رسالة بيلنغسلي: احذروا لا تهاون

بين “التحذيرات والتبليغات” التي سلّمها مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي إلى من يعنيهم الأمر، خلال لقاءاته في بيروت التي وصلها مساء الأحد، وما أبلغه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لرئيس الحكومة سعد الحريري العائد بـ”خيبة نسبية” من باريس، تضيق مساحة الغنج والدلال والألاعيب أمام المسؤولين اللبنانيين. لكن الأصعب، أن طوق الأزمة الاقتصادية الخانقة يضيق أكثر على أعناق اللبنانيين.

لم يحصد الحريري في باريس ما منَّ النفس به من ملياراتٍ تتدفق من صندوق “سيدر” الميمون، على وجه السرعة التي أمل بها. وتؤكد مصادر سياسية متابعة لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “المعني الأبرز بأموال (بيادر حقول الإليزيه)، ماكرون، أبلغ رئيس الحكومة اللبنانية أنها “ستبقى ممنوعة حتى إشعارات إصلاحية ومكافحة فساد جدية أخرى، فنحن نحب لبنان ونقف إلى جانبه، لكن لا أموال من دون إصلاحات فعلية ملموسة، وتنفيذ ما التزمت به حكومتكم بكل شفافية ومصداقية”.

أما بالنسبة لـ”تبليغات” بيلنغسلي، فتشير المصادر ذاتها، إلى أن الزائر الأميركي “حلَّ ضيفاً (مزعجاً) على المسؤولين اللبنانيين”، لافتة إلى أن “العقوبات الجديدة التي سبقت وصوله إلى بيروت مساء الأحد، أوحت بمضمون زيارته مسبقاً، قبل أن يوصل رسالته مباشرة في لقاءاته، أن العقوبات لخنق إيران وحزب الله مالياً مستمرة، ولا تراجع عن محاسبة أي مصرف أو مؤسسة أو طرف يغطّي أو يساهم في مساعدة الحزب للالتفاف على العقوبات”.

وفي السياق، يوضح الباحث والكاتب مهند الحاج علي في حديث إلى موقع “القوات”، أن “الجانب المصرفي اللبناني يعمل على إقامة علاقة أكثر قرباً لناحية التنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية، لتجنُّب ما حصل مع (جمال ترست بنك). فاستهداف مصرف بأكمله تسبَّب بهزة للوضع المالي اللبناني، لا سيما أن لدينا في لبنان مشكلة نقدية متعلقة بالضغط الذي تتعرض له الليرة والشح في السيولة بما يتعلق بالدولار، ولا ينقصنا دخول عناصر ضغط جديدة سلبية على الوضع”.

ويعتبر الحاج علي أن “الأزمات المتراكمة هي نتيجة سوء التصرف والسلوك الذي نشاهده على الساحة السياسية. فأزمة قبرشمون التي عطلت البلد ومجلس الوزراء مسؤولة عما نراه اليوم من أزمة مالية فاجأتنا بسرعتها، وهي نتيجة تعطيل الحكومة على مدى 40 يوماً وعرقلة كل ما كان يفترض انجازه من إصلاحات تلحّ الدول المانحة في مؤتمر سيدر على تحقيقها في أسرع وقت”.

ويضيف، “كل ذلك كانت له تأثيراته المباشرة. فرأينا منذ أسابيع الجامعات الخاصة أوقفت تقاضي أقساطها بالليرة اللبنانية، ثم تبعتها شركات الخليوي. والناس يلجؤون إلى السوق السوداء لأن المصارف تتّبع اجراءات معينة لعرقلة أو تحديد السحوبات بالدولار، إلى الأزمة الأخيرة في قطاع المحروقات المفتوحة على الإضراب العام، وغيرها من الأزمات المتراكمة”.

ويرى الباحث ذاته أن “المسألة الأساسية تكمن في أن العقوبات الأميركية قطار يسير بغض النظر عن الأزمات المالية اللبنانية. ولا يبدو أن الولايات المتحدة تكترث كثيراً لوضعنا المالي، وهي تفصل بين الأمور في إطار المواجهة مع إيران وأذرعها، وطهران ترد بالتصعيد العسكري”. ويشير إلى أننا في لبنان “الضحايا الأساسيون. من جهة، هناك إدارة أميركية غير مكترثة لما يحصل على الصعيد الداخلي في لبنان، ومن جهة أخرى هناك إيران وحزب الله اللذين لا يكترثان أيضاً للبنان، والشعب اللبناني بين الطرفين”.

ويلفت إلى أن “ما نشهده اليوم من تصعيد كلامي وضغط من الجهة الإيرانية ومن حزب الله، غير مسبوق، ليس فقط تجاه الولايات المتحدة، لكن أيضاً تجاه دول الخليج العربية، وهذا لا يصب في مصلحة بلد اقتصاده سيء. ومن جهة ثانية، هناك عقوبات أميركية أعتقد أنها ظالمة وتأتي في توقيت صعب جداً بالنسبة للبنان ولا يأخذ الوضع اللبناني في الاعتبار، وهذا أمر متهوّر أيضاً”.

من جهتها، تلفت المصادر السياسية المتابعة لموقع “القوات”، إلى أن “الموقف الأميركي الصارم تجاه إيران يعتبر أن العقوبات تفعل فعلها، وهي من المسببات الرئيسية للتوتر الإيراني”. وتشدد على “ضرورة تنبه أصحاب السلطة، اللاهثين وراء المجتمع الدولي طالبين مساعدته على الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة وتجنب الانهيار التام، لذلك. بينما في الواقع نراهم يفضّلون عدم الدخول في مصارحة فعلية مع حزب الله ومواجهته بالحقائق، إما خوفاً أو عجزاً، لكنهم في المقابل لا يجرؤون ولا يستطيعون عدم الالتزام بالمطالب الأميركية، فضلاً عن القوانين الدولية”.

وترى أن “عدم تناسب الأحجام بين الضيف (بيلنغسلي) والمضيفين، يفرض بالطبع عدم إظهار انزعاج المسؤولين المعنيين من حلوله حاملاً سلة عقوبات وضغوط جديدة، لكنه لا يخفي الخوف مما حمله (مساعد ناظر العقوبات الأميركية) في جعبته من عقوبات وتحذيرات جديدة أبلغها لهم”، لافتة إلى أنهم “باتوا اليوم أمام الامتحان، لكن حالهم تشبه حال ذلك التلميذ الذي لم يحضّر جيداً لهذا اليوم، وهو لا يتوقع تكريماً، ويخشى أن يهان”.

أما الباحث والكاتب الحاج علي، فيرى أن “الحكومة لا تبدو على قدر من المسؤولية تجاه الوضع، ونحن لا نرى إجراءات سريعة. المجتمع الدولي والفرنسيون خصوصاً يطالبون بإصلاحات حقيقية في موازنة 2020 بعكس الـ2019، وعندنا أعطوا لأنفسهم مهلة محددة لغاية نهاية السنة، فيما لبنان لا يحتمل الانتظار لنهاية السنة لوضع سياسة الموازنة”.

ويستغرب “الإعلان عن خفض العجز من 7.5 إلى 7.3% في موازنة 2020، فهل سيقبل الفرنسيون والمجتمع الدولي بنسبة 0.2% كخفض للعجز؟! يجب القيام بإجراءات حقيقية تترافق بتغيير سلوك الطبقة السياسية، فلا يجوز أن يبقى الإنفاق على مستوى المسؤولين الكبار عالياً إلى هذا القدر، فيما يطلبون من الناس التقشف والقبول بإجراءات تقشفية قاسية من أجل معالجة المشكلة المالية التي نواجهها”.

ويشدد على “ضرورة التسريع أكثر في إنجاز موازنة 2020 لجذب الاستثمارات. وكذلك، إذا كان حزب الله حريصاً فعلاً على المصلحة اللبنانية، فعليه أن يقلع عن التصعيد الكلامي ضد دول الخليج التي نحتاجها بشدة”. ويشير إلى أننا “حين نتحدث عن مؤتمر سيدر، فالجهات المانحة الأساسية هي دول الخليج مثل السعودية والكويت والإمارات”، لافتاً إلى أن “إيران غير موجودة من ضمن الدول المانحة في سيدر، بل هناك دول الخليج التي نحتاجها من أجل إعادة إطلاق عجلة نمو الاقتصاد اللبناني”.

ويضيف، “إذا كان فعلاً حزب الله يكترث للوضع اللبناني فيجب أن يوقف التصعيد. لا شأن للبنانيين بحروب العالم، اكتفينا وأكلنا نصيبنا من الحروب في هذا البلد، ونحتاج إلى فترة من التركيز على الوضع الاقتصادي الداخلي من كل الأطراف، حتى من قبل خصوم حزب الله، وعلى الجميع الجلوس سوياً والتركيز معاً على الخروج من الأزمة الاقتصادية”.

إلا أن الحاج علي يرى أنه “من الصعب التفاؤل بطبقة سياسية افتعلت أزمة كأزمة قبرشمون، وغيرها من الأزمات، وتمادت فيها وعطلت البلد فترة طويلة في ظل وضع اقتصادي خطير، فيما كانوا يعلنون عن عزمهم واستعداداتهم وعن خطة طوارئ اقتصادية واجراءات وما شابه. هذه طبقة سياسية غير واعية”.

ويلفت إلى أننا في خضم سباقين: الأول هو الحرب والأزمة الإقليمية التي تجرنا وتجرفنا بشكل كبير، والثاني هو الوضع الاقتصادي والمالي. ويبدو إلى الآن أن جرفنا باتجاه تيار الأزمة والمواجهات الإقليمية أسرع من إجراءات هذه الطبقة السياسية”.

ويضيف ساخراً: “سلاحف شاطئ المنصوري أسرع من إجراءات الطبقة السياسية، فالسلاحف وضعت أربعة أو خمسة أفواج من البيض منذ بدأت هذه الطبقة تتحدث عن سيدر، ولا تزال سلتها فارغة من أي بيضة إصلاح جدي ولا تحتوي فعلياً سوى كلمات وإنشاء”.

ويحذر الحاج علي من أن “خطورة الأوضاع الاقتصادية داهمة مع تداول الدولار بنحو 1600 ليرة لبنانية في غالبية الأسواق فعلياً، ويعطي مثلاً مقارنة مع ما يحصل على مستوى تخصيب اليورانيوم. فالتخصيب من نسبة 20% إلى 90% أسرع من التخصيب بين 3% و20%، إذ نكون بعد بلوغ مرحلة 20% قد وصلنا إلى مرحلة مختلفة تماماً من التطور. وهكذا بالنسبة إلى الدولار، فحين نبلغ مرحلة الـ1600 ل. ل مقابل الدولار تصبح المسافة قصيرة جدا بين هذه النسبة والـ4000 والـ5000 ل. ل”.

ويتأسف لأن “الطبقة السياسية غير واعية، والدليل مثلا في الزيارات الخارجية التي تضم وفوداً فضفاضة بهذا الحجم في ظل الأوضاع الاقتصادية المعروفة، بالإضافة إلى التصعيد الكلامي الخطير إقليمياً”. ويضيف: “نحن بلد لا نملك مقدرات كبيرة ونستورد تقريباً كل شيء، فإذا خُنقنا بالدولار انتهى لبنان”، مشددا على أنه “يجب أن يكون هناك وعي سياسي وتوافق وحوار على أن وضعنا الاقتصادي لا يتحمل تصعيدا إقليمياً ولا أزمات سياسية داخلية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل