البطريرك صفير والطائف – 1

كتبت “المسيرة” – العدد 1699

البطريرك صفير والطائف

المحاضر من كتاب حارس الذاكرة ـ البطريرك مار نصرالله بطرس صفير ـ الجزء الخامس (1)

 

على طريقته في تدوين يومياته، سجل البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في العام 1989 كل ما حصل معه من إتصالات مواكبة للتحضير لاتفاق الطائف، من بدء الإعداد له حتى ما بعد إنجازه. يمكن القول إن البطريرك صفير كان محور كل هذه الإتصالات، وهو لم يتوانَ عن متابعة كل الأحداث التي كان شريكاً فيها أو مراقبًا لها من مقره في بكركي، الى زياراته الخارجية وخصوصًا في روما. كل الأنظار كانت متوجهة إليه. يوافق أو لا يوافق. يدعم أو لا يدعم. يتبنّى أو لا يتبنّى. كعادته أخذ القرار ومشى. كان همه الأول والأخير أن يخرج لبنان من دائرة الحرب معتبرًا أن ثمن هذا الخروج يبقى أقل كلفة من إستمرار المعارك التي رأى أنها ستؤدي الى إنهاء الوجود المسيحي في لبنان، وطناً ودولة ومؤسسات. لذلك كانت كلمته كلمة، وكان مقتنعًا بأن ما يفعله هو عين الصواب. لقد أخذ بالإعتبار ما يمكن أن يتعرّض له من إنتقادات، ولكنه كان يعرف أن المسؤولية الأكبر ملقاة على كتفيه، على قاعدة ما كان قاله يوم تنصيبه: «خلّص شعبك». وإذ فعل ذلك فاته أنه يمكن أن يتعرّض شخصيًا للإهانة، وأن تتعرّض حرمة بكركي للمهانة. ومع ذلك بقي صامدًا في موقعه، مؤمناً بأن ما قام به هو الصحّ، وبأنه لا يصحّ إلا الصحيح.

من يوميات البطريرك المرافقة لاتفاق الطائف، هذا بعض ما سجله في أربع محطات عندما بدأت أولى المظاهرات الى بكركي بعد اندلاع حرب التحرير وتعرّض المتظاهرين له بالكلام المسيء، مرورًا باجتماعين عقدهما مع العماد ميشال عون الذي كان رئيسًا للحكومة العسكرية، وصولاً الى يوم الإعتداء عليه في بكركي عندما اعتبر أنه كان ينتظر الموت بإيمان.

 

بول بلان سفير فرنسا يشهد: نماذج التظاهرات الحامية الى بكركي!

الخميس 20/4/1989

جاء يخبرنا عما قام به من نشاط إنساني مع الوزير برنارد كوشنير وقد أخذت الباخرة الفرنسية La Monce 11 جريحًا من الأطفال من المنطقة الشرقية و70 جريحًا من المنطقة الغربية لمعالجتهم في فرنسا. وقد شكرنا له إهتمام رئيس الجمهورية الفرنسية بالقضية اللبنانية بناء على النداء الذي بعثنا به إليه بواسطة السفير بلان، وقد أخبرنا هذا الأخير أنه أرسله إليه بعد إستلامه إياه بساعتين.

وفي أثناء مقابلتنا للسفير، جاءت تظاهرة من أبناء القرى المجاورة: غوسطا، درعون، معراب، بطحا، إستنكارًا للبيان الذي أصدره النواب من بكركي. فقطعنا المقابلة وألقينا فيهم كلمة شددنا فيها على الحرية والديمقراطية، وقوبلت الكلمة بالتصفيق.

وعقبت هذه التظاهرة تظاهرة ثانية من عين الرمانة وصربا وسواهما، وقد حملوا صليبًا كبيرًا كتب عليه الإحتلال، وألقوا عليه شابًا ورفعوه على الأكف ورفعوا لافتات تندّد بالنواب وتؤيد العماد ميشال عون بالإضافة الى صور له. وقد تلفّط بعضهم بكلام نابٍ من مثل: بدنا بطرك لبناني ما بدنا بطرك سوري، ووصلت الوقاحة ببعضهم الى حدّ خلع حذائه ورميه من الساحة الخارجية الى الواجهة الزجاجية، وذلك قبل أن نصل ونطل على المتظاهرين.

وقد ذكرتنا هذه التظاهرة بالتظاهرات التي كانت تؤم بكركي في عهد المثلث الرحمة البطريرك المعوشي وسلفنا البطريرك خريش، وقد لقبوا الأول بمحمد المعوشي والثاني نعتوه بالفلسطيني، وتبيّن أن وراء هذه التظاهرات إستخبارات الجيش. وكان قد سبق الجنرال عون أن إتهم الكنيسة بالخوف من قول الحقيقة، والنواب بالخيانة، وكأنه يريد أن يلغي آخر مظهر من مظاهر الديمقراطية في لبنان.

 

زيارة العماد ميشال عون المحزنة الى بعبدا: الوقت لم يحن لديه بعد للحل!

الأربعاء 16/8/1989

رأينا أن ما قاله جورج سعاده وداني شمعون بشأن زيارة العماد عون مفيد. فاتصل أمين السر الخوري ميشال عويط بقصر بعبدا وظن أنه يخاطب أحد المكلفين بالهاتف، فإذ بالعماد عون عينه هو من تلقى المكالمة. فكلمناه وطلبنا موعدًا، فقال ساعة تشاء أنا مقيم هنا. وكلما عجّلت، كان من الأفضل قبل أن يستأنف السوريون القصف فتنقطع الطريق.

في الثانية، تركنا بكركي في سيارة البطريركية، يتقدمنا جيب أمن عام. قطعنا المسافة بين بكركي وبعبدا بأقل من نصف ساعة، ولا سيارات على الطريق إلا القليل والأسواق مقفلة ومقفرة ولا يرى الرائي إلا أبوابًا مخلّعة وجدراناً في البنايات مثقوبة ومسودّة، وبكلمة: الخراب سائد.

وقفت بنا السيارة قبل مدخل القصر بمقدار مائتي متر لأن ساحة القصر ملأى بالجور والثقوب الكبيرة جرّاء القصف والأشجار المحيطة به أكلتها النار. والقصر أصبح غير قابل للسكن، فلا ترى إلا جدراناً مثقوبة وزجاجًا مكسورًا. منظر كئيب حزين. كان هناك شلّة من الجيش على مدخل القصر تأخذ التحية، وشلّة ثانية في باحة القصر الداخلية. وجاء أحد الضباط يستقبلنا وكان هناك عدد من رجال الإعلام إلتقطوا المشهد، وقادنا الضابط الى حيث يقيم العماد في ملجأ تحت الأرض. ورأينا بعض الجنود ونحن نمر في الممشى ونهبط الدرج للوصول الى المكتب الذي كان العماد عون ينتظرنا على مدخله. فصافحنا نحن ومرافقنا، نائبنا العام المطران بشارة الراعي، الذي بقي معنا الى بعد أخذ رجال الإعلام بعض الصور ثم انسحب. فبقينا في خلوة مع العماد.

موضوع البحث:

1-أطلعناه على مشروع الرئيس حسين الحسيني. فأجاب: هل المسلمون يستطيعون أن يبتّوا أمرًا من دون أن يعودوا الى السوريين؟ وهل إذا اتفق النواب المسيحيون والمسلمون في لبنان، لا يعمد السوريون الى حمل النواب المسلمين على العودة عن القرارات التي يكونون قد أخذوها مع النواب المسيحيين؟ وقد راقبنا مكالمة هاتفية بين الحص والأسد فطالب الحص بوقف النار، فقال الأسد: أليس عون وأعوانه من ابتدأوا؟ فصمت الحص.

2-لا بأس إذا اجتمع اللبنانيون بين بعضهم واتخذوا القرارات بالإتفاق فيما بينهم. وهكذا يكون العماد قد ناقض نفسه، فمن جهة يشك بمقدرة النواب المسلمين على اتخاذ قرار ومن جهة ثانية يقول: لا بأس بأن يجتمع اللبنانيون. هل هذا تهرّب من الجواب؟

3-لننتظر أن يتابع مجلس الأمن، الذي وضع يده على القضية اللبنانية، عمله بشأنها.

4-إن الحسيني ووليد جنبلاط وسواهما من أمثالهما باطنيون، يقولون ما لا يضمرون. وسأل: لماذا لا يذهب الحسيني الى بكركي؟ فأجبناه لأن المعابر مغلقة.

5-أفهمنا العماد أن مكانته تبقى محفوظة، فقال: أمنيتي أن أرجع الى بيتي، ولي من تعويضي ما يمكنني من أن أعيش.

6-كيف يمكن أن نقول إننا أسياد على أرضنا والمدافع السورية موجّهة من أعالي جبالنا علينا؟ قال العماد.

7-وقال: إني أعمل كعسكري واعملوا أنتم سياسة، والهدف هو واحد، ومتى تعبنا عسكريًا نعلمكم بذلك. وقلنا في سرّنا: ماذا ينفع القول، بعد أن يكون فات الأوان؟

8-أكد أن الوضع العسكري ممتاز والجيش قوي جدًا ومتماسك وسيكون هناك مجموعات وراء الخطوط السورية ستفجّر الوضع في وجه السوريين.

9-قررنا، قال العماد عون، وقف إطلاق النار إمتثالاً لنداء مجلس الأمن، ولكن سندخل بواخر. فإذا أطلق عليها السوريون النار، فهذا يعني أنهم لا يتقيّدون بنداء مجلس الأمن.

10-الخلاصة: يبدو لنا أن الوقت لم يحن بالنسبة الى الجنرال عون للبدء بترميم المؤسسات الدستورية ما دام السوريون لا يزالون في لبنان وباستطاعتهم أن يحملوا المسلمين في الحكم أن يغيّروا ويبدّلوا ما يشاؤون. والحكم اليوم أقوى بالنسبة الى المسيحيين منه يوم يشترك فيه المسلمون عن طريق تأليف حكومة وعودة المؤسسات الدستورية، والهدف إخراج السوريين وإعادة السيادة، وهذا ما طالبت به اللجنة العربية الثلاثية. وما من أحد يمكنه أن يقبل بأن يكون فهد بن عبد العزيز والحسن الثاني والشاذلي بن جديد أحرص على سيادة لبنان من أي مسؤول لبناني. وقال: إن العراق معنا وأما الدول المجاورة، ما عدا سوريا، فهي معنا وضدنا أو مناصفة، ويدعو ذلك استراتيجية مرنة.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل