إيران وهجوم أرامكو… عنكبوت وقع في شباك ضحيّته

على الرغم من كثافة التحاليل السياسية والتقارير الدبلوماسية والتصاريح الصاخبة وكثرة التوقعات والتنبؤات بما يمكن ان يكون عليه الرد على هجوم أرامكو، تبقى ملاحظات اساسية واجبة الاستخلاص مما حصل وقد يحصل.

اولا: الضربة التي تعرضت لها ارامكو أُريدَ لها ان تكون قاسية على المملكة العربية السعودية، فاذا بها تتحول الى ضربة موجعة للمجتمع الدولي ولا سيما القوى الكبرى، امثال الصين والاوروبيين وبريطانيا وروسيا وسواهم، وقد نجحت القيادة السعودية سياسيا في “تجيير” الخسارة المفترضة على المجتمع الدولي لتحميله مسؤولية نتائج الاعتداء وحثه على الدفاع عن حاجاته الحيوية من النفط.

ثانيا: ارتفاع سعر برميل النفط بسبب توقف نصف الانتاج العالمي لساعات لم يكن الا ليخدم مصلحة المملكة المنتجة والمستفيدة الاساسية من الاسعار المرتفعة.

ثالثا: ثبت الى الان وبالدلائل التكنولوجية العسكرية ان الصواريخ او المسيرات التي أطلقت على حقلي ارامكو في المملكة لا يمكن ان تكون منطلقة من اليمن اقله نظرا للمسافة الكبيرة الفاصلة بين شمال اليمن والحقل المستهدف الذي يجاور الحدود مع مملكة البحرين شمال شرق المملكة. وبالتالي، بقي امام المحققين احتمالين: العراق او إيران. وذكرت أحدث التقارير ان الاهواز في إيران قد تكون هي المنطقة التي استخدمت قاعدة لانطلاق تلك المسيرات.

لكن الموضوع وعلى أهميته، ليس في تحديد مكان انطلاق المسيرات الهجومية بل المهم ما رافق الحدث من مواقف ايرانية متزبزبة ومرتبكة: ففي حين هلّل حلفاء إيران في المنطقة من على شاشات التلفزيونات المقربة من المحور الممانع بالضربة، ناسبين اياها من باب الرد الايراني على منع العقوبات والحصار الاميركي الدولي من تصدير طهران لنفطها وقوة طهران في مواجهة واشنطن والتحالف الدولي المعادي لها، سارعت إيران نفسها منذ اللحظة الاولى وعلى لسان وزير خارجيتها ثم رئيس جمهوريتها، الى نفي مسؤوليتها عن هذا الهجوم.

وفي وقت أكد الحوثيين في اول تعليق لهم على الا علاقة لهم بالهجوم، سرعان ما عادوا في بيان ثالث وتأكيدات لاحقة، ونسبوا لأنفسهم إطلاق تلك المسيرات من اراضي اليمن التي يسيطرون عليها. وقد وقع الاعلام الممانع من بيروت حتى بغداد في هذا الارتباك، لتنتهي الخلاصات بان من نفذ الضربة “كائنات فضائية”.

رابعا: هجوم أرامكو، يبدو يوما بعد يوم وعلى مدار الساعات وتطوراتها، بأنه فخ نصب لطهران نفسها، اذ ماذا لو كانت طهران تأكل من السم الذي طبخته للآخرين؟ للتوضيح، قد يكون ما ارادته إيران من الهجوم على أرامكو، اضعافا للرياض وزعزعة للاستقرار النفطي والاقتصادي العالمي، سرعان ما انقلب عليها، اذ قد تكون طهران قد راهنت عند اطلاقها المسيرات او الصواريخ الهجومية على قوة ردع وتصدي انظمة الدفاع الجوي للأميركيين والحلفاء في المنطقة لمنعها من السقوط والانفجار في الحقلين، انطلاقا من رغبة ايرانية بتوجيه انذار لواشنطن وحلفائها في المنطقة وعلى رأسهم المملكة، من قدرتها على تهديد الامن الاقتصادي والنفطي العالمي.

الا ان مخطط طهران قد يكون فوجئ بترك المسيرات تسقط وتنفجر في الحقلين النفطيين، ما قلب كل المقاييس راسا على عقب وعرض طهران للإدانة الدولية حتى من الدول التي كانت لا تزال تلتزم جانب الحوار مع نظام الملالي، وخرجت واشنطن وحلفاؤها والمملكة على رأسهم، اقوياء بقوة من اعتدى عليهم وليس هم من اعتدوا عليه.

من هنا واذا اخذنا بالخط البياني للمواقف الرسمية في ضوء التحليل أعلاه، يمكن ان نفهم الارتباك الذي تميزت به المواقف الممانعة من الهجوم، وصولا الى اصرار طهران على نفي مسؤوليتها عنه نهائيا.

ومن هنا، سنفهم أكثر فأكثر مواقف حلفاء ايران في المنطقة ولا سيما الميليشيات المنضوية تحت لوائها، انهم صعدوا مواقفهم في خلال هذه الفترة للتهديد بإشعال المنطقة ان تعرضت طهران لهجوم تأديبي او انتقامي من اي نوع كان. قد تكون طهران انكشفت بهجومها على ارامكو لأنها لم تحسب حسابات خسائرها وارباحها اقليميا ودوليا بدقة، وهي اليوم موضع اجماع دولي على وجوب عدم السكوت عن هذا الهجوم.

خامسا: اعلان المملكة عن معاودة الانتاج بعد مرور يومين على توقف الانتاج بفعل الهجوم اعطى الدليل القاطع على امرين؛ اولا: توقف الانتاج كان ورقة ضغط سعودية على المجتمع الدولي لحضه على التدخل لحماية مصالحه الحيوية، وقد أُتي الضغط بثماره بدليل الاستنفار الدولي والاقليمي العام للرد على الهجوم وتأنيب طهران. ثانيا: المملكة لم تتأثر بالحجم الذي كان يتوقع ان تتأثر به من ذلك الهجوم، اذ بقيت القدرة الانتاجية كما هي وقدرة الرياض على التأثير على اقتصاد العالم بنسبة كبيرة من دون تأثير.

في الخلاصة، المنطقة ولا سيما الخليج، في مرحلة جديدة، يمكن وصفها بمرحلة ما بعد الهجوم على أرامكو. وبالتالي، باتت الحسابات الاقليمية والدولية قاب قوسين او أدنى، من انقلاب في المشهدية العامة لتبدل الحسابات ولدخول فاعلين دوليين جدد على الساحة لحماية امنهم الاقتصادي وايقاف طهران عند حدها، ما ينذر بتصاعد المواجهة مع ما تحمله من تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على استقرار امن دول الشرق الاوسط والخليج.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل