ما بين انهيار “انترا” وأزمة اليوم… أبعد من مؤامرة

يبدو أن مسلسل تقاذف الاتهامات بالمسؤولية عن تفاقم الوضع سوءاً سيشهد تمديداً لحلقاته، الطويلة أساساً. وذلك بعد تصعيد المشهد الدرامي إلى مستويات تراجيدية أخرى مع اتهام رئيس الجمهورية ميشال عون دوائر خارجية باستهداف ممنهج لعهده، بالتواطؤ مع متعاونين في الداخل، كما نُقل عنه.

يستعين عون بمخزون الذاكرة، ملمحاً إلى نظرية المؤامرة “الملتبسة” في قضية انهيار “بنك انترا” العام 1966، للمقارنة مع ما شهدته الأيام الماضية من تحركات شعبية وتهافت على الدولار جراء الشح في السيولة، متهماً بأن هناك على ما يبدو من يريد تعميم تجربة “انترا” على الدولة اللبنانية ككل.

هل فعلاً ما يشهده لبنان من أوضاع اقتصادية ومالية ونقدية متأزمة، والتحركات الشعبية الأخيرة وأزمة الدولار التي لم تنته فصولاً بعد على الرغم من الاستقرار النسبي إثر تعميم المصرف المركزي أول أمس الثلاثاء، هو أحد مظاهر مؤامرة “عابرة للحدود” تستهدف العهد، كما نُقل عن رئيس الجمهورية؟ وهل من أوجه شبه بين الوضع الحالي وبين الأوضاع يوم سقوط “انترا”؟

لا يوافق الخبير الاقتصادي الدكتور لويس حبيقة، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، على أن هناك “ترابطاً بين وضع الدولة اللبنانية الحالي وبين انهيار بنك انترا في ستينيات القرن الماضي، فهذان موضوعان غير مترابطين ببعضهما البعض أبداً، والمقارنة بينهما ليست علمية”، معتبراً أن “الظروف المحيطة والزمن والأشخاص المعنيين، كلها عوامل مختلفة كلياً”.

أما في ما يتعلق باستهداف العهد أو غيره، فيرى حبيقة أنه “يمكن أن يكون الوضع اللبناني كله مستهدفاً، وهذا ليس أمراً غريباً عجيباً يستتبع الدهشة”، مشيراً إلى “الحروب والصراعات التي شهدها لبنان، فهل نبتت حرب الـ75 وما قبلها وما بعدها هكذا فجأة؟”.

ويضيف، “لبنان معرض منذ عشرات السنين للتجاذبات والصراعات الدولية والإقليمية نظراً لوجوده وسط منطقة متوترة وملتهبة منذ عقود، ومن الطبيعي أنه يتأثر بكل ذلك”، لكنه يلفت إلى أن “المسألة هي في كيفية تعاطينا كلبنانيين مع هذه الأوضاع، وللأسف ينجر اللبنانيون إلى الصراعات بسبب عدم اتفاقهم على الأساسيات”.

ويرى حبيقة أن “رئيس الجمهورية، وبعد مضي ثلاث سنوات من عهده، يقوم من دون شك بمراجعة ما تم خلالها وما كان يرغب بالقيام به. وبالتأكيد، فإن الرئيس خلُص إلى أن النتائج ليست على قدر طموحاته. بالتالي، من الطبيعي أن يقوم بنوع من مراجعة انتقادية ذاتية، وبالنسبة إليه يرى أن التبريرات ضرورية”. ويشير في هذا الإطار إلى أنه “حتى بالتحدث إلى قيادات وأشخاص من حزب الرئيس (التيار الوطني الحر)، نرى أنهم كانوا ينتظرون نتائج مختلفة تماماً عن التي وصل العهد والبلد إليها. من هنا اللجوء إلى الحديث عن مؤامرات وما شابه، وهذا مفهوم”.

وما يتمناه الخبير الاقتصادي ذاته، أن “تكون السنوات الثلاث المقبلة أفضل بكثير، فهنا النقطة الأساسية. أما ما يسمى مؤامرات، أو عملياً الأصح، صراعات المحاور الدولية والإقليمية، فهي مستمرة ولن تتوقف فجأة. فالصراع الأميركي ـ الإيراني والسني ـ الشيعي والإيراني ـ الخليجي والفلسطيني ـ الإسرائيلي، وغيرها، مستمرة وتنعكس حكماً على لبنان، لكن نحن موضوع قابل، إذ إننا نتفق على القشور ونختلف على القضايا والتحديات الأساسية”.

ويلفت إلى أن “المهم كيف نتعاطى نحن كلبنانيين مع هذه الصراعات وننأى بأنفسنا عنها”، مشيراً إلى أننا “حتى اليوم لم نتمكن من بناء دولة ومجتمع موحد منصهر مع وجود أهداف مختلفة لدى مختلف الأطراف، وللأسف عشية حرب الـ75 كانت لدينا خلافات أقل من أيامنا الحاضرة”.

ويشدد حبيقة على أن “تبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية لا يفيد اليوم، بل يجب التركيز على معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية ومكافحة الفساد في سائر المؤسسات بشكل جدي وفاعل، لا على طريقة التفتيش عن كبش محرقة ما. ومن المعلوم أن رئيس الجمهورية أعلن منذ بداية عهده أن موضوع الفساد المستشري أساسي بالنسبة إليه، ونسمع اليوم عن توجه لمحاسبة الفاسدين، لكننا نريد أن نلمس هذا الأمر على أرض الواقع ومحاسبة كبار الفاسدين لا الموظفين الصغار الفقراء”.

ويضيف أن “الجميع تحدث عن مكافحة الفساد خلال السنوات الماضية لكننا لم نر فاسداً واحداً تمت محاسبته، فكيف سيثق الشعب بالسلطة؟”، معبّراً عن خوفه من أنه “قد لا يأتي عهد بقوة الرئيس عون بعد انتهاء ولايته أياً كان الرئيس المقبل، مع الدعم شبه الكامل السياسي والطائفي الذي حظي به العهد الحالي. فإن لم نستفد من فرصة وجود الرئيس القوي كما يوصف لإقامة دولة قوية وتحقيق إصلاحات جدية وبناء المؤسسات وإعادة بناء أركان الدولة الأساسية، فكيف سيكون الوضع في المستقبل؟”.

ويؤكد حبيقة أن “المطلوب التركيز على تحقيق أفضل النتائج في السنوات الثلاث المتبقية للعهد والتعويض عن السنوات الثلاث التي مضت، لتقوية مستقبل لبنان للأجيال المقبلة”. وأعرب عن سروره بـ”عودة الرئيس عون في الفترة الأخيرة للإمساك شخصياً بالأمور والمسائل المطروحة عن كثب، كما لاحظنا من سلسلة الاجتماعات واللقاءات التي يعقدها مع المسؤولين المعنيين”، مشدداً على أنه “لا يمكن لرئيس الجمهورية الاتكاء على رئيس الوزراء أو بعض المقربين والمستشارين لملاحقة الملفات، بل عليه الإمساك بها والإشراف عليها ومتابعتها شخصياً، فجلوس الرئيس إلى رأس الطاولة يحدث فرقاً كبيراً”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل