بين جبران باسيل وبشير: بعيد الشبه – 1

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1698

بين جبران باسيل وبشير: بعيد الشبه

من يريد أن يتشبه به عليه أن يبدأ حيث انتهى (1)

 

قبل أن يستشهد الشيخ بشير كان هو القدوة والقائد، كان حقا مالئ الدنيا وشاغل الناس. إنطلق بسرعة ضوئية فخطف الأضواء، وحدد معالم الجمهورية التي يريدها على قياس تضحيات “القوات اللبنانية” وشهدائها حتى تكون وطناً للجميع. هذه المعالم يستعيدها كثيرون اليوم لإعطاء مثل عما يجب أن تكون عليه الجمهورية. بعد 37 عامًا على إستشهاد بشير بقي الحلم بهذه الجمهورية حيًا وإن كان تم إغتيال صانعه. ولكن ثمة من يعمل خارج هذه المعادلة. إذا كانت “القوات اللبنانية” برئاسة سمير جعجع إستمرت في حمل مشروع بشير وحلم جمهوريته، فإن هناك من يحاول أن يوحي للناس بأنه يتشبه ببشير، مع أنه لا يحمل مشروع بشير ولا شخصيته ولا ينتمي الى “القوات اللبنانية”، ويشن حروبًا عليها كما يفعل الوزير جبران باسيل، أو كما يحاول أن يفعل بعض المقربين منه.

 

الذكرى التي لم تمت

بقي الشعار الأكثر التصاقا بالوجدان الشعبي المسيحي: “بشير حي فينا”. وهو أفضل ما يعبّر عما يختلج صدور وعقول المسيحيين من حنين إلى زمن بشير الجميل، ذاك وحده الذي ينطبق عليه زمن الإنتصارات. ولأن هذه هي مكانة بشير لدى الرأي العام، حاول البعض إرتداء هذه الصفات علّه يبدو إلى الناس وكأنه بشير، وإن كان لا يستحي في التحالف مع من يمجدون عملية إغتياله ويعتبرونها إنتصارًا، وإن كان أيضًا لا يتوانى عن رجم “القوات اللبنانية” وتاريخها ونضالها وشهادة بشير وشهدائها.

ولأن حلم بشير لم يكن حلم كل من تداولوا السلطة من بعده، حصل ما حصل في العام 1990 في حرب الإلغاء ضد “القوات اللبنانية” حاملة مشروع بشير ومكملة مسيرته. ولمّا استعاد اللبنانيون بعضًا من أنفاسهم في السنوات الأخيرة، استعاد الطامحون المشهدَ السابق، وأعادوا تكرار تجارب أثبتت فشلها في ركوب موجة بشير للوصول إلى ما يحلمون به من مرجان.

ومن الأمثلة الحاضرة على ذلك قول الوزير السابق كريم بقرادوني إن صعود الوزير جبران باسيل أشبه بصعود الشهيد بشير الجميل… كلام بقرادوني لم يكن يتيمًا أو خارج السياق، بل إن باسيل يعمل منذ فترة غير قصيرة على تسويق نفسه كشبيه للرئيس الشهيد، ولذلك طبعًا أسباب وأهداف رمى إليها العديد من السياسيين في ظل حاجتهم لتحقيق اختراق وجدان مسيحي ما زال رافضا لتلك المقارنة أو لقبول أي كان كقائد لهذه المسيرة.

فثورة بشير الجميل و”القوات اللبنانية” كانت ضد السياسة الكلاسيكية المتبعة لناحية التعاطي مع الوقائع كما هي، بدلًا من قلب المعادلات رأسا على عقب. كانت ضد الفساد والزبائنية على حساب الكفاءة، وضد الرياء والكذب على حساب الحقيقة، مهما كانت صعبة. فلماذا بعد كل هذه السنوات يبقى بشير القدوة والمثال؟ ولماذا يعمد السياسيون إلى تسويق أنفسهم على أنهم يشبهونه هو حصرا أو أحيانا سواه ممن لهم مكانتهم في الوجدان الوطني؟

 

لماذا بشير وما الهدف؟

الوزير السابق ملحم الرياشي أجاب عن هذا السؤال ضاحكًا: “ألف عصفور ما بيعملوا نسر”. وبسؤاله عن إضافة، قال: “هذه الفكرة تختصر كل الموضوع”.

الصحافي ورئيس تحرير مجلة الشراع حسن صبرا أجاب بأن على كل سياسي أن يعي أن الرئيس الشهيد بشيرالجميل:

–     رجل شفاف من الناحية المالية لم يكن يهتم لا بالمال ولا بالجاه، بل أن يخدم لبنان بطريقة مثالية. كان صاحب إهتمام وطني وهم وطني.

–     بشير الذي يسجَّل له خطيئة تعامله مع إسرائيل، كان يهدف إلى التخلص من الإحتلالين الإسرائيلي والسوري. وإنتهى بأن أراد أن يحتكم إلى المجموع اللبناني. وقال لمناحيم بيغين في اجتماع نهاريا الشهير إنه لن يفعل شيئا إلا بإرادة المسلمين والمسيحيين.

–     من هنا، فمن يريد التشبه ببشير، عليه أن يبدأ حيث انتهى بشير.

وأضاف صبرا أن “من يحاولون التشبه به هم اليوم في ذروة تحركهم نحو رئاسة الجمهورية. فهل هم على استعداد لأن يكونوا قادة ميليشيا كما بدأ بشير الجميل؟ هل هم على إستعداد لأن يصيبهم ما أصاب الزعامات السياسية؟”. وقال: “الرئيس صائب سلام قال لي مرة: “بشير الجميل فرصة كبيرة ضاعت على لبنان”. وكذلك قالت السيدة علياء الصلح “إن بشير كان يسعى إلى أن يتعرف أكثر عما كان سيفعله والدها لو كان في هذه اللحظة…” ولذلك، على الذين يريدون الزعم أنهم كبشير الجميل أن يفهموا مغزى أن ينفتح بشير الجميل على المسلمين لا أن يهاجمهم. بشير كان لبنانيا بكل معنى الكلمة. أما الذين يحاولون التقليد، فيبدأون حياتهم وربما يختمونها بادعاء الدفاع عن حقوق المسيحيين وليس اللبنانيين، لنستفيق على المحارق والكهرباء… وغير ذلك من شبهات هي أبعد ما تكون عن بشير. وختامًا أقول إن على هؤلاء أن يدركوا من هو حقيقةً بشير الجميل”.

النائب السابق الدكتور فارس سعيد رأى أن غالبية الزعامات السياسية التي أطلت على المسرح السياسي خلال الحرب اللبنانية اعتمدت بشير كنموذج كقائد إستثنائي في الحرب. وإذا كانت هذه الحرب رتبت الكثير من الخسائر، إلا أن بشير أبقى في الذاكرة الجماعية للمسيحيين إنتصارًا هو إخراج أبو عمار ومنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. أي إخراج السلاح غير الشرعي من لبنان، ومطالبة الجميع وخصوصا “القوات اللبنانية” بأن هذا الجهد يجب أن يصب في خانة بناء الدولة في لبنان. وعليه، فمن يريد أن يقترب من بشير عليه أن يقترب من هذا النموذج أي باتجاه بناء الدولة. لا معنى لأي انتصار وأي إستقلال وحتى أي توازن إسلامي مسيحي إذا لم يكن يصب في بناء الدولة.

واعتبر سعيد أن ما يحصل اليوم هو العكس أي الإستقواء بالسلاح غير الشرعي لتأمين مكاسب خاصة أو جماعية على حساب بناء الدولة. وهذا يتناقض تماما مع النموذج الذي أرساه بشير الجميل. أي التضحية من أجل بناء الدولة اللبنانية المحررة من كل قيود. حتى الإسرائيلي الذي كان حليف بشير الجميل لإخراج أبو عمار من بيروت، قرر بشير وفق ترتيب سياسي كان يعمل له إخراج الإسرائيليين من بيروت. اليوم من يدّعي الشبه ببشير عليه أولا أن يعتمد هذا النموذج. فبعض ما يتم الإدعاء به كشبه مع الشيخ بشير، هو السعي لأن يكون المسيحيون أقوياء. وهذا في الواقع يستهدف ضرب إتفاق الطائف تحت ستار إستعادة الدور المسيحي. وربما تكون الدعاية العونية قد تمكنت من إقناع بعض المسيحيين بأنه علينا التحالف مع السلاح غير الشرعي بهدف التعويض عن الخسائر باستعادة هذه الحقوق المقتصرة اليوم على تعيين ناطور هنا أو مباراة في مجلس الخدمة هناك، أو غير ذلك من هذا القبيل، علما أن إتفاق الطائف كلّف تضحيات كبيرة بغطاء من “القوات اللبنانية” ومثلث الرحمات البطريرك مار نصرالله صفير.

وخلص الدكتور سعيد إلى أن ما قامت به الدعاية العونية لا يشبه بشير بشيء، هو كل شيء إلا بشير. بشير دخل على الأولويات الدولية والإقليمية في لحظة سياسية معينة، هو استُقبِل في الطائف من قبل القيادة السعودية في صيف 1982. ولا مرة بشير الجميل ذهب باتجاه مواجهة العرب، حتى عندما كان متحالفًا مع الإسرائيليين. كان لبشير غطاء عربي لمسيرته في حين أن ما يذهب إليه العونيون اليوم هو تحالف الأقليات في المنطقة بمواجهة الأكثرية السنيّة. فكيف يصح التشبه ببشير؟

الأستاذ أنطوان نجم لفت إلى أن هذا الأمر لا يلزمه تحليل وتمحيص. واعتبر أن هذا السعي هو بهدف إستقطاب الرأي العام نظرًا لما للشيخ بشير الجميل من مكانة سامية في اللاوعي الجماعي لدى اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصًا. وشدد نجم على أن بشير عمل لقناعات فأيده الناس، ولم يفعل ذلك بهدف أن يكسب تأييدهم.

واستنادا إلى قربه منه، أورد نجم أن الشيخ بشير لم يكن مدعي معرفة بل لم يكن يتردد في أن يسأل عن أي أمر يجهله ويطلب المشورة فيه ويعمل بها، وهنا سر نجاحه. واستنادا إلى هذا السلوك نجد أن بشير الـ82 هو غير بشير الـ75 بفضل ما أتاح لنفسه اكتسابه خلال تلك السنوات.

وردا عن سؤال حول أين نحن اليوم من بشير القائد وبشير المشروع؟ قال: “بحسب تجربتي ومرافقتي لكل من بشير الجميل وسمير جعجع وغيرهما طبعا، سمير جعجع هو أقرب إلى بشير في جوهره، وهو أعمق منه في أمور أخرى”.

كذلك رأى رئيس تحرير جريدة النهار نبيل بو منصف أنه منذ انتخاب الرئيس عون رئيسًا للجمهورية حتى اليوم هناك نفس عند التيار الوطني الحر في مسألة إستعادة الدور المسيحي بقوة. ليسوا وحدهم طبعاً لكن ربما لأنهم في السلطة يظهر ذلك أكثر. أصلا عندما انتخب الرّئيس عون على مبدأ الرئيس القوي بدأت تطفو إيحاءات وتجربة بشير الجميل على المشهد السياسي في لبنان، ولا سيّما على الوسط المسيحي. الجديد في الأمر أن هذه الظاهرة بدأت تتوسع أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة. ليس فقط بالممارسات والعناوين والشعارات التي تُطرح ولكن أيضاً على المستوى الشّخصي. يعني عم يطلع ناس من التيار الوطني الحر يقارنوا بشكل حصري وشخصي بين الرئيس الراحل بشير الجميل وجبران باسيل لكي يعطوا دفعا للمعركة الرئاسية المفتوحة عمليا، وليكون الوزير باسيل وريثا بالرئاسة للرئيس عون على خطى بشير الجميل. يُطرح هذا الكلام كشعارات لتسجيل المعركة وكأنها إستمرار من جهة لوراثة الرئيس عون ولإضفاء طابع إستعادة “القوة المسيحية” على المعركة. وهذا أمر برأيي سلبي جدا لأن لا الظروف نفسها ولا الأشخاص يشبهون بعضهم البعض، ولا إمكانية لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء كي نستعيد القوة المارونية في ذاك الزمن بالقوة المارونية في الزمن الحالي. لا أقول إن الموارنة ضعفوا، لكن منذ استشهاد بشير حتى اليوم هناك تغييرات جذرية حصلت في السياسة اللبنانية، لذلك عليهم أن يُقلعوا عن هذه المقارنة الهزلية لأنها لا تليق بأحد.

واعتبر بو منصف أن من “يضطر لانتحال صفة غيره ليفوز بالسباق إلى الرئاسة لا يجوز أصلا أن يكون رئيسا. فمن يريد أن يفتح معركة فليفتحها واضحة وعندها يؤيده الناس على صفاته لا على صفات لا يملكها. إطرحوه باستراتيجيته وموضوعه لا بالمقارنة مع أحد، ما يستدرج توترات سياسية مع الآخرين وهي مسيئة لصاحبها قبل كل شيء. وإذا كان من يرى في باسيل بشيرا آخر غير مقتنع بذلك فتلك مصيبة، وإذا كان مقتنعا فالمصيبة أكبر، وهذا يعني أن لا استراتيجية خاصة به”.

وختم: “بشير الجميل ما حدا بيشبهو إبنو ما بيشبهو إبني ما بيشبهني، ما حدا متل حدا بهالدني. فلماذا هذه الإسقاطات بهذا الشكل؟”

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل