حرب التحرير والطريق الى الطائف – 1

كتبت “المسيرة” – العدد 1699

سركيس نعوم – (من كتاب «ميشال عون… حلم أم وهم») – 1

حرب التحرير والطريق الى الطائف

أسرار اللقاءات من بكركي الى الكرنتينا الى بعبدا

 

بكركي والنواب وعون

في النصف الثاني من شهر حزيران 1989، وتحديدًا في الثامن عشر منه، غادر البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير لبنان الى الفاتيكان على رأس وفد من 11 مطراناً للبحث مع البابا والمسؤولين الكبار في الكرسي الرسولي في وضع لبنان بعد التدهور الخطير الذي حصل إبان حرب التحرير التي كانت لا تزال مستمرة. وفي أثناء إقامته هناك إلتقى في روما رئيس مجلس النواب حسين الحسيني ثلاث مرات، كما التقيا رفيق الحريري. وقيل يومها إن الحسيني ذهب خصيصًا الى العاصمة الإيطالية للإجتماع الى صفير والبحث معه في حلول معينة للمشكلة اللبنانية. وقد ركز الإثنان في مباحثاتهما على الإصلاحات السياسية التي لا يمكن وقف الحرب من دونها. وكذلك على ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لسد الفراغ الحاصل منذ تعذر انتخاب خلف للرئيس أمين الجميل قبل انتهاء ولايته في 23 أيلول 1988. ولكي لا يبقى البحث في إطار العموميات، أطلع الحسيني صفير على مشروع حل تبيّن في ما بعد أن إتفاق الطائف نسخة منقحة عنه، وتدارسه وإياه نقطة نقطة وبندًا بندًا.

وبعد البحث والدرس وضع البطريرك ملاحظات على بعض ما ورد في المشروع الذي بدا أنه يصلح في رأيهما لأن يكون نقطة إنطلاق لتفاهم اللبنانيين في ما بينهم. وفي أثناء البحث في العلاقات بين لبنان وسوريا، طرح الحسيني فكرة أن يقوم صفير بزيارة دمشق تلبية لدعوة رسمية معتبرًا أنها يمكن أن تكون مدخلاً لوقف النار ولطرح مشروع الحل، وكذلك لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وعندما عاد البطريرك صفير الى لبنان وجد أن الجو الشعبي، ولا سيما في المنطقة الشرقية، لا يتلاءم مع الطروحات التي بحث فيها في روما مع الرئيس الحسيني.

أول نشاط سياسي قام به بعد العودة كان ترؤسه إجتماعًا موسعًا للنواب المسيحيين في بكركي، جرى خلاله التداول في الوضع في ضوء المباحثات التي أجراها في الفاتيكان، وكذلك في ضوء تحرك اللجنة الثلاثية العربية العليا، فضلاً عن التحركات الداخلية المتفرقة. واللافت في ذلك الإجتماع أن النواب وبكركي في الوقت نفسه بدوا على مسافة متوازية من العماد ميشال عون ومن سوريا، وقد ظهر ذلك بوضوح في البيان الذي صدر بعد الإجتماع وقد أزعج ذلك عون، إذ اعتبر أن القصد من موقف كهذا هو إجهاض التحرك العربي والدولي الجاري والمتفهّم وجهة نظره والمطالب. كما اعتبره (أي الموقف) ضربة من الداخل حضّرتها له الولايات المتحدة الأميركية. ومن يومها بدأت حرب فعلية بينه وبين بكركي والنواب.

وفي محاولة للملمة الصف المسيحي ولمواجهة المواقف المستجدة بصف موحّد، رأت بكركي والنواب أن أفضل طريقة هي في تأليف لجنة نيابية تمثل النواب المسيحيين المقيمين في الشرقية وانصرافها الى العمل في بكركي وبرئاسة البطريرك صفير من أجل إيجاد القواسم المشتركة والمواقف. وأُلِّفت اللجنة على النحو الآتي: النواب ميشال ساسين (حزب الوطنيين الأحرار) وخاتشيك بابكيان (كتلة النواب الأرمن) ونصري المعلوف (روم كاثوليك) وجورج سعاده (حزب الكتائب) وبطرس حرب (الموارنة المستقلون) والعقيد عامر شهاب (ممثلاً العماد عون) وجورج عدوان (القوات اللبنانية).

عقدت هذه اللجنة تسعة إجتماعات في بكركي في شهري آب وأيلول 1989 جرى خلالها البحث في الموقف السياسي الواجب اتخاذه من كل ما يجري، بدءًا بمشروع وقف النار الذي طرحته اللجنة الثلاثية العربية العليا، وانتهاء بدعوة النواب الى الإجتماع في الطائف للتفاهم على ميثاق وطني جديد.

 

ماذا جرى في الإجتماعات التسعة هذه؟

في الإجتماعات الأولى تلا البطريرك صفير المشروع الذي كان عرضه عليه الرئيس الحسيني في روما والذي درسه معه في حينه، وطالبهم بإبداء رأيهم فيه. فامتنعوا عن ذلك في البداية مطالبين بتوزيع المشروع عليهم كي يتمكنوا من درسه بإمعان. لكنهم عادوا عن إمتناعهم نظرًا الى التحفّظ على مطلبهم الذي عزاه صفير الى عدم الرغبة في رؤية المشروع يُتداول إعلاميًا. وكانت أكثريتهم متحفظة ومعارضة لما ورد فيه. عندما قال صفير: «إنه ليس لديه إلمامًا بالمسائل الدستورية. وإنه لذلك يعرض المشروع عليهم».

وفي الإجتماعات التي تلت تركز البحث على ضرورة إيجاد مخرج من الأزمة القائمة وفق صيغة يقبلها المسلمون، الأمر الذي يؤدي الى رفع الصفة الداخلية للصراع الدائر والى حصر البحث في موضوع إنسحاب الجيوش الأجنبية من لبنان. وهنا اقترح عدد من النواب من بينهم بطرس حرب تأليف لجنة تتولى الإتصال بالحسيني لمعرفة ما إذا كان ممكناً التوصل معه ومع رفاقه الى صيغة توفيقية. قُبل الإقتراح وتألفت اللجنة من حرب وخاتشيك بابكيان ونصري المعلوف.

وبعد إجتماعين مع رئيس مجلس النواب، كوّنت اللجنة إنطباعًا يشير الى إستحالة إدخال أي تعديل على المشروع الذي بحث فيه صفير والحسيني في روما. ويشير أيضًا الى وجود مشروع شبه جاهز غير قابل للتعديل ليُعرض على النواب اللبنانيين للبحث فيه عند اجتماعهم خارج لبنان وفقاً للنقاط السبع التي أعلنتها في ما بعد اللجنة الثلاثية العربية العليا. وأبلغت ذلك الى «إجتماع بكركي» الذي انبثقت عنه، والذي عقد سلسلة إجتماعات لاحقة لاتخاذ موقف من المشروع المعروض، وكانت المواقف في تلك الإجتماعات على النحو الآتي:

البطريرك صفير: بدا البطريرك الماروني باحثاً عن مخرج بأي ثمن ومحاولاً أن يتم إيجاده باختيار من النواب لا باقتراح منه وموقف.

ميشال ساسين: رفض على نحو قاطع إجتماع النواب خارج لبنان، وقال إن المطلوب هو عقد الإجتماع في لبنان.

جورج سعاده: قال إن المشروع المعروض مرفوض كليًا لجهة الإنسحابات والإصلاحات، وإنه لا يمكن قبوله تبعًا لذلك. أما إجتماع النواب خارج لبنان فقضية يجب البحث فيها والتفاهم عليها مسبقاً مع النواب ومع العماد عون.

بطرس حرب: إعتبر أن رفض الذهاب الى الخارج أي الى الطائف سيهدد مؤسسة مجلس النواب بخطر الزوال النهائي، وينهي دورها. واعتبر أيضًا أن المشروع المعروض غير مقبول بصيغته الحاضرة، ودعا الى تعديله من خلال الحوار مع الفريق الآخر.

رينيه معوض: قال إن المشروع المعروض يشكل «باكاج ديل»، أي صفقة متكاملة، فإما يُقبل كله أو يُرفض كله.

جورج عدوان: إعتبر المشروع المعروض مرفوضًا لأسباب وطنية، لكنه شدد على أن أهم شيء في تلك المرحلة هو وحدة الموقف ووحدة الصف. فإذا كان الهدف الأساسي منه ذهاب عون فإن الرهان على ذلك سينعكس سلبًا على لبنان، لأنه من الخطأ الإعتقاد أن في الإمكان إقصاء عون عن الحل. واعتبر أن النواب لا يستطيعون إتخاذ موقف من دون موافقة عون ومن دون التنسيق معه، وأن أي موقف ينبع من وحدة الصف جيد، وأن أفضل موقف يصبح سيئاً إذا واجه معارضة كبيرة وقوية. وأيّد إجتماع النواب في لبنان وشدد على الفصل بين الإنسحابات والإصلاحات، وعلى إعطاء الفريق الآخر ما يمكن إعطاؤه في مجال الإصلاح، وعلى أخذ اللازم على صعيد الإستقلال الوطني.

خاتشيك بابكيان: تغيّرت مواقفه خلال الإجتماعات، في البداية كان رافضًا المشروع المعروض، وكذلك إجتماع النواب خارج لبنان، لكنه أصبح في ما بعد موافقاً على الأمرين.

نصري المعلوف: أيّد الذهاب الى الطائف ورفض المشروع المعروض. وقال إنه سيضع مشروعًا بديلاً منه يعرضه في الإجتماع النيابي في الخارج بالإتفاق مع النواب المسيحيين، فإذا وافق عليه المسلمون عال، وإذا رفضوه يتحمّلون هم مسؤولية الرفض لا المسيحيين.

عامر شهاب: أبلغ الى النواب أن عون يعارض إجتماع النواب في الخارج، وأوضح لهم أن إعتقاد البعض أن الإتفاق الذي سيتوصل إليه في الطائف سيؤدي الى إزاحة عون في غير محله. وعلى هذا البعض أن يعرف سلفا أن عون لن يذهب وإن نُفذ الإتفاق. وقال إن عون يعرف كل ما يحضّره النواب ونبّههم الى أن هذا الموضوع لن ينتهي باجتماعات، لكنه سيؤدي الى معركة كسر عظم لا رحمة فيها. وطلب منهم أن يتحمّلوا مسؤولياتهم كاملة وذلك بمعرفة موقف عون سلفاً. وشدد على أن «العماد عون يقوم بحرب تحرير، وهو ليس مهتمًا بالإصلاحات. يجب أن تُخصصوا الأولوية للإنسحابات، والإصلاحات تأتي بعد ذلك. يجب أن تعرفوا أن هذا الموضوع ليس مناورة سياسية، وهو لا ينتهي كما تعتقدون».

وهنا سأله البطريرك صفير عن الذي يقصده بقوله، أجاب: «أبلغكم أننا سنروح في هذه المعركة الى الآخر. إنها مسألة حياة أو موت، وعلى الجميع تحمّل نتائج إجتماعات الطائف وما بعد إجتماعات الطائف. نحن ذاهبون الى الآخر، لا تقولوا إننا لم نقل لكم».

الواقعي الوحيد من بين النواب في ذلك الوقت كان الرئيس الراحل رينيه معوض الذي قال لجورج عدوان عندما سمع زملاءه يتحدثون عن تصميمهم على الذهاب الى الطائف ولكن من أجل وضع مشروع حل جديد: «أريد أن أصارحك. ما يُطرح أمامك غير صحيح. هذه القصة إما تحصل كما هي أو لا تحصل. وكل ما يقولونه غير مضبوط. المشروع المعروض عربي لا يمكن تعديل حرف واحد منه، إما يؤخذ كما هو بحسناته وسيئاته، وإما يُرفض. هناك خياران فقط القبول أو الرفض، والتعديل ليس واحدًا منهما».

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل