لبنان اليوم جزيرة معزولة… والمفتاح في معراب

لا تزال انظار الدول المانحة والداعمة لمقررات مؤتمر “سيدر” بانتظار “العجيبة” التي ستصدر عن الاصلاحات المطلوبة من الحكومة لتفرج عن اموال وعدنا بها علها تنقذ ما تبقى من لبناننا المهترئ والمثقل بقلة المسؤولية.

ومع مرور الايام وساعات الانتظار، تبقى آمال اللبنانيين رهينة تلك الاصلاحات والاموال الراقدة في غرفة عناية الدول المانحة، إذا ان الموت السريري للاقتصاد اللبناني لم يعد بحاجة لتلك الاموال فقط، انما لعناية الهية لتعيد انعاشه من جديد.

وما بين أموال “سيدر” ومطرقة العقوبات الاميركية، يشعر اللبنانيون وكأنهم يعيشون على جزيرة معزولة تجتاحها الامواج من كل حدب وصوب، وسط غياب تام من المعنيين القميين على حكم البلاد.

وفي ظل الوضع الاقتصادي المتأرجح، فُتحت نافذة أمل إماراتية خلال زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري أبو ظبي، تُترجم بعودة العرب الى لبنان لكنها ليست عودة مجانية إنما مشروطة.

وعوضاً عن الشروط والقروض والاستدانة، وضع رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع اللبنانيين أمام خيارين “محليّيَن”، للخروج من الأزمة الاقتصادية القائمة.

وقبل البدء بملف الاصلاحات، طغى ملف العقوبات على غيره من الملفات الثقيلة، اذا قال مصدر دبلوماسي غربي لـ”الشرق الأوسط” إن شيئاً لم يتغير على أرض الواقع، موضحاً أن “هناك جيشين في لبنان، أحدهما غير شرعي وقراره من خارج الحدود، ويكفي أن يصدر من هناك الأمر، أو أن يتفلت بعض أعضاء الميليشيا من قيود قيادتهم لتتحول الأمور إلى مواجهة كبرى قد تؤدي بلبنان إلى ما لا يحمد عقباه. وأخذ بشدة على القيادات اللبنانية “تساهلها مع هذا الواقع الذي تقوم فيه دولة داخل الدولة، وتهدد المصالح الوطنية العليا وأمن لبنان واستقراره”، معدّاً أن “الخطوة الأولى هي الاعتراف بوجود مشكلة”.

ونبّه المصدر إلى أن هناك في واشنطن من يؤيد فرض عقوبات على الحكومة اللبنانية، مشيراً إلى أن “ثمة نقاشاً كبيراً في الولايات المتحدة حول ذلك، وهناك من يضغط من أجل تصرف متشدد ما دام أداء القيادات اللبنانية لم يتغير”.

وبالعودة إلى ملف “سيدر”، ينقل عن مصدر دبلوماسي معني بـ”سيدر” قوله لـ”الشرق الاوسط”، إن “الاصلاح لا يكفي الإرادة والعزم، لأن هذه الارادة في لبنان متعددة الرؤوس والغايات، وهي بطبيعتها متناقضة نتيجة ما يسمى توازنات دقيقة، ففي لبنان لا يوجد رأس واحد في الدولة، ولا يحكم لبنان وفق سياسة الحزب الواحد، ولبنان في مأزق مستمر منذ فترة ما بعد الحرب الاهلية، ويتمثل هذا المأزق بنشوب الخلافات على كل المواضيع المطروحة الكبيرة منها والصغيرة، لذلك نسأل دائماً، هل إصلاح الإدارة في لبنان من كل ما يعتريها من موبقات وفساد أمر ممكن وقابل للتحقيق بإرادة كل الفرقاء السياسيين، بعدما وصلت الأمور إلى مرحلة لم تعد تنفع معها المسكنات والمساعدات إنما إجراءات جذرية تقلب الأمور رأساً على عقب؟”.

ويؤكد المصدر أن “لبنان لا يحتاج الى قوانين وتشريعات، وهي كثيرة ومتوافرة، انما يحتاج الى اشخاص يطبقونها، أما إذا استمر الوضع على حاله فإنّ الخطر الواصل إليه البلد هو تغيير هوية ووجه وتاريخ لبنان تحت عنوان الانهيار”.

وفي ما يخص العودة العربية إلى لبنان، أكد مصدر وزاري لـ”النهار” ان سلة الحريري لن تكون فارغة من زيارته لدولة الامارات العربية المتحدة. فإلى الملتقى الاستثماري الاماراتي – اللبناني، الذي كشف رغبات اماراتية في الاستثمار في مجالات لبنانية عدة، سيتحوّل توقع المساعدة المالية للبنان حقيقة ملموسة بعد التأكد من مضيّه في مسيرة اصلاحية لا تضيع معها الجهود والمساعدات كما في حالات سابقة. وقال المصدر ان “الزمن تحول، ولا مساعدات وهبات مجانية بعد اليوم، انما استثمارات وشراكات حقيقية متى توافرت الظروف المهيأة لها”.

وفي ظل تقاذف المسؤوليات، سهّل جعجع الأمور على الجميع واضعاً اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما. ورأى أن “أمام اللبنانيين خيارين اثنين للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية التي يعاني منها لبنان، الأول على المدى المتوسط من خلال الانتخابات النيابية في العام 2022، فالتغيير بين أيدي اللبنانيين، وهذه الديمقراطية هي ثروة كبيرة يملكها الشعب اللبناني ولكنه لا يستعملها، الناس يشكون ويئنون من الوضع في حين ان التغيير في يدّ كلّ واحد منّا من خلال صندوق الاقتراع”.

وأضاف، “أما الخيار الثاني على المدى المباشر فهو أن نبدّل الحكومة الحالية بحكومة أخرى مختلفة، فمنذ عشر سنوات حتى اليوم نرى الأكثرية الوزراية نفسها، تتغيّر بعض الوجوه ولكن القوى الفعلية هي نفسها، طبعاً ليست قادرة على فعل شيء، وقد طرحتُ شخصياً هذا الأمر خلال الاجتماع الاقتصادي ـ المالي لإعلان حالة طوارئ اقتصادية في بعبدا، بحيث طالبتُ بإفساح المجال لتشكيل حكومة من أخصائيين وتقنيين من أحجام كبيرة، ولندعها تعمل لإنقاذ الوضع لأن الأكثرية الوزارية لو كانت قادرة على إنقاذ الوضع لما أوصلته الى هنا”.

هذا على الصعيدين الاقتصادي الداخلي والعقوبات الخارجية، اما بالنسبة للحياة السياسية الداخلية، فجّر حزب القوات اللبنانية ومعه التيار الوطني الحر، قنبلة الميثاقية امام قانون رئيس مجلس النواب نبيه بري الانتخابي.

من جهة أخرى، بعيدة عن لغة الارقام والاموال وعن لهجة واشنطن التصعيدية حيال الحكومة، انفجرت قنبلة الميثاقية في وجه قانون بري الانتخابي، واذا كان التباعد السياسي فرق بين “القوات” و”الوطني الحر”، فإن مصيبة القانون الانتخابي المطروح تجمع.

وفي السياق، تعقد اللجان النيابية المشتركة جلسة اليوم في مجلس النواب حيث من المتوقع أن تدرس اقتراح قانون الانتخاب المقدّم من كتلة “التنمية والتحرير” والذي ينصّ على اعتماد لبنان دائرة واحدة على أساس النسبيّة. إذا يسجَّل رفض مسيحي عارم لهذا القانون الذي يُنادي به رئيس مجلس النواب نبيه برّي منذ مدّة لأنه يقضي على صحّة التمثيل ويُعيد لبنان إلى زمن اختلال التوازن، من دون أن يُحقّق أي خرق في التركيبة الحالية أو الإصلاح المنشود.

وعلمت “نداء الوطن” أن هناك تنسيقاً يجري على قدم وساق بين نواب “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحرّ” في هذا الملف، وقد تصل الأمور إلى حدّ الانسحاب من الجلسة لتفقد بذلك ميثاقيتها في ظل غياب المكوّن المسيحي. وتقول مصادر قريبة من “القوات” لـ”نداء الوطن” إن “الهدف الأساس من قانون الانتخابات كان وسيبقى منح المكوّن المسيحي القدرة على انتخاب أكبر عدد ممكن من النواب الذين يمثلونه (من إجمالي المقاعد الـ64 المخصصة له) وتحقيق المناصفة الفعلية لا الصورية انطلاقاً من خلفيات دستورية وميثاقية ووطنية، بالإضافة الى جملة أهداف أخرى كإعطاء الإمكانية للأقليات للوصول الى البرلمان والمشاركة في صنع القرار الوطني، إلا أن تحقيق المناصفة يبقى في قمّة الأولويات، ومن هنا يقتضي تشريح اقتراح الرئيس بري على ضوء هذا الهدف.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل