
.jpg)

كتب نعمة الله قاعي في “المسيرة” – العدد 1698
بعد إنتخاب قائد “القوات اللبنانية” الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية ساد البلاد جو من الخوف والذعر في الأوساط الإسلامية في بيروت والجبل. وبدت فكرة إجتياح المنطقة الغربية تتفاعل في الشارع البيروتي في غربي العاصمة، وكان ما تبقى من فلول الفلسطينيين قد احتمى بالجيش السوري المنتشر في تلك الأثناء في بيروت الغربية ومحيطها. كانت أجواء الفلسطينيين والسوريين الإستعداد للتصدي لأي تقدم إسرائيلي باتجاه العاصمة بعد أن أصبحت مطوّقة من جميع الجهات واحتمال مشاركة “القوات” في هذه المعركة.
وصل الشيخ بشير الجميل الى سدّة الرئاسة وقد أقسم على حماية الجمهورية اللبنانية وأراضيها وسيادتها، حتى قبل أن يُقسم اليمين رسميًا. وتحت شعار طمأنة الشارع المسلم عمومًا والسنّي خصوصًا عن طريق إبعاد الخطر الإسرائيلي عن العاصمة، قرر الإتصال بقادة الأحزاب الإسلامية لإجراء حوار معها، خصوصا مع الأميرين مجيد وفيصل إرسلان وسنّة بيروت، في محاولة لنزع فتيل الحرب إذا ما ابتعد الشارع الإسلامي عن التعاون مع منظمة التحرير والجيش السوري.
في ظل هذه الأجواء، ومن باب اللقاء مع قائدنا ورئيس جمهوريتنا قبل تسلمه مهامه، دعانا طوني بريدي (TOTO)، وكان قائدًا لسلاح المدفعية، الى العشاء في منزله الصيفي في بعبدات، كما دعا الشيخ بشير الجميل. إقتصرت الدعوة على أركان “القوات”، وذلك قبيل لقاء الشيخ بشير بدولة الرئيس صائب سلام.
لبّينا الدعوة وانحصر اللقاء بالرفاق التالية أسماؤهم: فؤاد أبو ناضر، فادي فرام وزوجته، إيلي حبيقة وزوجته، الياس الزايك، نعمة الله القاعي (نانو) وزوجته، عباس، أسعد سعيد وزوجته، مسعود الأشقر والرائد سامي الشدياق.
وصلنا الى بعبدات وكان طوني بريدي بانتظارنا، وبعد قليل وصل الشيخ بشير الذي طلب منا وحدنا الجلوس على الشرفة وبدأ كلامه قائلاً: “إن الوضع متفجر وأخاف أن نصل الى معركة طاحنة في بيروت الغربية إذا ما أصرّ السوريون ومعهم الفلسطينيون على المواجهة، مما سيضطر القوات الإسرائيلية الى الدخول عنوة الى العاصمة على أنقاض البنى التحتية. أما على صعيد البيت الداخلي، فإني أطلب من فادي فرام تسلّم قيادة “القوات اللبنانية” ورعايتها لأنني سأكون منشغلاً في إدارة شؤون البلاد وقمع الفساد في أجهزة الدولة. كما وأطلب منكم جميعًا أن تعملوا يدًا واحدة لمساعدة فادي على إدارة شؤون “القوات اللبنانية” التي سيكون مصيرها الإنخراط في الدولة. فـ”العسكر” سوف نجد له طريقة لدمج من يريد مع الجيش اللبناني، وإني أُعِدُّ لجنة من كبار الضباط لمناقشة الرتب والتسلسلل العسكري معكم من أجل إدخالكم الى الجيش اللبناني مع كامل حقوقكم. أرجو أن تكونوا قدوة يُحتذى بها داخل الجيش من خلال مناقبيتكم وحسن أخلاقكم وقيادتكم الحكيمة. باختصار أريده جيشًا قويًا على صورة “القوات اللبنانية” وأهدافها الاستراتيجية قادرا على حماية لبنان بكل أبنائه وطوائفه وأراضيه، جيشًا لكل لبنان. فجهزوا أنفسكم، مهمات صعبة بانتظاركم وسيكون لبنان بشعبه المسلم والمسيحي يدًا واحدة في وجه كل من يجرؤ على التطاول عليه”.
هنا سألناه: وهل سنلاقي ترحيبًا من قبل ضباط وعناصر الجيش الحاليين؟ وهل سيتقبّلون فكرة إندماجنا معهم؟ أجاب: “في الواقع، ليس هناك فرق كبير بين عقيدة الجيش الحالية وعقيدتنا القواتية سوى ممن سيتلقى الجيش أوامره. فلو أبعدنا عنه النفوذ السوري والفلسطيني الغريبين، لوجدنا أنفسنا في خندق واحد. يجب أن نعرف من هو عدونا الحقيقي، وعندها تصبح فكرة الإنصهار سلسة”. قال هذا ونظر الى الرائد سامي الشدياق قائلاً: “ومن سنعيّن قائدًا للجيش؟”، أجاب الشدياق: “هناك عدة أسماء مطروحة أبرزها إسمان: الكولونيل ميشال عون والكولونيل إبراهيم طنوس”. فسأله بشير: “ومن تُراه مناسبًا أكثر لهذه المرحلة، ومن يمكنه أن يخدم القضية أكثر”، فأجابه الشدياق فورًا: “إبراهيم طنوس”.
بعد هذا الحديث طلب منا الإهتمام بشؤون “القوات” والبقاء الى جانب شبابنا، كما طلب المحافظة على الإنضباطية في صفوفنا والحرص على تنفيذ الأوامر حرفيًا وضبط تصرفات شبابنا وتحسين العلاقة مع مجتمعنا المدني المسيحي. فنحن سياج الوطن.
في اليوم التالي، في 11 أيلول 1982، عقد إجتماع بينه وبين الرئيس صائب سلام وكانت النتيجة جيدة، حيث عرض صائب بك هواجسه وهواجس الشارع السنّي والإسلامي عمومًا تجاه الإجتياح الإسرائيلي، فقال له بشير مطمئناً: “كلنا لبنانيون وما يصيبكم يصيبنا. لن نقبل أن تتعرض بيروت الغربية للإجتياح ولا للقصف، على أن نرفع الغطاء عن الفلسطيني والسوري، أي عن الغرباء، وأن نعترف بلبنان أولاً، وأن نحب جيشنا ونعمل على صونه من كل غدر ومؤامرة. فإذا كنتم مستعدون لذلك، فأنا أضمن لك بأنني سأعمل بقوة لإقناع الجيش الإسرائيلي بأن نُحيّد بيروت الغربية عن كل خطر، وأن نخرج المسلحين الفلسطينيين والجيش السوري نهائيًا منها، وهذا ما حصل فيما بعد. فقد انسحب الجيش السوري من بيروت بكل عديده وعتاده، وخرجت منظمة التحرير الفلسطينية مع المسلحين عن طريق مرفأ بيروت.
ولكن، يا للأسف، الأحلام الجيدة لا تتحقق دائمًا. فبعد أيام قليلة تم إغتيال الرئيس بشير الجميلوذهب الحلم بإنشاء دولة موحدة قوية. ولولا بروز بشير آخر حمل صليب المقاومة، وشباب أعادوا إحياء الحلم وعملوا على تحقيقه، لكانت القضية قد دُفنت الى الأبد. فبعد استشهاد بشير الجميل ولد مئة ألف بشير. ولذلك ستبقى القضية حية والمسيرة مستمرة لأن “بشير حي فينا”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]