واشنطن لا تسمح بدور روسي استراتيجي في لبنان

ليس سرا حجم التنسيق الروسي الاسرائيلي على الساحة السورية مع تطور الأحداث منذ اندلاعها عام 2011، إذ تلتقي مصلحة الطرفين وأهدافهما البعيدة على تحجيم الدور الإيراني وأدواته في سوريا. واللقاء الذي جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، في سوتشي، الخميس الماضي، أرسل إشارات واضحة في هذا الاتجاه.

الهدف الأساس لمحادثات سوتشي الموسعة مع نتنياهو، الذي رافقه وفد أمني وعسكري إسرائيلي رفيع المستوى، ركزت على الوضع في سوريا وتعزيز التنسيق بين الطرفين والوجود الإيراني في سوريا والوضع في منطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنه لبنان على ضوء التطورات الأخيرة مع دخول المسيّرات كعنصر جديد في المواجهة. ولم يكن مفاجئاً تأكيد بوتين “أهمية التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل”، وإعراب نتنياهو عن تقديره لما قاله الرئيس الروسي إن “أمن إسرائيل مهم جداً بالنسبة له”.

مستوى التنسيق بين الطرفين يصل إلى حد الصمت الروسي، غالباً، وغياب أي ردة فعل من قبل نظام بشار الأسد، ضد تصاعد الهجمات الإسرائيلية على قواعد إيران وحزب الله في سوريا التي تخلّف عشرات القتلى والجرحى في صفوفهما.

هذا الوضع لا ينزل برداً وسلاماً على إيران، التي تعتبر أن لها أحقية بمراعاة مصالحها بالدرجة الأولى في سوريا، وفي المنطقة نظراً لما تكبدته من خسائر لإبقاء بشار الأسد في السلطة. لكن لروسيا حساباتها الخاصة، وهي تعتبر أنها صاحبة الدور الحاسم في قلب المعادلات ومنع سقوط الأسد، ولها يعود تحديد الأدوار والأحجام في سوريا.

وفي القراءة الروسية لحجم موسكو بعد عودتها القوية إلى منطقة الشرق الأوسط من البوابة السورية، أنه يمكن لإيران أن تبقى في المشهد، لكن في المقاعد الخلفية. فالمقاعد الأمامية محجوزة سلفاً، لروسيا بالطبع، بالإضافة إلى واشنطن وإسرائيل. وهذه القراءة متأتية من إدراك موسكو لحدود اللعبة الدولية، وشبكة المصالح المعقدة للاعبين الكبار في منطقة الشرق الأوسط، المرتبطة بقواعد جيو ـ بوليتيكية واستراتيجية وسياسية واقتصادية تفرض نفسها، حتى على طبيعة الدور الروسي.

محاولات إيران تخطي حدود اللعبة التي رسمها بوتين بالاتفاق مع نتنياهو في سوريا، وبمباركة أميركية، وتثبيت إجبارها على الابتعاد عن الحدود الاسرائيلية السورية مسافة تتخطى الـ80 كيلومتراً، باءت بالفشل تباعاً. فلجأت في الآونة الأخيرة إلى محاولة استحداث مساحة جديدة، هي بالفعل قديمة ـ جديدة، لتقول إنها لا تزال لاعباً أساسياً، ولن تقبل الجلوس على مقاعد الاحتياط أو المتفرجين بسهولة.

بدء حزب الله بتنفيذ تهديداته بالرد على الهجومات الاسرائيلية ضد القواعد الايرانية وقواعد الحزب في سوريا، انطلاقاً من لبنان، يؤكد القرار الروسي بإقفال الساحة السورية أمام طهران وحلفائها تجاه تهديد أمن إسرائيل. والتهديدات التي يطلقها نصرالله بإشعال لبنان والمنطقة إذا ما هوجمت إيران، يعكس في جانب منه مدى الضيق الذي تشعر به إيران من حجم التنسيق الروسي الاسرائيلي والتعثر الكبير لمخططاتها في سوريا مع التحديد الروسي لدورها، بالإضافة إلى العقوبات والحصار المالي.

وتطرح هنا أسئلة حول ما سيكون عليه الموقف الروسي تجاه التصعيد الأخير بين إسرائيل وحزب الله ومن خلفه إيران، في لبنان، بسبب ما يضيفه من تعقيدات على المشهد السياسي والأمني المشتعل في المنطقة، وانعكاساته على الدور الروسي. علماً أن بوتين أكد لنتنياهو “ضرورة استمرار الهدوء في جنوب لبنان، فضلا عن الاستقرار العام، والالتزام بالقرار 1701، وتنشيط دور اليونيفيل”، بحسب مصادر دبلوماسية.

المحلل السياسي علي الأمين، يرى في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، أن “الدور الروسي محدود في لبنان”، لافتاً إلى “ما قاله السفير الروسي ألكسندر زاسبيكين في خضم أزمة التصعيد الأخيرة وقبل رد حزب الله في أفيفيم، إذ عبَّر بشكل واضح وصريح ألا دور لروسيا فاعلاً في لبنان كما هو الحال في سوريا”.

ويشير إلى أنه “فيما لو كان ممكناً القول إن هناك نوعاً من الغطاء الأميركي للدور الروسي في سوريا نتيجة تفاهمات معينة حصلت منذ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ومستمرة، فأعتقد أنه في لبنان من غير المسموح أميركياً دخول الروس إلى حد يمكّنهم من لعب دور الوسيط. في الحسابات الدولية لبنان ليس مساحة روسية، بل إن واشنطن تأتي في الدرجة الأولى تليها فرنسا وروسيا في مرتبة متأخرة، بالإضافة إلى الحضور الإيراني المؤثر”.

ويلفت إلى أن “حركة مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر الأخيرة في لبنان، تؤشر إلى أن الأميركيين لن يسمحوا للروس بالدخول إلى لبنان بالمعنى الاستراتيجي. في الموضوع الاسرائيلي أو القرار 1701 وسائر القرارات الدولية وغيرها، هناك إدارة أميركية مباشرة”.

ويلفت الأمين إلى أنه “من الثابت وجود اتفاق اسرائيلي روسي في ما يتعلق بضمان أمن إسرائيل. ولا خلاف حول مبدأ تدخل إسرائيل في سوريا وتوجيه ضربات، لكن على حدود هذا التدخل، في لحظة سياسية يسعى الروس إلى ترسيخ وضعية النظام في سوريا والانتقال إلى مرحلة جديدة”.

ويشير إلى أنه “من الواضح أن هناك نوعاً من خط أحمر روسي تجاه منع إيران وحزب الله من توجيه ضربات إلى إسرائيل من سوريا”. لكنه يلفت إلى أن تحرك الطائرات الروسية خلال الضربة الاسرائيلية الأخيرة على موقع لحزب الله قرب دمشق، يعكس رسالة روسية عن امتعاض موسكو مما اعتبرته تجاوزاً للاتفاقات والحدود المرسمّة بعناية بين الطرفين”.

ويقول، “ربما يكون أحد أسباب التباين الروسي الاسرائيلي، اعتبار روسيا ألا حاجة لغارات إسرائيلية معينة في سوريا تحت شعار ضربات استباقية بسبب تحضيرات إيرانية ومن حزب الله لتوجيه ضربات إلى إسرائيل، إذ ترى موسكو أن لديها ضمانات بعدم حصول ذلك، ومن هنا عدم موافقتها على وتيرة الغارات الاسرائيلية”.

ويلفت إلى أن “خروج نصرالله للإعلان أنه سيرد من لبنان على مقتل عنصري حزب الله في الغارة الاسرائيلية الشهر الماضي على موقع للحزب قرب دمشق، كان يقول بطريقة غير مباشرة إن الرد من سوريا ممنوع”.

وفي سياق التوجيهات الروسية، يكشف الأمين عن أن “المعلومات المتوافرة تؤكد أن النظام السوري، على الرغم من ضعفه وضعضعته، أبلغ الإيرانيين وحزب الله أنه ممنوع عليهم أن يوجهوا ضربات أو القيام بأي خطوات عدائية تجاه إسرائيل من خلال الأراضي السورية، وانتقال نصرالله للرد من لبنان مؤشر في هذا السياق”.

ويعتبر المحلل السياسي ذاته أن “نصرالله مربك تجاه هذا المعطى، كما ظهر خلال إحياء الليالي العاشورائية. ففي ليلة يصعد الخطاب ويسقط كل الخطوط الحمر، وفي ليلة أخرى يقول لم تفهموني ويعلن التزامه بالقرار 1701، الذي يمنع وجود أي قوة وعناصر مسلحة وسلاح جنوب نهر الليطاني إلا القوى اللبنانية الشرعية، وفي مقدمتها الجيش، بالاضافة إلى قوات اليونيفيل”.

ويضيف، “رسالة إيران وحزب الله بمحاولة استخدام لبنان كساحة بديلة، رسالة مربكة أكثر مما تنطوي على نوع من التماسك والقوة. فالساحة البديلة ستكون مناطق حزب الله، وبالتالي سيدخل في متاهة المواجهة العسكرية التي ستصيب تداعياتها لبنان بأكمله، لكنها ستصيب بشكل مباشر وأساسي حزب الله والبيئة التي يمثلها. لذلك، هو لا يستطيع الذهاب بعيداً في هذا الأمر، ويكتفي برفع الصوت”.

ويرى الأمين أن “رفع الصوت تعبير عن ضعف”، مذكراً أن “عشية الـ2006 كان نصرالله يطمئن ويعد بصيف هادئ، فيما كان التحضير جار لعملية خطف الجنديين الاسرائيليين، وبالتأكيد كان في حساباته وبنسبة عالية جداً أن عملية من هذا النوع ستستدرج حرباً في حال نجاحها، وإسرائيل لن تقف وتتفرج”.

ويضيف: “الخطاب كان تهدوياً حين كان متجهاً إلى الحرب. والتصعيد الكلامي اليومي يعكس عدم رغبة بالحرب وهروب منها، خصوصاً إذا راجعنا المصطلحات التي استُخدمت (رد مدروس ومحسوب لا يستدرج حرباً). وبتقديري أنهم ليسوا في وضع مريح، بل مربكون وفي حشرة. لا يستطيعون اعتماد لبنان مساحة أو ساحة لتصفية الحسابات من جهة، ولا يمكنهم في الوقت ذاته الخروج من فكرة أنهم قوة عسكرية صاحبة دور ويمكن أن بكون لها دور في حرب ما. لا يريدون اعطاء انطباع أنهم ضعفاء، ولا يستطيعون الذهاب لافتعال مشكلة كبيرة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل