كيانية “الفقيه” أم كيانية الأرز؟

من أجمل ما كتب المفكر اللبناني “شارل مالك” عن الحرية الشخصية الكيانية اللبنانية في مقال تحت عنوان “الكثير المطلوب” ضمن أجزاء تسعة، إذ توجه فيه إلى المسيحيين بشكل عام، وخص الموارنة منهم، لما لهم من دور في تثبيت قيمة الحرية في مجتمع تعددي كلبنان في صلب الكيانية اللبنانية. لكن ما يلفت أي باحث أو قارئ في فكر هذا الفيلسوف، أنه لم يكن يومًا مسيحيا متعصبًا، بل انطلق من مسيحيته ليسبر أغوار الآخر المختلف الذي يكون معه لبنان الوطن، بتعدديته وغناه الحضاري.

إلا أن الواقع اليوم بات مختلفًا جدا عما كان في زمن مالك، لم تكن أي مجموعة حضارية ترتبط ارتباطًا أيديولوجيا مع أي فكر من خارج الكيانية اللبنانية. مع العلم أن الارتباط الذي أظهرته المجموعة الحضارية السنية لم يكن يومًا ارتباطًا أيديولوجيا، إنما كان من منطلق عقائدي ديني صرف من دون أن يحاول تأسيس كيانية جديدة على قياسه. يبقى اليوم أن المكون الشيعي بعد الخطاب الأخير للأمين العام لحزب الله حسن نصرالله قد أعلن خروجه على الملء من صلب الكيانية اللبنانية. وهنا تكمن خطورة توجهات هذا المكون الحضاري.

ربط نصرالله المجموعة الحضارية الشيعية ربطًا أيديولوجيا بالشيعية الفارسية التي لا تمت إلى الشيعة الذين كانوا مكونًا أساسيا من الكيانية اللبنانية، مع أئمة انطلقوا من لبنان إلى العالم أمثال الإمام المغيب السيد موسى الصدر، والشيخ محمد مهدي شمس الدين. لقد أعلنها نصرالله في الماضي وعاد ليذكر اليوم بارتباطه بولاية الفقيه الذي يعتبر نفسه جنديا صغيرًا في جيشه، ويأتمر بحسب التكليف الشرعي الذي يصدر حتى في المجال السياسي. ما يعني أن الخامنئي الموجود في إيران هو من يقرر مصير لبنان. ولا نخفي سرا في ذلك إذا قلنا إن حزب الله بقوة سلاحه غير الشرعي، هو الذي يتحكم بمفاصل القرار الاستراتيجي في لبنان. هو وحده من يقرر الحرب، وهو وحده سيوقع السلام.

وفي هذا الربط الايديولوجي ضرب واضح لمفهوم الحرية التي فطر عليها اللبنانيون جميعهم. وهي علة وجودهم وعلة وجود لبنان. فالحرية والمكون المسيحي توأمان لا ينفصلان. وما حاول المفكر شارل مالك أن يثبته في صلب الكيانية اللبنانية هو “أن يتمكن المسلمون أن يقولوا إنهم أحرار تمامًا في بلد حر، غيرهم فيه أيضًا أحرار، إن هذا اعتزاز من أشرف ما يمكن أن يتباهوا به لو كانوا يدركون”. ففي قوله هذا أداة التمني “لو” لكأنه كان يدرك “أبريوريا”، كما يقول في كتابه الفلسفي “المقدمة” ـ بارتباط ما سيحمل قسمًا كبيرًا من اللبنانيين إلى خارج الكيانية اللبنانية التي أرسى قواعدها وثبتها في صلب مفهومه للوطن.

ندعو اليوم كل مواطن لبناني حر يفتخر بحريته ولا يرهن كيانه لأي كيان لا يؤمن به، ندعوه إلى ثورة فكرية قوامها الأساسي الحرية الشخصية الكيانية. هذه الحرية التي من غير المسموح أن يسلبها أحد من أي إنسان، مهما كانت الذريعة، وحتى لو كانت أيديولوجية دينية؛ وذلك لأن الانسان متى سُلِبَت منه هذه الحرية فقد إنسانيته بالكامل. والأحرار لا يرضون إلا العيش مع الأحرار أمثالهم.

دعوتنا صريحة وواضحة، لا مواربة فيها. كل لبناني مفطور على قيمة الحرية، مدعو لأن ينتفض بوجه كل من يقوض حريته. من غير المسموح اليوم في الألفية الثالثة، وبعد التقدم العلمي والفكري والحضاري الذي حققته البشرية، أن نصادف أشخاصًا بشريين يتخلون عن حريتهم طوعًا. في هذه المسألة قمة الانزلاق إلى “تشييئ” البشر ومساواتهم بمن هم “غير بشر”. فهل سينجح هذا النهج في هذا العهد بتغيير الكيانية اللبنانية؟ أم أن المقاومة الفكرية ستنجح في صده كما صدت المقاومة المسلحة في زمن الحرب، من كان يحاول تغيير الهوية اللبنانية؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل