك، بسبب تشويهه للشواطئ ومخالفته للقوانين الدولية من جهة، وبسبب الدافع إليه وهو تأمين مكاسب شخصية على حساب الثروة الوطنية من جهة ثانية. وبمناشدته للمعتدين قال: “عندما نرفع شعار الـ 10452 كلم2، يعني أننا لن نقبل بأن تكون منقوصة شبرًا واحدًا، وبنفس المعنى والحزم لن نقبل بأن يضاف إليها شبر واحد، لما لذلك من ضرر بيئي وتشويه طبيعي ومخالفة للقانون”. فصحيح أن الرئيس الشهيد بشير الجميل هدف من بناء مقاومة منظمة، إلى دحر الإحتلالات على أنواعها، وهي كانت كثيرة فجردت السلطة اللبنانية من أي سيادة على أرضها. لكنه في المقابل رفض زيادة هذه المساحة في شكل عشوائي ولمصالح خاصة. وكم نحن في حاجة إلى مثل هذا الرفض اليوم!
بشريًا: لطالما اعتبر أن الإنسان هو الأساس، وأنه في الوقت الذي تتم عملية التسليم والتسلم على مستوى الدولة بين عهد وعهد، يجب أن تتم عملية تسليم وتسلم على مستوى المجتمع بين ذهنية وذهنية، بحيث نحدد مفهوم المجتمع الجديد ودوره، مثلما حددنا مفهوم الدولة الجديدة ودورها. فالوطن بعد كل هذه التضحيات وهؤلاء الشهداء أصبح أرض أطفالنا وأحفادنا لا أرض آبائنا وأجدادنا فحسب. وبحسب العارفين فإن التوجّه إلى الأجيال الآتية يعني بناء الإنسان نظرًا إلى أهمية ذلك في بناء الدولة الحديثة والمجتمع المثالي. أما الآباء والأجداد فلم يعودوا أناسًا حاضرين بل هم الآن مجموعة قيم نستلهمها لبناء المستقبل السليم. كما ركًز على وجوب إتاحة الفرصة لكل أبناء الوطن للعيش بكرامة، لا أن يبقى ذلك محصورًا بفئة من دون أخرى أو منطقة قريبة على حساب الأطراف.
تربويًا: يعلم الجميع أهمية المنهاج التعليمي في بناء المجتمعات وأي مواطن نريد. وطبعًا لم يغب ذلك عن بال الشاب المندفع إلى الرئاسة، فكلف الدكتور روجيه شمالي، الذي رافق الشيخ بشير حتى في استشهاده، على رأس فريق متخصص بأن يعمل تربويا على خطين: تعديل المناهج بما يؤدي إلى بناء مواطنية صالحة ومواطن مثقّف من جهة، وإتاحة التعليم بمستواه الجيد على كامل الـ10452 كلم2 من جهة ثانية، أي بتعزيز مدارس الأطراف ومجانية التعليم أقله للمستويات الكافية لاكتساب الحد الأدنى من المعارف.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]