حبيقة: رئيس إستثنائي جمع تناقضات بلدِ الرسالة

كتبت “المسيرة” – العدد 1698

كلمة رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة في حفلة إطلاق أكاديمية بشير الجميل – 15 آذار 2019

 

في زمن اشتدّت فيه ثقافة إيلام الآخر المختلف واستشرست فيه محركات القتل الغرائزية، واستوطنت مقوّمات اليأس في ساحات لبنان محولة إياه من سويسرا الشرق وجوهرة الشرق إلى بلد مدثر بوشاح الحزن والكآبة يمشي الهوينى في موكب جنازة الحياة. في مثل هذه الأجواء المشحونة عنفاً، إجتمعت قوى البلاء في مهد الحضارات، وموئل الأديان السماوية، وأرض القديسين والأولياء، وأصدرت حكما مبرمًا بإعدام لبنان، ونزع رسولية كيانه، لأنه مصدر للإزعاج الإيجابي، يقضُّ بتناقضاته المتآلفة مضجعَ جميعِ دول المشرق التاعس، حيث البعضُ يحافظ على حضارة إسبارطة العقيمة في أحاديتها اللُّغوية والدينية والعرقية المجوّفة، والبعضُ الآخر يمعن في التنعّم المرضي بسلطة مختلسة لا تعرف إلى التناوب السلمي والديمقراطي سبيلاً. فدفعت بلبنان إلى بوتقة صهر الغيرية في آحادية مدمّرة، وتمادت في دكّ خصائصه المميّزة التي توافقت عائلاتُ لبنان الروحية على المحافظة عليها وصونها من خدوش الزمن والممارسات اليومية، ليبقى لبنانُ هذه الفسيفِساءَ المشرقيّةَ الإنسانوية، وتلك المساحةَ الحرّة لإنسانيّة متصالحة أبدا مع ذاتها في منطق اعتبار الآخر جزءا من الذات والطريقَ إليها، ضمن معادلة الأنا والنحن المكوّنتين للمواطَنة المتفاعلة والمتنوّعة.

من هذا الرحم، رحم الأوجاع والقلق الوجودي، رحم الانتفاضة على ويلات الزمن ومصائبه، وُلد الرئيس الشهيد بشير الجميل.

نجتمع اليوم في حرم جامعة الروح القدس الكسليك، جامعة الروح والعقل، في صرح جامعي عريق، صنفته المؤسسة الإنكليزية الشهيرة QS بين الخمس جامعات الأول في لبنان وبين الست مئة جامعة رائدة  في العالم من أصل ثمانية وعشرين ألف جامعة، نجتمع في جامعة هي ذاكرة الوطن ، كل الوطن، وذاكرة المشرق الذي نحن منه وفيه وله، ورسالتها الأولى أن تكون الحافظةَ للكلمة المكتوبة، والمسجّلة والمصوّرة، وفي زمن “وثيقة الأخوّة الإنسانية”، وبعد مرور سبعة وثلاثين عاماً على استشهاد الرئيس الشيخ بشير الجميل، وبعد إزالة خطوط التماس الذهنيّة والنفسيّة، وإعادة لحمة التلاقي والسير معا إلى جميع مكوّنات لبنان الأصيلة، لنطلق معا أكاديمية بشير الجميل، أكاديميةً تختزن منظومة أفكارِه وعقائدِه ومكوِّناتِ رسالته الوطنية التي استشهد من أجلها. ما زلت حتى اليوم مطبوعا بتصريحه المرجعي في مناقبيته، في ختام زيارته كرئيس منتخب إلى معهد المعاقين، الشهداء الأحياء، في بيت شباب حيث قال ما معناه أنه ينحني أمام كل شهيد لبناني قدّم حياتَه فداء عن فكرةٍ للبنان. كم هو عظيم هذا الموقف. في نظر الرئيس الشهيد، الجامعُ المشتركُ لجميع شهداء بلد الأرز إنما هو لبنان، على إختلاف عقائدهم ومشاربهم وتطلعاتهم. فهو ينحني أمام دم شهيد لبناني لم يكن يقاسمُه النظرةَ عينَها إلى لبنان. هذا هو الرئيس الإستثنائي الذي يجمع ويؤالف في شخصه الكارزماتي تناقضاتِ بلدِ الرسالة. فكما انحنى الرئيس الشهيد بشير الجميل أمام جميع شهداء الوطن من دون أي تمييز، كذلك على جميع نواب الأمّة وجميع اللبنانيين من دون أي إستثناء أن ينحنوا إجلالا أمام دم استشهاد الرئيس الشهيد بشير الجميل.

ما هي مواقف بشير الجميل في زمن مقاومته دفاعاً عن وطنه: سأستشهد ببعض أقواله:

1-بشير الجميل رجل الحوار مع المختلفين؛ وعلى رأسهم الفلسطيني والسوري: “نحن مع الحوار،  نحن مع التفاهم إذا لقينا تجاوباً، ومع المقاومة والصمود إذا أجبرنا على إستعمال السلاح. هذا أمرٌ بات معروفاً لدى كلّ الذين حاولوا أن يرمونا في البحر وفشلوا”.

2-بشير الجميل المدافع عن الوطن: “وعدُنا لكم، من الآن فصاعداً، الاّ يجرؤَ أحدٌ على التطاول على لبنان، لأنه من الواجب أن تكون عندنا القدرةُ والإمكانات وجميع الوسائل لكي نقنع الآخرين، في الداخل والخارج، بأن حيط لبنان ما عاد واطي”.

3- وفي موقفه من حمل السلاح، يقول: “كان الهدف من حمل السلاح بصورة مستمرّة الدفاع عن النفس والأرض والشعب، كلّ الشعب، في وجه الغريب. ونحن على ثقة اليوم بأن إخواننا في المناطق الأخرى يأملون في مساعدتنا لهم للتخلص من الوسائل القمعية الغريبة التي تمارس عليهم لسلبهم قرارهم الذاتي وحرية تحرّكهم”.

5- بشير الجميل في تصوّره شخصية الرئيس: ” […] الرئيس المنقذ هو الرئيس الذي يستطيع الإقدام على كلّ الإجراءات لإنقاذ لبنان. وقد لا يكون إنقاذُ لبنان من مصلحة كل الدول الكبرى”.

6- بشير الجميل ومفهوم الوطن والهوية: “المطلوب إيجادُ حلٌّ للقضية اللبنانية ككلّ، لا تقسيمَ لبنان إلى مناطقَ، تُحلّ مشاكلُ بعضها، والبعض الآخر يبقى بلا حلّ […] فأنا مع حلّ شامل لكلّ القضية اللبنانية”[…] لأن اللبنانيين يتوقون إلى شيئين:

الأوّل: أن يكون الحلّ للأزمة نتيجة مبادرة لبنانية […]؛

الثاني: أن يكون الحلّ عبر مفاوضات سياسية تشمل الأطراف المعنيّة بعد أن أرهقتهم التجارب العسكرية […]”.

أما موقفه الذي استخلصه، منذ أعلن ترشيحه لرئاسة الجمهورية وحتى استشهاده في 14/9/1982، فيتجلّى في فلسفة خاصة به، نقلته من المقاوِم إلى الرئيس، ومفادها: “[…] رئيس ينقل لبنان من حالة التعايش مع الأزمة ومشاريع الحلول إلى حالة إجتراح الحلول، فالحكم القوي يعني الحاكم القوي بديمقراطيته، بمؤسساته، بقراراته وبقدرته على تنفيذها عبر مؤسساته”.

هذا غيض من فيض استعنت به في هذه اللحظة الحاسمة من مخزون مكتبة الجامعة التاريخي كحافظة لذاكرة الوطن، وإن هي تشرّع أبوابها اليوم لاحتضان أكاديمية بشير جميّل، فلا يفوتها أنها تضمّ إلى رحابها “إبن الحرب” وليس “أباها”.

فالمكتبة الجامعية تسترجع الضحية المؤمنة بالآخر من خلال التفاهم على المصير المشترك، لا من خلال الإستضعاف والإذلال المتبادلين، تسترجع الروح الخائفة منذ قرون إن هي عادت إلى وضعها كـ”جماعة مهمشة ورصيفية”، وقد تكتّلت القوى في الداخل والخارج عليها، تسترجع الرؤية النزيهة والشفافة في الكيان اللبناني، الذي فات قسماً غيرَ يسير من اللبنانيين الإيمانُ به سيداً حرّاً مستقلاً.

أوليست هذه الظاهرة الدفاعية عن الوطن الأم هي نفسها التي قامت عليها الأوطان السيادية في العالم، واستشهد في سبيلها الآلاف من الناس هنا وهناك؟

ألم يصبح شعار “لبنان أولاً” فلسفة وجود لبنان الوطن؟

ألم يكن بشير الجميّل سبّاقاً في رؤيته الإصلاحية والإنقاذية للبنان، عندما صرّح أنه يعمل جاهداً لبناء دولة العام ألفين؟

إن أبرز ما تتضمنه أكاديمية بشير الجميّل من إرث للأجيال القادمة، هو هذا الجانب الإنساني المغيّب للرئيس الراحل.

ستفرغ الأكاديمية في المستقبل مساحة للبشير الإنسان، الفاضل، المؤمن، المضحّي من أجل الآخرين، المشارك في السراء والضراء، المتعالي عن أقسى الجروح نزفاً، النظيف الكفّ، المحبّ، الصادق، المخلص، المتواضع، الوفي، المحاور البارع، والمفكّر النيّر، والشريف.

لقد شكّل البشير بشخصه، وخلال الفترة القصيرة من عمر المناضل والمقاوم والزعيم والرئيس، مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، تضع حدّاً بين لبنان القديم ولبنان الحديث، لبنان الماضي ولبنان المستقبل، لتردّ أصالة معنى لبنان، لا إلى تاريخ لبنان الـمُرَزْنمِ بالسنين بل إلى لبنانَ التاريخ الذي يزخِّم حاضرَنا ويتجاوزه.

من أكاديميته في جامعة الروح القدس الكسليك، أتصور الرئيسَ الشهيد بشير الجميل يقول لنا: لا تَدَعوا أنبياءَ الويل يتسللون إلى مربّع أحلامِكم وانتظاراتكم. لا تدعوا التاريخَ ومآسيه وخيباتِه يقتحم حاضرَكم ويحطّم اندفاعاتِكم نحو مستقبل زاهر. لا تنوحوا على أطلال الماضي، بل قولوا على الدوام اليومُ الأجمل هو الآتي. وشكرا.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل