القوات… شهادة للحق

 

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1699

 

بعد انتخاب النائب رينيه معوض رئيسًا للجمهورية في 5 تشرين الثاني 1989 طرح العماد ميشال عون على «القوات اللبنانية» بقيادة الدكتور سمير جعجع توسيع حكومته العسكرية، بحيث يضم إليها وزراء من «القوات» لمواجهة دولة الطائف. إمتنعت «القوات» عن المشاركة في هذه الحكومة بعدما كان النواب اللبنانيون أقروا إتفاق الطائف في 22 تشرين الأول من ذلك العام، مدركة أن هذا الإتفاق هو الطريق الصحيح للخروج من الحرب والدخول في عملية إستعادة السلام وإعادة بناء الدولة. وفي 31 كانون الثاني 1990 كان العماد عون يتخذ القرار بشن حرب الإلغاء ضد «القوات» لحماية نفسه من عاصفة التغيير الآتية على متن الطائف الحاصل على غطاء دولي وعربي. لم تكن «القوات» تبحث عن مقاعد وزارية أو إدارية بقدر ما كانت تبحث عن وطن ضائع لإعادته إلى الحياة. ولم تكن طبعًا تبحث عن حرب بل عن الخروج من الحرب.

 

في 18 كانون الثاني 2016 كان سمير جعجع يعلن من معراب تبني ترشيع العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية أيضًا بحثاً عن ذلك الوطن الذي عاد إلى الضياع بعد عامين ونصف من الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان. كان من الواجب أن يتم وضع خارطة طريق للحكم، وكان من الطبيعي أن يوافق العماد عون على ذلك التفاهم «تفاهم معراب» الذي يرسم معالم هذا الطريق ويحدد إطار التعاون مع «الرئيس» عون والتيار الوطني الحر من أجل تأمين عودة الجمهورية القوية، وعودة الحضور المسيحي إلى هذه الجمهورية التي اختل فيها التوازن الوطني على مدى أعوام ما بعد الطائف، ولم تصححه الحكومات التي توالت منذ ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وثورة 14 آذار التي لم تتمكن من أن تستعيد الدولة بفعل الدور الذي يلعبه «حزب الله». ومرة جديدة وجدت «القوات» نفسها أمام مواجهة جديدة تتعلق بدورها في إعادة بناء الدولة ومحاولة فرض حرب إلغاء جديدة عليها، على رغم كل ما فعلته من أجل وصول العماد عون إلى قصر بعبدا.

بعد ثلاثة أعوام على انتخاب عون رئيسًا للجمهورية في 31 تشرين الأول 2016، تكاد الأمور تعود إلى ما كانت عليه قبل الطائف قبل ثلاثين عاما بالضبط. كانت «القوات» قد دفعت آلاف الشهداء دفاعًا عن لبنان منذ بداية الحرب في 13 نيسان 1975. وكانت تدرك بفعل الممارسة والخبرة والعلاقات وقوة الحضور موازين القوى التي تدير الحرب في لبنان والتوازنات العسكرية وتعرف حدود اللعبة. ولذلك عمدت بعد إسقاط الإتفاق الثلاثي في 15 كانون الثاني 1986 إلى تحصين المناطق الشرقية لتكون صورة عن الدولة المنتظرة بعد انتهاء الحرب بينما كانت المناطق الغربية تحت الإحتلال السوري تغرق في الفوضى.

 

بعد تعيينه رئيسًا للحكومة العسكرية، أراد العماد عون أن يكسر المعادلات من دون حسابات دقيقة. بدأ بمحاولة تحجيم دور «القوات» في 14 شباط 1989 وانتقل إلى شن حرب التحرير في 14 آذار بعد شهر واحد من دون أن يكون هناك أي غطاء دولي لهذا القرار الذي يحتاج حكمًا إلى مثل هذا الغطاء. كان العماد عون يراهن على أنه سيغيّر العالم وسيجعله ينصاع لرغبته ولكن العالم لم يتغيّر. كانت موازين القوى العسكرية عاجزة عن تغيير الواقع وكانت «القوات» تدرك أن قرار تحرير لبنان لا يمكن أن يتحمّله المسيحيون في المناطق الشرقية وحدهم، ذلك أن الخطوط الحمر التي كانت مرسومة بغطاء دولي كانت تحمي هذه المناطق وكانت «القوات اللبنانية» مع الجيش اللبناني يؤمنون الحماية اللازمة لهذه الخطوط عبر حضور عسكري لا يمكنه أن يقلب المقاييس لوحده.

لقد ذهب النواب إلى الطائف في أيلول 1989 بعدما أرهقت حرب التحرير المناطق الشرقية. على رغم إنخراط «القوات» في تلك الحرب كان قرارها بأن الخروج منها يجب أن يحصل لأن ثمنه يبقى أقل من استمرارها، وهذا كان موقف البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الذي كان سار خطوات كبيرة على هذا الطريق عبر دراسة التعديلات الدستورية التي ستتم مناقشتها في الطائف وقد اطلعت «القوات» منه عليها وهي كانت على مستويين: مستوى التواصل الذي يؤمنه رئيس مجلس النواب وقتها حسين الحسيني عبر إتصالاته ولقاءاته مع رئيس النظام السوري حافظ الأسد، والثاني كان مع مستشار الملك فهد وقتها الرئيس رفيق الحريري الذي كان يراقب ما يفعله الحسيني ويحاول أن تكون له هو الكلمة الفصل مع البطريرك صفير.

 

لقد ذهب النواب إلى الطائف قبل ثلاثين عامًا بينما كانت المناطق الشرقية تعاني حصارًا سوريًا محكمًا. كانت الليرة تنهار أمام الدولار. لم تكن هناك أموال في المصارف. كان المصرف المركزي في بيروت الغربية يؤمن عبر فرعه في جونيه الرواتب بصعوبة كبيرة. كانت الكهرباء تصل إلى المنازل بمعدل ساعتين يوميًا إلى ست ساعات. كان البنزين مفقودًا بالكامل وكانت توزع قسيمة واحدة بمعدل تنكة بنزين أسبوعيًا وأحياناً تنكتين لكل سيارة، وكانت كل باخرة تريد أن تدخل إلى مرفأ جونية أو إلى مرفأ عمشيت تتعرض للقصف. وكانت حركة الهجرة ناشطة جدًا عبر مرفأ جونيه الذي كان يتعرض للقصف، وقصص البواخر التي أصيبت والناس الهاربين الذين استشهدوا هناك كثيرة.

كان ثمن تلك الحرب مكلفاً وكان ثمن الخروج منها مكلفاً، ولكن ثمن استمرارها كان مكلفاً أكثر. من هناك انطلقت «القوات» في الإلتقاء مع البطريرك صفير. من تقدير ذلك الموقف ومن تقدير حجم النزيف والإنهيار والخسائر، وكثيرًا ما عبّر البطريرك صفير عن هذه المخاوف، خصوصًا عن الإصرار على الإستمرار في الحرب حتى لو أدى ذلك إلى عدم بقاء أحد في لبنان. وقد بقي البطريرك متمسكاً بقناعته هذه وحاول أن يقنع العماد عون بها ولكنه فشل وتعرض للإهانة والمهانة.

اليوم بعد ثلاثين عامًا على الطائف وبعد ثلاثة أعوام على وصول العماد عون الى قصر بعبدا، ثمة أزمة تشبه أزمة ما قبل الطائف. أزمة سيادة أولاً. وأزمة مالية ثانيًا. وأزمة فساد يستشري. وأزمة تعيينات وفضائح بالجملة. إذا كانت حرب التحرير هدفت إلى تحرير لبنان من الإحتلال السوري، فلماذا لا تكون اليوم حرب تحرير السيادة اللبنانية من سيطرة «حزب الله» على القرار العسكري ومصادرة قرار الدولة؟ ولماذا تخلى الوزير جبران باسيل الذي وقع على «تفاهم معراب» عن ذلك التفاهم الذي كان يرسم طريقة سليمة للحكم القوي؟ ولماذا بدل التعاون مع «القوات» يتم البحث عن حصارها وإبعادها؟ ولماذا لا يكون هناك حكم قوي فعلاً وعملاً؟ حكم يقوم على إستعادة الدولة بكل قرارها ومؤسساتها؟ حكم يعيد بناء ما هدمه عهد الوصاية من توازن داخلي ومن حضور للدولة ومن استبعاد لدور المؤسسات؟

 

لو كانت «القوات» تبحث عن سلطة لا عن دولة لكانت بقيت في الحرب ولما كانت دعمت الطائف ولما كانت دفعت ثمن معارضتها لعهد الوصاية ورفضت المشاركة في الوزارة وفضلت النظارة والإعتقالات، ولما كانت تبنَّت ترشيح العماد عون إلى رئاسة الجمهورية. دائمًا كانت «القوات» وفية وأمينة على المبادئ التي حملتها كإرث تاريخي، ووفية لشهدائها في الحرب والسلم ولشهادتها للحق لأنها تحمل قوة التاريخ وقوة الإرث وقوة التماسك وقوة القيادة وقوة القاعدة وقوة المنطق وقوة الموقف. ولذلك لم تتهاون «القوات» في مسألة التمسك بإعادة بناء الدولة ورسمت الطريق الذي لا يمكن أن تكون دولة من دونه. ولذلك يبقى موقفها موقف الحق وتبقى الأحرص على قيام الجمهورية القوية والنظيفة وتبقى ضمير هذه الجمهورية، ولذلك تصدت للصفقات وللتخاذل في استعادة السيادة ورفضت أن تكون شريكة في المحاصصة وذهبت إلى خيار الآلية التي تحكم التعيينات. ولذلك تحاصر الآخرين في موقفها وتمسكها بالمبادئ التي على أساسها يجب أن تقوم الدولة القوية. ولذلك ستبقى شاهدة للحق ومتمسكة بهذا الحق مهما كان الثمن، لأن هذا الطريق هو الذي يقود إلى قيام الدولة وإلى العودة إلى روح الطائف الحقيقي.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل