وطني يحترق

يمر وطننا لبنان في أحلك مراحله بعدما بلغ القرن من عمر الدول. صحيح أننا نستعد للاحتفال بمئوية لبنان الكبير. لكننا وللأسف قد نحتفل بانتهاء هذه الجمهورية التي أقمناها على إرث مقاوماتي بلغ أكثر من ألف وخمسمئة عام من النضال والعرق والدموع والدماء حتى وصلنا إلى الكيان المنشود. فهل استحقينا هذا الوطن المجبول ترابه بدماء أبنائه؟ وهل استطعنا الحفاظ على هذا الارث الحضاري؟

إذا ما نظرنا إلى هذه المئة سنة المنصرمة قلما نجد فيها فترات ازدهار من عمر هذا الوطن. هي مليئة بالمشاحنات والمشادات على خلفيات مختلفة، مناطقية أو عشائرية أو عائلية أو دينية أو طائفية أو حتى مذهبية. وتلك كلها أدت إلى عدم استقرار في دولة لم تعرف يومًا أن تصبح ” الدولة القادرة القوية”، ليس لأي سبب إلا لأن بعضًا من أبنائها قرر أن يبيع نفسه ليكسب العالم غير آبه حتى بنفسه. والأدهى من ذلك ليس لحساب أي فئة من وطنه، بل لبعض من يكن لهم الولاء من خارج حدود الوطن.

من المؤكد أن التعميم لا يجوز في أي حالة، ونحن نرفض فكرة ” كلن يعني كلن”، تلك الثقافة التي يحاول بعض من لم يستطع دخول العمل السياسي إرساءها قاعدة للعمل في الشأن العام. لا تستطيع أن تقاطع الانتخابات ولا تنتخب من دون أي آفاق سياسية، لتعود إلى مراكز السلطة والقرار الطغمة نفسها فتتحكم بك لسنوات أربع، بينما حضرتك تئن وتنق وتلق في منزلك على إيقاع غرغرة الأركيلة ودخانها.

ولا يعني ذلك أننا نتهرب من المسؤولية أو من أي واجب متى نادانا الوطن. فتجارب التاريخ كفيلة بإظهار العكس تمامًا. يوم حاولوا إحراق الوطن بحربهم في أرضه كنا لهم بالمرصاد. واليوم وهم أنفسهم بقفازات بيضاء يحاولون مجددًا إحراق الوطن بفسادهم، نحن أيضًا لهم بالمرصاد؛ ولن نسمح لأي كائن حي بالتطاول على وجودية أو كيانية هذا الوطن مهما علا شأنه.

لبنان اليوم يحترق اقتصاديا. ولقد كنا لهذا الحريق بالمرصاد. تقدمنا بأنجح الخطط الاقتصادية وقلنا لهم أن يبحثوا عن مكامن الهدر الموجودة في التهرب الضريبي، والتهريب عبر الحدود، فضلا عن الهدر الحاصل في ملف الكهرباء؛ وغيرها من المشاريع التي تقدمنا بها لإطفاء هذا الحريق الاقتصادي، فرأيناهم يسوحون في بلدان العالم وحاشياتهم الملكية في أفخم الفنادق على حساب الوطن. وعوض إطفاء هذا الحريق الاقتصادي إذا بناره تشتعل أكثر.

لبنان يحترق سياديا. لقد انتهكوا سيادة الوطن بتقويض الدولة فيه وأسسوا لدويلتهم فيه. وها هم اليوم يحاولون قضم الدولة بأكملها وإطلاق جمهورية ثالثة تقوم على حساب مصالحهم الديموغرافية على حساب مصلحة الوطن. والمفارقة الصارخة في هذه الحالة، أنك تقع على من يزيد نارهم في هشيم ما تبقى من سيادة الوطن ليحرقوه بأكمله. وعندها يندمون، ولات الساعة ساعة مندمٍ.

بعدما كانوا رأس الحربة في قانون محاسبة سوريا، وبعدما اعتبروا زورًا أنهم آباء القرار الأممي رقم 1559، ها هم اليوم ينتقلون من محاسبة سوريا إلى مصالحة سوريا على حساب كرامة 622 معتقلا كان لهم الفضل الأكبر باعتقالهم. يبيعون كرامتهم فلا نتفاجأ إن باعوا كرامة الوطن!

لبنان اليوم يحترق بيئيا ويختنق. غابات لبنان صارت سوداء ليس بفعل احتراقها بالنار بل بفعل سواد فسادهم البيئي الذي حول بلد المياه إلى بلد أزمات المياه. والبلد الأخضر الوحيد في محيطه صار يشبه محيطه الصحراوي. وذلك كله بفعل قلة مسؤوليتهم الوطنية. الفاسد لا يستطيع أن يحاسب من يسبقه في سلم الفساد.

المطلوب اليوم واحد كي نخمد هذا الحريق. الشخص المناسب في المكان المناسب. الكفوء في طائفته أو دينه لنحافظ على الاستقرار الكياني. المطلوب اليوم إعلان حالة طوارئ في البلاد بشكل عام. وذلك لتلقف الكارثة التي ستحل إن لم نستدرك وقوعها من الاقتصاد إلى البيئة فالأمن كي لا نقول يومًا أمام أولادنا وأحفادنا ورثنا وطنًا فحولناه إلى مزرعة. ألا يوجد بعد أناس شرفاء وأصحاب اختصاص وكفاءة عند أي مكون حضاري من المكونات اللبنانية؟ ألا نستطيع إخماد نار الفساد واللامسوؤلية لننقذ الوطن؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل