(1).jpg)
لنكن واضحين منذ البداية ولا تسيئوا فهمي. أنا شخصياً مع حرية التعبير ومع التظاهر لمن يرى لذلك ضرورة خصوصاً مع ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في بلد يعيش في موت سريريّ.
أعلم بأن الوضع مأساويّ، وأعلم بأن الذلّ الذي يعيشه اللبنانيّ لم يعد مقبولاً السكوت عنه، وأعرف تماماً أن أي تحرّك احتجاجيّ هو حقّ كلّ مواطن، وربما ضرورة للانتفاض على الواقع المرير.
أفهم الوجع الذي اختار البعض أن يعبّر عنه بطريقة عفويّة وأراد أن يعبّر عن استيائه بكل “ديمقراطية” للضغط على السلطة، لكن ما استوقفني بالحقيقة من تظاهرات، أمس، مشهدان أساسيان: الشغب والتعديّ على القوى الأمنية والصحافة من جهة، والمطالبة بالانتخابات النيابية المبكّرة من جهة أخرى.
أفهم ان المطالب محقّة وان التظاهر حقّ يكفله الدستور، لكن ما لا أفهمه هو الشغب والتعديّ على القوى الأمنية والصحافة وإقفال الطرقات.
أهكذا تكون حرّية التعبير؟ بالتعدّي على من يحرص على أمنكم ليل نهار؟ أنسيتم ان هؤلاء هم لبنانيون يعانون كما نعاني نحن؟ أنسيتم أن هؤلاء أول من هُدّدت لقمة عيشهم في موازنة 2018؟ انسيتم انهم وجدوا يوم أمس للحفاظ على أمنكم أثناء التعبير عن رأيكم؟
أهكذا تكون حرّية التعبير؟ بالتعدّي على من يحرص من خلال مهنته على نقل معاناتكم إلى البعض الذي يتظاهر بالصمّ؟
أهكذا تكون حرّية التعبير؟ بإقفال الطرقات عند كلّ محنة لإضافة همّ زحمة السير على همّ المواطنين؟ ألا يكفي اللبنانيّ ما يعانيه يوماً من مذلّة على الطرقات قبل وصوله إلى عمله ليلقى بديل أتعابه راتباً لا يكفيه حتى آخر الشهر؟
اخترتم يوم الأحد للتظاهر، وحاولتم اقتحام السراي في الوقت الذي تدركون فيه تماماً أنه يوم عطلة ويستحيل أن تلتقوا بسياسي يمرّ لا على الطريق ولا حتى داخل مقر رئاسة الحكومة. وأحدثتم فوضى لا جدوى منها سوى تلقيكم خيبة الأمل ممن كانوا يعلّقون آمالهم بكم.
والمضحك المبكي، مطالبة البعض بانتخابات نيابية مبكّرة. حقاً؟ أنتم الذين تطالبون بانتخابات مبكّرة، اين كنتم من انتخابات أيار 2018 التي لم يمضِ عليها بعد سنتين؟ لماذا لم تنتخبوا حينها من تطالبون اليوم بانتخابات نيابية مبكّرة لانتخابه؟
أنتم من تطالبون بانتخابات نيابية مبكّرة، هل تفعلون ذلك لشعوركم بالذنب لما فعلتم (او لم تفعلوه) في الانتخابات النيابية الأخيرة؟ أو هو وجه آخر لاستثمار وجع الناس؟
إنْ كان الحال كذلك، فاعلموا أنكم فاشلون، وتذكروا أنكم اليوم تدفعون ثمن ما اقترفت أيديكم في الانتخابات النيابية الأخيرة.
و”لأ مش كلن يعني كلن”، ومن يصرّ على نعت الطبقة السياسية كلها بالفاسدة، يشيح الأنظار عن الفساد الحقيقي ويحاسب من يعمل للإصلاح من موقعه على أخطاء فاسد يتخفّى بوزارته ويتحجّ بعرقلة الغير.
بربكم! تظاهروا! انتفضوا! استنكروا! افعلوا ما تشاؤون! لكن لا تدمروا ما تبقى من وجه لبنان الحضاريّ الذي يتمثّل بكم. أنتم صورة لبنان لا السياسيين. شعلة الحضارة بين أيدكم وأنتم تقررون. اتيحت لنا فرصة التغيير في انتخابات 2018 وفوتناها، فلا تحملوا لبنان ذنب خطأ اقترفناه نحن!
لا تعتقدوا أنّ الشعب غير قادر على التغيير. في تلك الدول التي ترفضون التشبّه بها، يستطيع توقيع آلاف المواطنين منهم اسقاط نظام وتشريع قانون وإلغاء آخر، مع التشديد على كلمة “توقيع”، لا شغب ولا فوضى ولا إقفال طرقات. الأهداف الموحّدة كفيلة بصناعة التاريخ.