طرابلس تغلي: “خنقونا والله… بدنا نفلّ”

حالة الغليان الشعبي تتفاقم، والتحركات الشعبية في ساحات وشوارع بيروت وطرابلس وصيدا وسائر المناطق اللبنانية المطالبة برحيل العهد والحكومة، استمرت للأحد الثاني على التوالي بوتيرة “تحذيرية”، لكن مع التأكيد على الاتجاه نحو التصعيد. وأولى البشائر عودة العسكريّين المتقاعدين إلى “حلبة الشارع”، غداً الأربعاء، رفضاً لسياسة الحكومة الجائرة.

أول أمس الأحد، عاود الطرابلسيون النزول إلى ساحات “أم الفقير” وشوارعها ليعبّروا عن وجعهم، وليطلقوا صرخات الغضب والاحتجاج على أوضاعهم المعيشية المأسوية، رافعين الشعارات في وجه السلطة وأصحاب رأس المال من مشارب سياسية مختلفة. والمثير للانتباه، لافتات كتب عليها “أحب كندا.. نود الهجرة إلى كندا”، ما يذكّر بتظاهرة الطرابلسيين أمام أبواب السفارة الكندية في بيروت، أواخر آب الماضي، للمطالبة بفتح أبواب الهجرة.

“نزلنا إلى الشارع لأن وجعنا كبير. لا أشغال في البلد. شركات ومؤسسات ومحال تفلس وتقفل أبوابها، ويهددوننا بالقمع وبسوق الناشطين إلى السجون. لكن لم يبق لدينا شيء نخسره، السجن الصغير أفضل من الكبير، (أو فلّوا عنا أو اتركونا نفلّ… بدنا نفلّ من لبنان)”.

هذه الصرخة التي أطلقها مواطن طرابلسي، تختصر مرحلة اليأس التي بلغها أبناء أفقر مدينة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، علماً أن فيها متمولين من أصحاب المليارات. في وقت، كان مواطن آخر يقول بغصّة “لا كهرباء لا ماء لا عمل، هناك عائلات تطعم أطفالها مرة في اليوم ولا تستطيع إعطاءهم سندويش إلى المدرسة، في حال كانوا في المدرسة أساساً”. ليسأل آخر: “ماذا ينتظرون؟ ناطرين الناس تاكل بعضها؟ تعبنا من الظلم والفقر والقرف، جوّعونا، خنقونا والله، يكفي، سنتوجه إلى أبواب السفارات للهجرة، الله لا يسامحهم”.

كثير من المراقبين يرون أن ما يطفو على “سطح الشارع” من مشاعر متأججة ليس سوى رأس جبل الجليد الذي يهدد بغرق البلد، ما لم يتم إيجاد حلول آنية سريعة بدايةً للأزمة الأخيرة التي انفجرت إثر شح السيولة بالدولار، واتخاذ إجراءات وقرارات إصلاحية فعلية تستثني الضرائب على المواطنين المسحوقين الذين لم يعد بإمكانهم التحمُّل. إجراءات تواكب موازنة العام 2020 وتُدرج في متنها، وهي التي دخلت أسبوعها الحكومي الأخير قبل الإحالة إلى مجلس النواب.

رئيس جمعية تجار لبنان الشمالي أسعد الحريري يؤكد في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن “الأخبار لا تطمئن ولا تبشّر بالخير. موجة الضيق أصبحت عالية والتدهور إلى تزايد وفرص العمل إلى انحسار والبطالة إلى ارتفاع”، مشدداً على أننا “في أزمة فعلية ومقبلون على شهرين صعبين على أبواب الشتاء، خصوصاً في ظل ما يتردد عن صعوبات تحيط بتفعيل وتنفيذ مقررات مؤتمر سيدر”.

ويكشف الحريري لموقع “القوات” عن وقائع مفجعة تعانيها طرابلس، والشمال عموماً، فالمؤسسات التي أقفلت بالآلاف، وعلى سبيل المثال، “كان لدينا نحو 5000 آلاف مؤسسة تعمل في قطاع المفروشات، وكنا نؤمّن المفروشات ونلبّي كل المناطق اللبنانية ونصدّر قسماً منها، لم يبقَ اليوم سوى 30 مؤسسة تعمل في هذا القطاع، وهذا دليل واضح على حجم الأزمة. والحرفيون في طريقهم إلى الانقراض في البلد، مع ما يستتبع ذلك من بطالة وأزمات اجتماعية”.

ويشير إلى أن “التحركات الشعبية التي تشهدها طرابلس موجّهة باتجاه رأس المال. فلا نلاحظ أن هناك أحداً يضيء شمعة بل يختبئون خلف لعن الظلام. وُعدنا بـ900 ألف فرصة عمل في لبنان، فلو يقوم المتمولون بتأمين بعض فرص العمل وبتشجيع الصناعة والزراعة، كل من ناحيته، لاختلف الوضع قليلاً، إذ هي سلسلة مترابطة. لكن لا أحد يفكر في هذا الأمر”.

ويتوقع الحريري أن “تتجه الأمور إلى التصعيد أكثر في طرابلس وأن تصبح التحركات مثل كرة الثلج، إذ لا أحد يمكن أن يستمر بالتعايش مع هذا الوضع”. ويضيف: “ليدلّونا على ملف واحد نجحت فيه الحكومة، من الكهرباء إلى الطرقات والنقل والسير والبيئة والتربية والصحة وغيرها، تراجع إلى الوراء في كل الملفات”.

ويلفت إلى أنه “حين يكون ضبط مخالفة السير مليون ليرة لبنانية مثلاً، هذا يعني أن المسؤولين يعيشون على كوكب آخر ولا يفهمون طبيعة الأزمة ولا يدرون بأمور الناس ولا يشعرون بأوجاعهم”، ويسأل: “هل نحن في كاليفورنيا أو نيويورك ليكون ضبط السير أعلى من الحد الأدنى للأجور؟”.

من جهته، يؤكد أحداهالي طرابلس الشيخ نبيل رحيم لموقع “القوات”، أن “وضع البلد الاقتصادي غير خافٍ على أحد. لبنان كله يعاني، لكن معاناة طرابلس بشكل خاص أكبر من باقي المناطق. المؤسسات والمحال تقفل، ونسبة البطالة والتسرب المدرسي في المدينة ازدادت وكثير من الأهالي لا يملكون مالاً لتسجيل أولادهم حتى في المدارس الرسمية، عدا عن ثمن الكتب والقرطاسية. بالإضافة إلى أوضاع الكهرباء والمياه وسائر الخدمات المعروفة”.

ويضيف أن “مسألة الدولار لا أحد يعرف علام سترسو. فعلى سبيل المثال، منذ نحو ثلاثة أسابيع كان سعر كيلو العسل 20 ألف ل. ل، بالأمس وصل إلى 30 ألف ل. ل، أي بزيادة 10 آلاف ل. ل خلال هذه الفترة القصيرة، وتبرير البائع أن ارتفاع السعر مرتبط بسعر صرف الدولار، وقِس على سائر المنتوجات الغذائية”.

ويرى رحيم أن “الوضع الاقتصادي السيِّئ يدفع الناس إلى التحرك ورفع الصوت والنزول أحياناً إلى الشارع، كما حصل في بيروت وطرابلس وسائر المناطق”. ويكشف أيضاً عن أن “تجار الموبيليا الذين كانوا يقصدون طرابلس من بيروت والجبل والجنوب لتأمين طلباتهم انقطعوا عن المجيء”.

ويشير إلى أن “الجميع يتحدث عن وضع اقتصادي سيِّئ منهار في البلد. وبحسب وعيي، لم نمر بظروف مادية صعبة كالتي نعيشها”. ويلفت إلى أنه “في حال لم تحصل معالجات سريعة من قبل الحكومة، الأمور ستتجه أكثر نحو التصعيد”، مضيفا: “لم أقابل شاباً إلا وقال لي أتمنى أن أهاجر إلى كندا أو أستراليا أو الولايات المتحدة أو أوروبا، فالناس فقدت الأمل في البلد للأسف”.

ويوجّه الشيخ رحيم “نداء إلى المسؤولين على رأس السلطات كافة، والحكومة، للنظر إلى واقع الناس المعتّرين الفقراء والاهتمام بهم في أسرع ما يمكن”، مشدداً على أنه “ضد أي تصرف يهين أي شخصية، ولا بد للأمور أن تبقى في إطار الاحترام للآخرين، مع التأكيد على حق المطالبة بالحقوق”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل