“USS Ramage”… رسالة أميركية بحبر عسكري

بين رمال السعودية الحاضنة للذهب الأسود المشتعل بالصواريخ الإيرانية، وبين بحر بيروت ومينائها مرسى الأمان للمدمرة الأميركية “USS Ramage”، تحرك المشهد السياسي خلال الأيام الماضية على ألف سؤال وسؤال ورسالة، حملت مضامين ومعاني كثيرة.

تؤكد مصادر سياسية واسعة الاطلاع في واشنطن لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يتجه من وتيرة إلى أعلى في خط بياني ثابت، أساسه العقوبات والحصار المالي. لكن المعطى الجديد المتمثل بتهديد أمن الطاقة العالمي، يدفع بالمواجهة إلى مرحلة جديدة من دون شك”.

وتلفت إلى أنه “بعدما كان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو حمَّل إيران المسؤولية عن الهجوم الذي استهدف منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو شرق السعودية، في منطقتي بقيق حيث أكبر معمل لتكرير النفط الخام في العالم، وخريص حيث ثاني أكبر حقل نفطي في العالم، والذي أدى إلى خفض إنتاج السعودية من النفط إلى النصف تقريبا أي ما يوازي 5.7 مليون برميل نفط يومياً، لم يتأخر الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الاعلان عن أن بلاده على (أهبة الاستعداد للرد) على الهجوم. وأصرّ ترمب على نفي الأنباء الكاذبة التي تقول إنه على استعداد للاجتماع مع إيران من دون شروط. (هذا غير صحيح كالمعتاد!)، كما غرّد مساء الأحد.

وتشير المصادر إلى “الرسالة السياسية المطعّمة بنكهة عسكرية، أو المكتوبة بحبر عسكري إذا صح التعبير، التي أرسلتها واشنطن إلى إيران وحزب الله، في لبنان بالتحديد. إذ إنه بالتزامن، كانت المدمّرة الأميركية (يو أس أس راماج) القادرة على اعتراض صواريخ باليستية تنهي، الأحد الماضي، يوماً غير مسبوق في مياه بيروت الدافئة وفي أحضان مينائها الخاضع لسيطرة حزب الله، بحسب الانطباع السائد”.

وتلفت إلى إعلان السفارة الأميركية أن المدمرة رست في مرفأ بيروت على هامش مشاركتها في الجهود المبذولة لضمان حرية الملاحة والتبادل الحرّ في البحر المتوسط. فيما كان قائد الأسطول الخامس في الجيش الأميركي الأدميرال جيمس مالوي يعلن خلال حفل الاستقبال الذي اقيم على متنها، أنها شهدت مناورة بحرية مع الجيش اللبناني العام الماضي بهدف تأمين التجارة البحرية وحماية البنى التحتية.

وترى أن “بيان السفارة الأميركية لم يترك أي مجال للتكهن حول المغزى من هذه الزيارة العسكرية الأميركية البحرية، بل كشفت السفيرة الأميركية اليزابيت ريتشارد بشكل واضح أنها رسالة سياسية تؤكد التزام الولايات المتحدة بأن تكون شريكا قويا للجيش اللبناني، ووجود المدمّرة يؤكد العمق الذي بلغته العلاقة، مضيفة أنه بالنسبة إلى ملف المشتقات النفطية، الذي يخص أكثر من دولة في المنطقة والذي نأمل أن ينضم إليه لبنان قريبا، فإن الأمن البحري سيصبح أكثر أهمية. علماً أن سفينة كهذه لم تأت الى لبنان منذ 36 عاماً، بحسب مسؤولة العلاقات الاعلامية في السفارة”.

وتعرب المصادر ذاتها عن اعتقادها أنه “بالإضافة إلى تأكيد الدعم الواضح للجيش اللبناني وقيادته الذي قصدته الرسالة الأميركية والرهان عليه كمؤسسة موثوقة يبنى عليها للمستقبل لبسط سيادة الدولة على أراضيها كافة، فإن الرسالة الأميركية كانت أشد وضوحاً، لمن يحسن القراءة، باتجاه طهران وحزب الله، على ضوء ما يعلنه الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله عن امتلاكه لصواريخ دقيقة، وما يحكى عن تسليم إيران عددا من هذه الصواريخ للحزب أو مساعدته على تصنيعها أو تطوير الصواريخ التي يمتلكها في لبنان. وذلك نظراً لكون الوظيفة الأساسية لمدمرّة (يو أس أس راماج) كصائدة للصواريخ الدقيقة، لا تدع مجالاً للتخمين”.

وتخشى من أن “المنطقة، وربما العالم معها، تتجه إلى منقلبات جذرية على ضوء هذه التطورات، باعتبار ما يشكله النفط من مادة حيوية شديدة الاشتعال، وأي خطأ في التعاطي معها قد يجرّ إلى ما لا يمكن التوقع بنتائجه. فوتيرة التحرشات الإيرانية بالولايات المتحدة والدول العربية وتهديد مصالحها في المنطقة تتوالى، سواء لاجبار واشنطن على الدخول في مسار تفاوضي معها يخرجها من حالة العزلة الدولية، أو لجرّ المنطقة إلى فوضى عارمة تجبر العالم أيضاً على إعادة التواصل معها”.

وترى المصادر أنه “لا يمكن للولايات المتحدة ألا تتصرف إزاء هذا التهديد الإيراني لمنابع النفط وطرق تصديره. والاستفزازات الإيرانية التي بدأت بالتعرض لناقلات النفط واستهداف أنابيب البترول السعودية في الفترة السابقة، وصولاً إلى إعلان حزب الله عن اسقاط الخطوط الحمر والتهديد بإشعال المنطقة إذا ما هوجمت إيران، واستهداف منشأتي آرامكو الأخير، وتهديد إيران عبر الحوثيين في اليمن بوقف الانتاج السعودي من النفط، ستجبر واشنطن في مرحلة معينة على التدخل بطريقة مختلفة. بالاضافة إلى أن موسكو والدول الصناعية الكبرى لا يمكن أن تبقى متفرجة إزاء هذا التطور، ما سيدفع الجميع للتعامل معه لإيجاد إما تسوية شاملة أو إزالة مسبباته عبر وسائل عنفية”.

التصعيد الإيراني يعبّر، بحسب المصادر “عن مدى اختناق إيران من العقوبات عليها وعلى أذرعها، وفي مقدمتهم حزب الله، فتلجأ إلى المشاغبة على واشنطن في محاولة لتسريع الجلوس إلى طاولة المفاوضات معها للخروج من وضعها المأزوم. لكن واشنطن تبدو في المقابل غير مستعجلة، طالما أن إيران لم تسلّم بشروطها في ما يتعلق بالاتفاق النووي ووقف دعم الجماعات الارهابية والتدخل في دول المنطقة والعالم وزعزعة أمنها. وطالما أن الوضع الايراني يستمر في التآكل والتراجع من دون إطلاق رصاصة واحدة”.

وتلفت إلى أن “واشنطن تكتفي، حتى إشعار آخر، بتثبيت الموقف الأميركي المؤكد على ألا تراجع عن سياسة العقوبات وتصعيدها تجاه إيران وحزب الله، وتوسعها تجاه الأشخاص والمؤسسات والمصارف من حلفائهما والمتعاونين لتغطية أنشطتهما المالية وتقديم المساعدة للتحايل على العقوبات، من غير البيئة الشيعية. لكنها لا تترك مجالاً للشك أنها مستعدة للذهاب إلى أبعد في المواجهة وتلقين طهران درساً، إذا ما خرجت عن الحدود التي ترسمها واشنطن للعبة. ومما لا شك فيه أن اللعب الإيراني باستقرار الذهب الأسود يشكل سبباً موضوعياً لدفع واشنطن، وغيرها من الدول الصناعية الكبرى، إلى خطوات من طبيعة مختلفة”.

لا تنفي المصادر السياسية الواسعة الاطلاع في العاصمة الأميركية لموقعنا، أن “واشنطن ترحب بأي تسوية مع إيران تحقق مصالحها وشروطها، وتجنّبها وتجنّب المنطقة الدخول في تصعيد كبير. لكن تشديد خناق العقوبات على طهران وحزب الله وتصعيد الموقف الأميركي تجاهها، يؤشر إلى أن رهانات طهران على قبض ثمن وقف تحرشاتها والتوقف عن توتير الساحات الإقليمية كما درجت عليه، لا يجدي نفعاً مع الإدارة الأميركية الحالية”.

وتعتبر أن “واشنطن تبدو مع ترمب وكأنها تحاول استلحاق الأخطاء التي ارتكبتها الإدارات الأميركية السابقة في التعاطي مع مشاكل المنطقة، والتراخي أو التساهل مع بعض الأنظمة التوسعية المتطرفة، عبر تلزيمها بعض الملفات المحلية على الأرض والاكتفاء بالصفقات الكبرى من فوق، بغض النظر عن نتائج هذه السياسة على شعوب المنطقة وأوطانها نظراً لما قاسته من قمع وإرهاب على يد هذه الأنظمة”.

وإذ تؤكد أن “لبنان لن يكون خاضعاً للهيمنة الإيرانية”، تشير إلى أن “إعلان مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر، خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، بشكل مباشر وواضح وصريح وبلغة وكلمات منتقاة بدقة وعناية، أن الولايات المتحدة أخطأت في الماضي في حساباتها مع لبنان حين سلّمته إلى سوريا بعد اتفاق الطائف، وأن الوضع في لبنان لن يكون مماثلاً لما حصل عام 1991 عندما أخطأنا، وتأكيده أن لبنان بلد مهم بالنسبة إلينا، لن يكون الأخير في هذا السياق”.

وتشدد المصادر ذاتها، على أن “واشنطن لن تقبل باستمرار وضعية حزب الله على ما هي عليه، أو تمكينه من السيطرة النهائية على قرار الحكومة اللبنانية الاستراتيجي”. وتكشف عن أن “العقوبات ستطاول خلال فترة قريبة شخصيات ومؤسسات جديدة متعاونة وحليفة لحزب الله، وأن بعض الأسماء ستفاجئ البعض ممّن كانوا يراهنون على عدم تجرؤ ترمب على الذهاب بعيداً في العقوبات خشية انعكاسها على لبنان عموماً.

وتلفت إلى أن “الإدارة الأميركية قد لا تكون تسعى إلى حرب في المنطقة، ولعلها ترحب بعودة طهران إلى لعب دورها كدولة طبيعية تحت سقف القوانين الدولية. لكن حان الوقت أن يدرك الجميع أن ترمب رئيس مختلف عن أسلافه، وأنه لا يمشي بمنطق الابتزاز الذي استُخدم مع الإدارات السابقة، بل يرى أن التساهل أمام هذا الابتزاز هو ما دفع إيران وحزب الله إلى التمكن أكثر في المنطقة وفي لبنان وممارسة مختلف أنشطتهما الارهابية، كما تعلن واشنطن”. وتؤكد أن “ترمب مصرّ على وضع حد لهذا السلوك الإيراني ولحزب الله، لما يشكله من خطر على المصالح الأميركية بالدرجة الأولى، ويهدد أمن المنطقة والعالم، بالاضافة إلى خطته للسلام في المنطقة وحماية أمن إسرائيل”.

وتأمل أن “يعي كل المعنيين، من المسؤولين الرسميين وغير الرسميين، هذه الوقائع الجديدة، وأن يقوم كل مسؤول بمسؤولياته، والاقلاع عن تراخي الدولة في التعاطي مع مسألة سيادتها، لتجنيب لبنان وتحييده والنأي بنفسه عن صراعات المنطقة، والالتفات إلى معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية الخطيرة التي يرزح تحتها”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل