#adsense

شيراك رفيقنا المناضل في ثورة الارز

حجم الخط

 

نحن، جيلنا الذي عاش الحرب ثم عايش أنبل الثورات، ثورة الارز، نحب جاك شيراك. نحبه كثيرا. لا نرى فيه فرنسا الام الحنون فحسب، بل نرى رجلا نبيلا، عاشقا لبلاد الارز فعلا لا مجاملة. قيل انه آخر ديغوليين عصره، لا نعرف ما فعله تحديدا ايام ديغول، ولو كنا قرأنا بعضا من خبريات تاريخية من هنا وهناك عن حكاياته وانتماءاته، لكن ما يعنينا فيه كان حبه للبنان، لبنان الحر المتحرر من استعباد الاحتلال السوري الشنيع.

لفترة، كنا نتابع اخبار صداقته الحميمة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولعلنا تعرّفنا اليه من كثب في تلك المرحلة بالذات، اذ تجلّت صداقته والشهيد الكبير خصوصا في فترة تعرّض الاخير لمحاولات العزل السياسي وللتهديدات من النظام السوري القاتل، ومن ازلامه واسياده المفترضين في لبنان.

بالنسبة الينا كان شيراك، اضافة الى الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش، من أكثر المطالبين بجلاء الاحتلال عن لبنان، وكنا نحب الرجلين معا. لكن كان شيراك هو الاقرب، لأنه زار لبنان لمرات، ونعرف كما علموننا في كتب التاريخ، ان فرنسا هي الام الحنون للبنان، وهي هنا قريبة فشخة. مع بوش كان الشعور مشوب بالارتباك والقلق والخوف من ان تغير اميركا موقفها من الاحتلال إذا ما رأت ان مصالحها تتقاطع معه، وكنا نترقب دائما ما يقوله بوش لنطمئن او نقلق. بمعنى آخر بالنسبة الينا كان بوش رئيس جمهوريتنا غير المباشر، بينما كان شيراك أفضل الاصدقاء والاب الحنون لتلك الجمهورية.

لا أنسى اعجابه ببيروت ذات ليل صيفي عابق بجنون المدينة الساحرة، وكان في آخر زياراته الرسمية الى لبنان قبل الاغتيال. كان يتجوّل مع الرئيس الحريري، والدهشة المشوبة بالحب تبدو واضحة على وجهه، والرئيس الشهيد يشرح له بفخر عن مدينة قلبه وعن احد اكبر انجازاته على الاطلاق، اعمار وسط بيروت، لاحقته في ذاك الليل عيون بيروت بمحبة واحترام كبير، وكان يبادل الناس في الطريق والمقاهي المشاعر اياها، يلقي عليهم التحية، ينحني لهم، تلمع عيونه لجمال الاضواء، للحياة التي تنغل في الشوارع، بدت بيروت وكأنها باريسه وليس اقل.

وبين جولاته الى بيروت وجولات صديقه الى باريس كانت تصريحاته عن ضرورة وضع حد للاحتلال السوري في لبنان، تدوي بصخب في بال المناضلين والشباب. كنا نريد ان نسمع اي تصريح من اي طرف دولي يعطينا بعضا من امل، من ان ثمة من يسمع الى صراخ لبنان، وأننا لسنا وحدنا، وان هؤلاء لا بد سيرحلون عنا وسنرتاح.

لما اغتالوا صديقه الرئيس الحريري، ادهشتنا دموع الصديق الفرنسي الكبير، كنا نعرف بعمق الصداقة بين الرجلين، لكن ما كنا لنتوقع ان الرجل النبيل بدا وكأنه الاب الروحي لعائلة صديقه بعد الرحيل، والاهم كان بالنسبة الينا، ماذا سيقول جاك شيراك وماذا سيفعل بعد الاغتيال المدوي؟ هل سيطالب برحيل الاحتلال ومعاقبة قتلة الحريري ام سيتخلى عن لبنان يائسا بعد رحيل صديقه؟ وما حصل ان صديق الحريري لم يخن الامانة ولم يخن صديقه والاهم لم يخن لبنان، فراح يطالب بإلحاح اكبر وبوضوح ومن دون مواربة مع جورج بوش بضرورة جلاء الاحتلال السوري عن لبنان.

بالنسبة الينا، تحوّل شيراك الى بطل فرنسي لبناني بامتياز، ومنحناه الجنسية اللبنانية بعدما اعتبرنا انه قدم اوراق اعتماده وكل ما يلزم الى دائرة ثورة الارز، وتوجناه من بين احد اعمدتها الكبار. كنا فعلا نحبه ولم نفعل اساسا الا ما يجعلنا نشعر بكل الامتنان والاحترام لتلك الهالة الفرنسية العريقة التي حفرت عميقا في تاريخ الرئاسة الفرنسية وحفرت في الوجدان اللبناني تاريخاً مجيداً.

انتهى زمن صديق لبنان على الارض. رحل الرجل الفرنسي الكبير وفيه ما فيه مما يذّر بحقبة استقلال لبنان الاول، ليعود الزمن ويدور دورته ليكون له صوتا مدويا في استقلال لبنان الثاني.

سيدي الرئيس وانت تمضي الى حيث يجب ان نرحل جميعا ذات يوم، هل وصلتك معلومات عمن سيكون وفيا للبنان يشبهك بالنبل ويحب لبنان كما انت فعلت، ليكون صديقا لنا ويساعدنا في معركة استقلالنا الثالث، قبل ان يزول لبنان عن بكرة ابيه ويتحول الى فكرة جميلة خلاقة رائعة عابرة في التاريخ؟ هل من الممكن ان تكون صديقا لنا بعد من عالمك الاخر ام لعلنا اصبحنا نبالغ في الاتكال على الاصدقاء بدل الاتكال على انفسنا اولا لتحرير ارضنا، كما فعلنا في زمننا المقاوم يوم اجتاحنا الغرباء من كل الاتجاهات؟!

سيدي الرئيس جاك شيراك، احب من وسط بيروت، من تحت تمثال الحرية، قريبا من ضريح الرئيس الشهيد، في غمرة اضواء المدينة الساحرة الهامدة على سحرها واضوائها هذه الايام، ان اوجه اليك تحية شباب وصبايا ثورة الارز، اذ لا يليق بك تحية اقل من تحية هؤلاء، هؤلاء الذي صنعوا كرامة وطن انت احببته واخلصت له، وها نحن نعلّق على ذكراك اكليل الغار برتبة مناضل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل