الى دير جديد…

كتبت “المسيرة” – العدد 1698

بول عنداري – (14 أيلول 1995: دير القطارة)

 

خمسة عشر سنة مرّت…

وها أنذا اليوم أعود

إلى هذا الدير.

كل شيء مقفل، ساكن، صامت…

كانوا هنا…

لم تكن تتسع لهم المطارح

بحيويتهم وقوتهم وثورتهم

بآلامهم وآمالهم…

هل حقاً كانوا هنا؟

هل حقاً ليسوا هنا اليوم؟

غيوم أيلول تحضّر لشتاء جديد

وهم…؟

مرَّ ربيعهم وصيفهم

وها هم اليوم

أوراق صفراء

بدون شجرة

تناثرت هنا وهناك قرب إيليج وعلى تلال بحمدون.

أوراق تحت التراب:

مسعود الحويك، هاني رحمة، طوني الزغير ( طوني رحمة)، سهيل منسى…

وغيرها الكثير

يلفّها صقيع الأرض ودفء الحياة.

أوراق فوق التراب

يلفنا دفء أسرتنا وعدمنا وموتنا.

أوراق في البلاد البعيدة

وأوراق بين جدران السجون

وجدران الهمّ والعمر والكبر…

الشمس تطل كالذكرى بين الغيوم

ترتسم عليها وجوههم

وصوت الهواء بين شجر الأرز والصنوبر

إختلط بصوت الوروار وأصواتهم…

طيور أيلول ترحل نحو الجنوب

وأوراق الشجر تتساقط

وهم…؟

هل رحلوا وتساقطوا؟

أدور حول الدير

أدور حول ذاتي…

أتشجع وأقترب.

من خلال النافذة

أتطلع داخل غرفة خارجية

ألواح وخزائن وأسرّة

منها الذي نمت عليه يوماً

وعلى الحائط صورته

بلباسه العسكري وشعره المبعثر

ونظارتيه السوداويتين…

وبندقيته…

على الحائط صورة بشير الجميل

منسية هنا

ليرتفع في الساحات والطرقات

صورة من قتله.

أفتح الباب الرئيسي وأدخل

تستقبلني بعض الفراشات

والكثير من العنكبوت

وممشى طويل

إصطفّ الفراغ

غرفاً على جانبيه

وسكون تام

يعكِّره صرير أبواب يتلاعب بها الهواء

سكون تام

يعكره صراخهم في السجون الشرعية

وصوت الجنازير

تسحق عمرهم وشهادتهم

تسحق حريتهم وكرامتهم… وحياتهم.

أدخل كنيسة الدير

تلفّني برودة  سرّية

وسنوات ركوع وصلاة.

اتجه نحو مكتبه

على الأرض القيت صورته

ممزّقة

لم يبق منها سوى كتف وأذن

وجزء من الرأس والجبين

بدون عينين… وبدون جسم

ما تتسع له زنزانة

على الأرض ما تبقى…

من صورة سمير جعجع.

بقيت على حائط الممشى

صورة مار شربل

بوجهه المنير

وعينيه الناظرتين إلى الأعماق.

في غرفة كبيرة فارغة

خَرَجَت صفَّارة من أعماقي

امتزج صداها بصوت الهواء

المصفِّر عبر السنين

على الزجاج المُتَكَسِّر:

“وينن…

وين وجوهن

وين صواتن

وينن؟؟”…

لم أعد أعرف أن كنت أرغب

البقاء العمر كله هنا

أم الرحيل بسرعة

وفي كلتا الحالتين

إنها ذاتي الباقية والراحلة.

أقفلت الباب راحلاً

سألني ناطور يسكن في الجوار:

هل تسجِّل تصليح الكهرباء؟؟!!…

وتركت الدير

محاولاً إصلاح ذاتي المبعثرة

كي أستطيع إكمال المسيرة نحوك يا حياتي.

همسات صوتك،

ما غابت لحظة عن قلبي.

وجمال وجهك،

ما أنحسر يوماً عن روحي.

وها هي اليوم أصابعك

تحرق

ليس يدنا فحسب

بل قلبنا وروحنا

وتشعلنا نار حق وحياة

لنحمل صليبنا بفرح

ونسير بشجاعة

على طريق الشهادة والقداسة…

في السنة المقبلة

ستعود الغيوم بغير أشكال

والطيور إلى غير مطارح

والأوراق إلى غير أغصان

ومن أعماق صقيع الأرض والألم

سيعودوا…

إلى غير مكان…

إلى دير جديد……………..

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل