.jpg)
عشية ذهابه إلى القاهرة للمشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب السبت 12 تشرين الأول الحالي، كان على وزير الخارجية جبران باسيل أن يزور الضاحية الجنوبية لبيروت للقاء الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، على مدى ساعات، بمشاركة مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا.
لم يكشف بيان العلاقات الإعلامية في الحزب مضامين اللقاء “وحقائقه وأسراره الدفينة”، بل تُرك الأمر للأيام اللاحقة ليتولى باسيل مهمة تظهيرها. وبدأت الخطة تتكشف من الاجتماع الوزاري العربي في القاهرة وصولاً إلى ذكرى 13 تشرين، يوم احتل جيش النظام السوري قصر بعبدا ووزارة الدفاع اللبنانية ولجأ العماد ميشال عون إلى السفارة الفرنسية، لتسقط المناطق الحرة التي بقيت عصيّة على جيش حافظ الأسد منذ اندلاع الأحداث اللبنانية في 13 نيسان 1975، في عتمات وعذابات الليل الطويل، الذي استمر حتى نيسان 2005 بعدما أجبر الاحتلال على الاندحار عن لبنان بنضال أحرار “ثورة الأرز” و”انتفاضة الاستقلال الثاني”.
اختار باسيل بلدة الحدث “شهيدة الاحتلال السوري” لإحياء ذكرى 13 تشرين التي سقط فيها آلاف الشهداء والجرحى من الجيش اللبناني والمدنيين في المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال بدم بارد، ولا يزال المئات من المخطوفين العسكريين والمدنيين يقبعون في سجون الأسد حتى يومنا هذا، وليعلن عن أنه سيتوجه إلى سوريا، بعد مطالبته في اجتماع القاهرة بإعادة النظام السوري إلى مقاعد الجامعة العربية، وإشادة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم على إثرها بـ”الموقف الشجاع” لباسيل مؤكداً أنه “حان الوقت لعودة سوريا”.
لم يوفر باسيل أحداً في خطابه التصعيدي، من دون أن يسمّي، مهدداً ومحذراً الجميع، من رئيس الحكومة سعد الحريري، إلى “القوات اللبنانية” إلى الحزب التقدمي الاشتراكي والحراك المدني. وجّه الاتهامات بسرقة “14 آذار” الحقيقية، وتحدث عن السياديين الجدد الذين كانوا أزلام سوريا، وتبرّأ من المسؤولية عما آل إليه الوضع الاقتصادي محمّلاً إياها للمسار المستمر منذ التسعينيات.
وبالمباشر، حذّر باسيل من سمّاهم بـ”المخربين الذين يتطاولون علينا بحراك وتحركات”، مهدداً، لكن الأخطر تحريضه رئيس الجمهورية على قلب الطاولة.
المحلل السياسي نبيل بو منصف، يعتبر أن “باسيل يلعب دور الواجهة التصعيدية المباشرة والداعم الأساسي له حزب الله، تحت عنوان إقليمي كبير وواضح جداً هو الانفتاح على النظام السوري وقيادة معركة إعادته إلى الجامعة العربية”.
ويوضح، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، أن “هذا التصعيد يتعلق بأجندة إقليمية لحزب الله وحسابات إيران في المنطقة، بتوظيف لحظة مهمة للحزب وطهران والمحور المسمى ممانعة، ألا هو انسحاب الولايات المتحدة من شمال سوريا وترك الأتراك لتنفيذ العملية العسكرية التي يقومون بها”.
ويلفت إلى أن “الإيرانيين لم يقوموا بردة فعل هامة تجاه هذه العملية العسكرية، كما لو أنهم ضمناً يوافقون عليها وتلاقي استحسانهم لأن طهران تخشى الأكراد أيضاً. بالتالي لم يعترض الإيرانيون على العملية التركية، بل يقومون باستغلالها في لبنان لتعزيز قبضتهم على البلد”.
ويرى بو منصف أن “حزب الله يستفيد من الجانب الإقليمي لهذا التصعيد، وفي المقابل يقوم باسيل بتلميع صورة العهد على مشارف انقضاء السنة الثالثة من ولايته الرئاسية، ليقول إن كل الفشل والانهيار من صُنع خصوم العهد وحلفائه معاً عبر ما يفبركونه من تركيبات فيما العهد براء من كل ذلك”.
ويشير إلى أن “هذه لغة المؤامرة التي يعتمدونها دائماً منذ 13 تشرين 1990، فيما رأينا بالأمس أين أصبح 13 تشرين الأصلي، في الوقت الذي لم يأتوا على ذكر أي شهيد أو معتقل في أقبية النظام السوري”.
ويستغرب المحلل السياسي ذاته “الحديث عن انقلاب”، ويسأل، “انقلاب على من؟ وقلب الطاولة على من وأنت العهد؟ هل هناك أحد يقلب الطاولة على نفسه؟”. ويضيف، “لو كان باسيل في المعارضة كنت تفهمت هذا الكلام، وربما كنت برّرته له. لكن أن يكون الواحد هو العهد والسلطة وكل شيء، ليس منذ ثلاث سنوات فقط، ألم يكن في الحكم منذ أكثر من عشر سنوات؟ بالتالي على من سيقلب الطاولة؟ على كل اللبنانيين؟”.
وإذ يسأل، “أين يُصرف هذا الكلام؟”، يجيب، “يُصرف في أنهم يؤسسون لأمر خطير جداً في البلد، لا أحد يعرف إلى أين يمكن أن يودي إذا كانوا جادين في هذا الأمر”.
ويؤكد بو منصف أن “هذا التصعيد الكبير سيتسبب، وتسبب فعلاً حتى الآن، بمناخ شديد الخطورة والسلبية على الوضع النقدي والمالي أكثر فأكثر من قبل”. ويسأل، “ماذا يقول الشباب للعالم الخارجي بهذا الكلام؟ يقولون إياكم أن توظفوا فرنكاً واحداً في لبنان”، معتبراً أنه “إذا كانت هناك دولة عربية أو أجنبية أو الدول الداعمة في مؤتمر سيدر على استعداد لتقديم فرنك للبنان، فلا أحد يعرف كيف سيتصرفون حين يسمعون كبير وزراء العهد وزير خارجية لبنان يقول هذا الكلام، فماذا يمكن أن يكون موقفهم من الآن فصاعداً؟”.
ويشدد على أن “باسيل الذي يتحجّج بوجود مؤامرة، يُمعن في زيادة التأزم المالي والاقتصادي والنفسي، وملامسة حدود التهديد بفتنة في البلد لا يمكن التكهن إلى أين قد تصل”، مشيراً إلى أن “ردة الفعل هذه المفرطة على المؤامرة المفترضة، تؤدي إلى نتائج أسوأ مما إذا كان فعلاً هناك مؤامرة”.
