العودة الى الطائف قبل التصفية والتشتّت

 

كتب إدمون رزق في “المسيرة” – العدد 1699

منذ صدور «وثيقة الوفاق الوطني»، لثلاثين سنة خَلتْ، ما زلتُ أحرص على التعريف بها، وبيان مضامينها، بعد أن تضافر على تجهيلها طرفا نقيض النفعيّة السياسية، أي الذين عارضوها، فعملوا على إخفاء إيجابياتها، سَتراً لغرضيّتهم، والذين استغلّوها بإساءة تأويلها، وتشويه تطبيقها، وأَمعنَ فيها الفريقان كلاهما، تحريفاً وتعتيماً ونكولاً، لعرقلة المسار العملي نحو الدولة المُرتجاة.

إن العودة الى مرجعيّة الطائف، وحدها، كفيلة بالهداية الى حلول عَصيّة، ما بَرحَت تُلتمس في حوارات مستهلكة ومشاورات تمويهيّة… والإدلاء بشهادة إضافية، تُزيل إشكالات والتباسات، فتضع أمام أهل البحث عن الحقيقة، المزيد من المعطيات الموضوعيّة المغيّبة عن الرأي العام، وغير المتداوَلة، حتى في أرْوقة العلم.

من المعروف أنّ مؤتمر الطائف لم يكنْ مبادرة لبنانية، بل هو قرارٌ عربيٌّ اتُّخذ في قمّة الدار البيضاء (26/5/1989)، وحظيَ بتأييد دولي، لتمكين اثنين وستين نائباً لبنانياً، من أصل تسعة وتسعين، منتَخبين قبل سبعةَ عشر عاماً (1972)، توفّي خمسة وعشرون منهم، وتغيّب أحد عشر لدواعٍ مختلفة، لتمكينهم من الإجتماع خارج لبنان، بهدف جمع شتات الدولة التي أطاحتها أَخطاء وأَغراض.

ولا شكّ في أن لبنان ما كان ليحتاج هذا المؤتمر، لو لم يتمّ تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، وفقاً للدستور اللبناني، قبل 22 أيلول 1988، ما أدّى الى قيام حكومتَين، وانقسام الجيش وقوى الأمن الداخلي ومديريتَي الأمن العام وأمن الدولة، ونشوء أمر واقع تقسيمي مُركّب، طائفي وجغرافي، هدّد بتفتيت لبنان، الذي قلنا، سنة 1976، إنه «أَصغر من أن يُقسّم وأكبر من أن يُبتلَع»… وحذّرنا من أنه «إما أن يكون كلُّه لجميع أبنائه على السواء، وإما أن لا يبقى منه شيء لأحد…».

إذاً، كان مؤتمر الطائف محاولة، على حدود اليأس، لانقاذ الكيان اللبناني، بإرساء نظام وفاقيّ لجمهوريةٍ ذات خصوصيّة، تعدّدية موحّدة، في شرق أحادي كُلّي، انقلابيٍّ قَمْعي، إنتقائيّ كَيْفيّ، يُصنّف البشر أولياء وموالي، يرفض الآخر، ويُنكر حقوق الإنسان !

في تلك الظروف المستحيلة، كان الإتفاق صكَّ تأكيد قاطعٍ لسيادة الدولة اللبنانية، واستعادة الجمهورية المغتَصَبة والمُنتَهكة، بجُهد حَفْنة من فلول الشرعيّة المتآكلة بالتقادم، إذ بقي مجلس سنة 1972 المؤسّسةَ الوحيدة الموحّدة، بالرغم من تمديد ولايته، ثماني مرّات، حفاظاً على آخر خيوط النسيج الوطني والنظام الديموقراطي، المغيَّب بالعنف والعدوان، الأخطاء والخطايا!..

أعلن مؤتمر القمة العربي في الدار البيضاء أن هدفه «الحفاظ على وحدة لبنان وتأكيد سيادته الوطنية…». ثم جاء بيان اللجنة الثلاثية العربية العليا الصادر في جدّه، بعد إقرار الوثيقة يوم 24/10/1989، يبدي «تقديرها الإنجاز التاريخي الذي توصّل إليه النواب اللبنانيون…»، وفيه: «أن قضية السلام وإحياء المؤسسات الدستورية للحفاظ على وحدة لبنان وسيادته واستقلاله، هي الطريق الوحيد لتحقيق الحل… وأن الإتفاق يشكّل إطاراً عادلاً ومتوازناً يحقّق التطلعات اللبنانية في السيادة والإستقلال والوحدة والمساواة… وبالنسبة لتنظيم العلاقات السورية ـ اللبنانية، على أساس السيادة والإستقلال، فإن من شأن ذلك ترسيخ العلاقات الأخوية بين البلدين، في إطار تكافؤ المصالح، والإحترام المتبادل لاستقلال كل منهما، وسيادته وحقه في ممارسة سلطته الوطنية فوق كامل أراضيه.»

ثمّ، بالعودة الى الإتفاق – الوثيقة، نجد ما يأتي:

– الفقرة «أ» من المبادئ العامة:

• لبنان وطن سيّد حر مستقل

– الفقرة «ج»:

• لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين.

– الفقرة «د»

• الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.

– الفقرة «ط»:

• …أرض لبنان واحدة… في ظل سيادة القانون… فلا فرز للشعب… ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين.

هذه المبادئ والفقرات استللتُها، حرفياً، من وثيقة الوفاق والقرارات العربية وبيانات اللجنة الثلاثية العليا، حول مؤتمر الطائف، وأوردت مضمونها في مقدمة الدستور ومَتْنه، عند وضع مشروع تعديله، بتكليف من مجلس الوزراء الذي وافق عليه ثمّ صدّقه مجلس النواب وأصدره رئيس الجمهورية بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990.

الى ذلك، في الكلام على رئيس الجمهورية، أورد إتفاق الطائف، ثمّ الدستور، أنه:

«رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان… وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لقرار مجلس الوزراء…»

كما ورد، في باب الإصلاحات تحت عنوان «اللامركزية الإدارية»، الفقرة «أ»:

الدولة اللبنانية دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزية قوية.

 

وتحت عنوان «المحاكم»: ضماناً لخضوع المسؤولين والمواطنين جميعاً لسيادة القانون… يُشكَّل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء… ويُنشأ مجلس دستوري… (تمّ ذلك بموجب قوانين خاصة).

وتحت عنوان: بسط سلطة الدولة (سيادتها) على كامل الأراضي اللبنانية:

«… تقوم حكومة الوفاق الوطني بوضع خطة أمنية مفصّلة مدتها سنة، هدفها بسط سلطة الدولة اللبنانية تدريجياً على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وتتسم خطوطها العريضة بالآتي:

1-الإعلان عن حل جميع الميليشيات والتنظيمات المسلحة اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية، خلال ستة أشهر تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني وانتخاب رئيس الجمهورية (5 تشرين الثاني 1989) وتشكيل حكومة الوفاق الوطني (23 تشرين الثاني 1989) وإقرار الإصلاحات السياسية بصورة دستورية (21/ أيلول 1990).

2-تعزيز قوى الأمن الداخلي… فتح باب التطوع والتدريب الدوري والمنظم… ضبط الدخول والخروج براً وبحراً وجواً.

3-تعزيز القوات المسلحة: الدفاع عن الوطن وحماية النظام.

توحيدها وإعـدادها وتدريبها لتصبح قادرة على تحمّل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة

العدوان الإسرائيلي.

4-حل مشكلة المهجرين اللبنانيين جذرياً.

5-وورد أيضاً: … حيث أن هدف الدولة اللبنانية هو بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية… ومن واقع العلاقات الأخوية التي تربط سوريا بلبنان، تقوم القوات السورية مشكورة بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في فترة زمنية محددة أقصاها سنتان تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني…

وفي نهاية هذه الفترة، تقرر الحكومتان إعادة تمركز القوات السورية… وإذا دعت الضرورة، في نقاط يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية لبنانية سورية مشتركة… كما يتم الإتفاق بين الحكومتين على تحديد حجم ومدة وجود القوات السورية… وتحديد علاقة هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية… واللجنة الثلاثية العربية العليا مستعدة لمساعدة الدولتين في الوصول الى هذا الإتفاق إذا رغبتا في ذلك.

وتحت عنوان تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي، أورد إتفاق الطائف:

أن إستعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلب الآتي :

أ-العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر القرارات القاضية بإزالة الإحتلال الإسرائيلي إزالة شاملة.

ب-التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949 م.

ح-إتخاذ الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الإحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً… والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الإنسحاب الإسرائيلي وإتاحة الفرصة لعودة الأمن والإستقرار الى منطقة الجنوب.

 

وينهي إتفاق الطائف بنوده محدداً العلاقة بين لبنان وسوريا بان غايتها «تحقيق مصلحة البلدين الشقيقين في إطار سيادة واستقلال كل منهما… وإن سوريا الحريصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق أبنائه لا تسمح (ولا تقوم طبعاً) بأي عمل يهدد أمنه واستقلاله وسيادته».

في بنود الإتفاق كلّها، كان هاجس السيادة والحرية والإستقلال مقيماً، وظلُّها وارفاً على المؤتمر، وشكّل نقطة مركزيّة في مداولات لجنة الصياغة… ولا بدّ من التنويه بالإجماع العربي، الممثَّل باللجنة الثلاثية العليا، المؤلفة من صاحبّي الجلالة ملكَي المغرب والعربية السعودية وسيادة الرئيس الجزائري، والمحاطة بشبكة أمان دولية، تجلّت في مسارعة مجلس الأمن مجتمعاً والأعضاء الخمسة الدائمين فيه الى الإشادة بالإنجاز «الذي توصّل إليه نواب لبنانيون»، كانوا آخر رموز الوحدة الوطنيّة والسلطة الشرعية، المتهالكة تحت مطارق التمرّد والإغتصاب، والمستضعَفة أمام العُدوان والانتهاب… وقد حيّا بيان مجلس الأمن، بإجماع الأعضاء الدائمين في 7/11/1989، النواب اللبنانيين مشيداً بإنجاز الإتفاق، «حفاظاً على سلامة لبنان وتأكيداً لوحدته الوطنية وسيادته، استقلاله وسلامة اراضيه»…

****

إن مجلس 1972، الذي كان آخر تعبير عن إرادة وطنيّة حرّة، ظلَّ يجهر بالحقيقة، وينبّه من مغبّة الإمعان في التنكّر لها. وأحرص على أن أوجّه الى الزملاء الذين لم يبقَ منهم على قيد الحياة إلاّ ثمانية عشر، تحيةَ المحبة والعرفان، مستمطراً الرحمة على الذين سبقونا الى ديار الحق، بما هم شهود الوفاق وشهداؤه، مؤكّداً إعتزازي بما أُنجز في أصعب الظروف، للحفاظ على لبنان، كياناً تعددياً موحّداً وجمهورية حضاريّة تراهن على المواطَنة الجامعة، لتكون شريكاً كاملاً في الإنسانيّة!

لا يزال إتفاق الطائف، بعد ثلاثين سنة من إقراره، وبالرغم من الدعوات والإدّعاءات والبيانات والتعهدات، بدون تطبيق: لم تتم مصالحة حقيقية ولا وفاق صحيح على أسس ومبادئ سليمة واضحة… لم تُحَلّ التنظيمات المسلّحة (باستثناء «القوات اللبنانية» التي بادرت الى تسليم سلاحها للدولة سنة 1990، وانصرفت الى العمل السياسي، فكانت الوحيدة التي دفعت الثمن المزدوج في الحرب والسلم…)، لم تبسط الدولة سيادتها على أرضها كلها بقواها الذاتية… ولم يضبط الدخول والخروج الى لبنان ومنه، وظلّت حدوده مشرعة، مباحة ومستباحة… ولا تزال.

لم تُصحح العلاقة بين لبنان وسوريا ولا طُبّقت إتفاقات ومعاهدات… لم يُنشَر الجيش على الحدود الدولية… لم يُعَدْ العمل باتفاقية الهدنة… لم يعد النظر في التقسيم الإداري، لم يوضع قانون انتخاب يؤمّن التمثيل الصحيح… لم تؤلّف الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية… لم تُعتمد الكفاءة والإختصاص في الوظائف العامة التي ما برحت أوقافاً طائفية ومخصّصات مذهبية تحزّبية، وأضحت المؤسّسات إقطاعات مُشَخْصَنة… لم تلتزم سوريا تعهداتها، ولم تتابع اللجنة العربية ما التزمته من مساعدة على تنفيذ الإتفاق… وما زالت السيادة، بعد ثلاثة عقود، في مهبّ المحاور الإقليمية، قَيْد الإصطفافات والعقد المذهبية والتحزبية، والجمهورية أَحياء مقفلة، مربّعات أمنية ومناطق محرّمة، عَصيّة على الدولة المركزية، والحكم رهينة المعادلات التسووية، تتقاذفه الأهواء وتتجاذبه الأطماع، بعقليّة المساومة والمرابحة و»التشبيح» على السلطة…

لم يلتق المسؤولون اللبنانيون على «قضيّة» ولا توحّدوا على «مبادئ» بل تجمّعوا حول مغانم ومصالح، وتنازعوا حصصاً… ناقضين عهدَ الحياة (معاً) وعقد الشراكة (في المسؤولية)، كما توخاه إتفاق الطائف، نصاً وروحاً.

في مواجهة الواقع المتردّي، والخطر الكياني، وبغياب النيّة الصادقة والإرادة الصلبة لتنفيذ الوثيقة وتطبيق الدستور، يبقى مَحطَّ الأمل بالمستقبل، جيل طالع من عُمق المأساة، وتراكم الخيبات، مؤهّل علماً وخُلُقاً، صَقلَته التجربة وعبّأتْه النقمة، يتزوّد بثقافة السيادة والحرية والإستقلال، ويتشرّب مبادئ «الوحدة الوطنية»، على مقاعد المدارس وفي أروقة الجامعات، ليحافظ على لبنان الرسالة، استحقاقاً لهُويّة استباحتها مراسيم التجنيس، خفّة وغَباء وإتجارا، وصوْناً لكرامة تخاطفتها عصبيات وتبعيّات، في عهدة طواقم الفشل والهباء المستنسخة !

إنّ الحلقة المفقودة في سلسلة الخلاص الوطني، هي المراجعة ذاتاً، والمحاسبة موضوعاً، التي على كل مسؤول أن يُجْريَها مع نفسه، بعيداً من النرجسيّة وادّعاء العصمة، وعلى الشعب أن يمارسها، لإنقاذ الوطن المُستباح، قبل تسليمه للتصفية المأسوية والتشتُّت على قارعة الأمم !..

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل