إيران تتمدّد في لبنان وسوريا: الاستيلاء على مطار القليعات وإنشاء مرفأ الحميدية

أثار خبر صحيفة البعث السورية منذ أسبوعين عن نية الحكومة السورية منح امتياز بناء مرفأ جديد جنوب محافظة طرطوس لشركة “خاتم الأنبياء” التابعة للحرس الثوري الإيراني والمدرجة على لائحة العقوبات الأميركية منذ العام 2010، مع حق الاستثمار للشركة لمدة تتراوح بين 30 و40 سنة بعد الانتهاء من تجهيز المشروع، وأن العمل الآن جار على اختيار المكان المناسب للمرفأ، الشكوك حول حقيقة هذا الأمر، وسط تساؤلات عما تريده إيران تحديداً من هذه المنطقة؟

فكرة إنشاء مرفأ في ناحية الحميدية جنوب طرطوس ليست وليدة اليوم، بل كانت مُدرجة كدراسة لإنشاء مرفأ صيد وسياحة ضمن الخطة الخمسية العاشرة للحكومة السورية منذ العام 2007، لكنها، وعلى الرغم من مطالبة الأهالي المستمرة، بقيت حبراً على ورق حتى اليوم الذي أعلنت فيه إيران نيتها إنشاء مرفأ متعدد الاستخدامات على الواجهة البحرية الممتدة من قرية الحميدية حتى مخفر الموانئ في عين الزرقا بطول يقارب 2.5 كم.

ليس هذا فحسب، بل ستقوم إيران باستئجار مساحات واسعة من الأراضي الممتدة بين قرى عين الزرقا، الحميدية، الدكيكة، بني نعيم، وصولا إلى قرى العريضة والسماقية وربما القليعات أيضا داخل الأراضي اللبنانية بمساحة تقدر بـ100 كم مربع. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، لماذا اختارت طهران هذه المنطقة بالذات؟

تؤمن إيران الغارقة في ذهنية الامبراطوريات والحالمة بإعادة أمجاد فارس أن تحولها من دولة إقليمية إلى دولة كبرى مرهونة بالبحار التي تستطيع الوصول إليها، وأن وصولها للبحر المتوسط أهم خطوة في هذا الطريق. ولأن طهران تعرف أن بيروت على مدى التاريخ كانت خاصرة رخوة وغير مستقرة، كان من الضروري عليها إيجاد نقطة أخرى على المتوسط أكثر استقراراً لوضع حجر الأساس لمشروع طويل الأمد لن يكون مرفأ الحميدية سوى المرحلة الأولى منه.

أما المرحلة الثانية من المشروع، تتمثل في إنشاء مطار وقاعدة جوية بالقرب من المرفأ، وهنا لم تحسم طهران أمرها بعد في اختيار الموقع المناسب، فهي تدرس إمكانية إنشاء مطار في السهول الممتدة بين قرى الدكيكة والحميدية، وأعينها مسمّرة أيضاً على مطار القليعات شمال لبنان والذي يبعد حوالي 5 كم عن الحدود السورية اللبنانية، إذ تخطط طهران لتوسيع مطار القليعات والمعروف أيضا باسم “مطار رينيه معوض”، واستخدامه كقاعدة جوية لها.

فضلا عن سعي إيران أيضا لخلق مينائها الخاص على المتوسط لتستطيع من خلاله تصدير نفطها إلى الإتحاد الأوروبي والعالم بكلفة أقل بكثير من تصديره من موانئ الخليج، ولترسخ وجودها في المنطقة كأمر واقع يجبر الأوروبيين والعالم على التعايش والتعامل معه على مبدأ المنفعة والحاجة الاقتصادية، وليكون بديلا عن موانئها في منطقة الخليج العربي غير المستقرة في حال تطورت الأمور هناك لمرحلة الحرب والتي سيكون إغلاق مضيق هرمز ووقف حركة السفن في الخليج أول ما تفضي إليه هذه الحرب.

واختيار إيران لهذه النقطة تحديداً له عدة أسباب أهمها:

أولا: موقعها الجغرافي البعيد من الحدود اللبنانية الإسرائيلية، الأمر الذي من شأنه طمأنة إسرائيل أن الخطر الإيراني بعيد عن حدودها، فبذلك إن لم تستطع طهران الحصول على ضوء أخضر إسرائيلي بإنشاء القاعدة، أقلها تضمن عدم معارضتها للمشروع.

ثانيا: تعتبر الحميدية خارج منطقة النفوذ الروسي في الساحل السوري، والذي يبدأ من قاعدة حميميم في اللاذقية شمالا وينتهي عند القاعدة العسكرية البحرية في طرطوس جنوبا، أي أن إيران ستستفيد من الحماية الجوية الروسية لمنطقة الساحل من دون أن تسبب للروس أي إزعاج في مناطق نفوذهم، وهذا أمر غاية في الأهمية للإيرانيين.

ثالثا: لتستكمل إيران سيطرتها على كامل الشريط الحدودي السوري اللبناني الممتد من جبل الشيخ جنوبا حتى العريضة شمالا مرورا بالزبداني وعسال الورد والقصير في سوريا وما يقابلها في الجانب اللبناني من سهل البقاع كبعلبك والهرمل، حيث يدير حزب الله في هذه المنطقة التي تمتد أراضيها على جانبي الحدود دويلة شبه مستقلة عسكريا وأمنيا واقتصاديا خارج سلطة الدولتين اللبنانية والسورية، وستكون بذلك إيران قد سيطرت أيضا على معبر العريضة الاستراتيجي بين سوريا ولبنان.

رابعا: سكان ناحية الحميدية الواقعة جنوب طرطوس أغلبهم من أبناء الطائفة السنية، أي أن الوجود الإيراني فيها والتغير الديمغرافي الذي سيتبعه لاحقا لن يستفز الطائفة العلوية ذات الغالبية المطلقة في طرطوس. وبالتالي عدم حدوث أي صدامات بين إيران والنظام السوري أو البيئة العلوية مستقبلا، بالإضافة لإهمال الحكومة السورية طيلة عقود لهذه المنطقة ذات الموقع الاستراتيجي يساهم في قبول سكانها الوجود الإيراني خصوصا إذا ترافق مع جلب الاستثمارات وفرص العمل.

خامسا: موقعها الاستراتيجي على الطريق الذي تستخدمه إيران لنقل الشحنات العسكرية والأسلحة لحزب الله من مطار حماه العسكري الذي تهبط فيه يوميا طائرات الشحن العسكرية (اليوشن) الآتية من إيران، ليتم تفريغ الشحنات وإرسالها عبر الطرق الجبلية إلى مصياف حيث يتم تبديل الشاحنات المستخدمة في النقل أكثر من مرة، ليتم بعدها التوجه نحو الحدود السورية اللبنانية في هذه المنطقة، حيث أنشأ فيها حزب الله عدداً كبيراً من الأنفاق التي يتم من خلالها إدخال الشحنات. وأثبت استخدام هذا الطريق نجاحه طيلة السنوات الماضية وتم إدخال أغلب الشحنات بطريقة سلسلة، وبالتالي فإن وجود أكثر من نقطة تمركز إيرانية على طول الطريق يساهم في ضمان استمرارية تدفق السلاح والشحنات لحزب الله بسلاسة.

لكن كيف سيتم المشروع؟ وما موقف الدولة السورية واللبنانية من الأمر؟

لن تواجه إيران أي صعوبة تذكر في تنفيذ هذا المخطط، فهي موجودة في المنطقة سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها السورية واللبنانية. في سوريا، تسرح وتمرح على أراضيها جيوش أكثر من خمس دول لا يمكن لنظامها أن يرفض أي طلب لحليفه الإيراني ذي الفضل الأكبر في بقائه على رأس السلطة إلى اليوم في دمشق، خصوصا أن هذا المشروع سيوفر دخلاً كبيراً للنظام من دون أن يدفع شيئاً من كلفته التأسيسية بل على العكس، سيكون له حصة جيدة من الأرباح يُدفع نصفها للنظام نقدا ويخصم النصف الآخر من الديون المترتبة عليه للدولة الإيرانية. ناهيك أيضا عن نية إيران إقامة عدد من مشاريع الاستثمار في القطاعات الزراعية والسياحية لما تملكه هذه المنطقة من مقومات متعددة لهذا النوع من الاستثمارات التي سيكون للنظام السوري أيضا حصة من أرباحها.

أما لبنان، ففائض القوة الذي يملكه حزب الله اليوم يمكّنه من القيام بهذا المشروع منفردا خارج نطاق الدولة اللبنانية، أو إذا أراد الحزب ألا يحرج حلفاءه داخل الدولة فسيقبل بمشروع توسعة مطار القليعات الذي كان يعرقله على مدى سنوات لكن بشروط تضمن له البقاء مسيطرا على هذا المطار أمنيا وعسكريا. وتبدأ هذه الشروط بالجهة المنفذة لمشروع التوسعة والتي غالبا ما ستكون إحدى أذرع الحرس الثوري للإنشاءات وليس آخرها الجهة التي ستدير القسم المدني من المطار لعقود من الزمن، بالإضافة لإنشاء قاعدة عسكرية للحرس الثوري بجانب المطار تضمن له هيمنة مطلقة طويلة الأمد على المنطقة ككل.

وفي حال نجاح هذه الخطة تكون إيران قد استكملت مشروع ربط طهران بالبحر المتوسط عبر شبكة من الطرق البرية والبحرية والجوية التي تساعدها في ضمان تدفق المال والسلاح والعتاد إلى أذرعها المنتشرة في المنطقة باستمرار. ليس هذا فحسب، بل ستكون طهران قد رسخت سيطرتها على سوريا ولبنان بشكل أكبر وأكثر علنية.

مخطئ من يظن أن إيران ستخرج من المنطقة قريبا، ففي كل خطوة جديدة تخطوها تثبت للعالم أجمع أن وجودها في المنطقة هدف استراتيجي يجب على العالم التعايش معه والتسليم به كأمر واقع. فإذا كانت إيران تراهن على طمأنة الإسرائيليين بابتعادها عن حدود لبنان الجنوبية، وأن الأوروبيين سيهتمون بالاقتصاد أكثر من السياسية وسيسلمون بالأمر الواقع خشية على مصالحهم الاقتصادية، فبما يخص الولايات المتحدة… على ماذا تراهن إيران؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل