الاستراتيجية الدفاعية: لا سلاح خارج الشرعية

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1699

الاستراتيجية الدفاعية: لا سلاح خارج الشرعية

الدولة وحدها سيدة القرار السياسي والعسكري

 

حال الإضطراب الدائم التي يعيشها لبنان منذ عقود، واستمرارها متحركة حتى بعد الإنتهاء المفترض للحرب في العام 1990، فرض اعتماد استراتيجية دفاع متناسبة مع العوامل المقلقة دائما من الجغرافيا إلى التركيبة غير المتجانسة وهشاشة الوضع السياسي وسط اضطرابات الإقليم. ليس لبنان من اليوم أو من الأمس أو من السبعينات في حاجة إلى استراتيجية دفاع تحميه، بل من قبل ذلك بكثير ولو بحسب ما تقتضي الظروف والإمكانيات. وثمّة من الخبراء من يعتبر أنه لو أمكن التوصل إلى مثل هذه الإستراتيجية لربما تجنّب لبنان الحرب أو معظم تداعياتها. وليس وضعُ إستراتيجية دفاعية اليوم، وإيجادُ حلّ لسلاح «حزب الله» مطلباً لبنانياً داخلياً فحسب، بل هو مطلب دولي، ويرتبط بدعم الجيش اللبناني إن من دول صديقة عربية وغربية، أو عبر المؤتمرات الدولية.

بعد محاولات الرئيس ميشال سليمان إنجاز استراتيجية دفاعية بتصوّر مُناقَش به ومقبول من القوى اللبنانية كافة، من دون بلوغ الأهداف المحددة نظرا لتسارع الأحداث من حولنا وأبرزها الحرب السورية، شدد العماد ميشال عون قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية على وجوب إقرار هكذا استراتيجية. وبعد انتخابه أعلن أن بحث هذا الأمر سيكون من أولوياته في ولايته الرئاسية. لكن غداة بدء النصف الثاني من الولاية الرئاسية، كان مفاجئا للبعض (وربما غير مفاجئ للبعض الآخر) إعلان الرئيس عون خلال حوار مع الاعلاميين في قصر بيت الدين: «لقد تغيرت حالياً كل مقاييس الإستراتيجية الدفاعية التي يجب أن نضعها. فعلى ماذا سنرتكز اليوم؟ حتى مناطق النفوذ تتغيّر. وأنا أول من وضع مشروعًا للاستراتيجية الدفاعية. ولكن هل لايزال صالحاً الى اليوم؟ لقد وضعنا مشروعاً عسكرياً مطلقاً مبنيا على الدفاع بعيداً عن السياسة، ولكن مع الأسف مختلف الأفرقاء كانوا يتناولون هذا الموضوع إنطلاقاً من خلفية سياسية». وهذا ما أوحى بأن البحث في الموضوع مؤجل حاليا، وما استدعى ردًّا وتوضيحًا من مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية من دون أن يشفي غليل الباحثين والمنتظرين.

طبعا، وكما يرى البعض، لا يُمكن توقُّعُ خروج الرئيس عون في المرحلة الراهنة بموقف يدعو، ولو بطريقة غير مباشرة، الى نزع سلاح «حزب الله»، أو بطرحِ استراتيجية دفاعية أساسها حصر السلاح في يد الجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية. على رغم ذلك، أثار كلامُ الرئيس عون على الاستراتيجية الدفاعية، ردودَ فعل وتخوُّفاً من تأثيره خارجياً لناحية تقديم المساعدات والدعم للجيش اللبناني، وفي وقتٍ يُحكى عن عقوبات ستُطاول مرتبطين بـ»حزب الله» وحلفاء له.

 

أسئلة بصوت عالٍ

في شباط 2018 أعلن الرئيس عون أن الاستراتيجية الدفاعية الوطنية ستكون موضعَ بحث بين القيادات اللبنانية بعد تشكيل حكومة جديدة. وهو كان قدّم مشروعَه بهذا الخصوص الى طاولة الحوار الوطني في العام 2008. وفي آب 2018، أكد لمساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن الدولي روبرت كارم «العزم على الدعوة الى حوار وطني حول الاستراتيجية الدفاعية بعد تشكيل الحكومة». أمّا في 19 آب 2019، فقال إن الظروف تغيّرت.

وفي هذا الخصوص كان سبق للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن أعلن أنه شجّع عون على قيادة حوار متجدّد في شأن الاستراتيجية. من جهته كشف المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش عقب مشاورات مجلس الأمن مؤخرًا حول القرار 1701، أنّ أبرز الأسئلة التي طُرحت كانت حول امتلاك الأسلحة من قبل جماعات مسلّحة مختلفة، أوّلها «حزب الله». وقد ذكر في العديد من تصريحات ممثلي الدول في المجلس أنّ وجودَ هذا السلاح «غير مقبول».

هذا التخوّف الغربي من سلاح «حزب الله» ونفوذه من جهة، واحتمال تسرّب أسلحة من عتاد الجيش إلى الحزب من جهة ثانية، جعل المسؤولين الغربيين يغتنمون كل مناسبة للتأكيد أنهم في حال تم حجب مساعدات خارجية للجيش، يكون السبب هو التخوّف من وصولها إلى «حزب الله»، وكذلك لأنّ أطرافاً عدة تعتبر أنّ «حزب الله» يخضع للإرادة الإيرانية، وبالتالي يُشكّل خطراً على دول ومصالح في المنطقة.

ولكن مثل هذه الوقائع هل توجب تأجيل البحث في استراتيجية دفاعية ناجعة للبنان لتجنُّب الألغام والمعوقات، أم أنها بالعكس يجب أن تسرّع في بحثها لنزع الألغام والمعوقات وفتح الطريق أمام لبنان آمن يوفّر لشعبه وزائريه الطمأنينة ولشبابه المستقبل الرغيد ولاقتصاده مقوّمات النهوض؟

هذا السؤال بات يتردد على صوت عالٍ بعدما كان يسري منخفضا في فترات سابقة. ومن تداعيات إطلاق الصواريخ على إسرائيل، والتهديد بإشعال المنطقة في حال تعرضت إيران لخطر، وكلّه من دون التنسيق مع الحكومة الشرعية، أنها تجعل البحث في استراتيجية دفاعية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، تداركا لأي خطر قد يتهدد لبنان وسط التشنج العالي المنسوب في الداخل اللبناني وفي المنطقة.

 

بين المحلي والإقليمي

يرى الخبراء أن البحث في الإستراتيجية الدفاعيّة للبنان لا يمكن أن يتم إلا من منظار إقليمي، وآخر دولي أوسع، ولا يمكن ذلك إلا بدراسة الجيوبوليتيك اللبنانيّ، حيث لا يتم إهمال العامل الجغرافي، لأن للجغرافيا معناها السياسي الذي لا يمكن إغفاله. وهذه الإستراتيجية لا تقتصر على الجانب العسكري وحده بل إن نجاحها يتوقف على شمولها الوقائع والمعطيات السياسية وما يتصل بالتركيبة اللبنانية الهشة من جهة وغير المتجانسة أو المتطابقة الأهداف من جهة ثانية. مع الأخذ في الإعتبار جميع الظروف المتقلبة المحيطة.

فالخبير الإستراتيجي الجنرال الياس حنا يعتبر أن لبنان كان ولا يزال ساحة تصفية للحسابات، وهو يشكل نقطة تلاقي خطي الإندفاع والتمدد في الوقت ذاته من جهة إسرائيل أو من جهة سوريا. بالنسبة لإسرائيل فإن الجبهة الشمالية –أي لبنان- هي التي تشكل خطرا مصيريا عليها، خصوصا بوجود قوة مسلحة في هذه الجبهة تتمتع بامتداد إقليمي إيراني – سوري، وحتى دولي في حال تدخل روسيا كما هو حال «حزب الله».

أما فيما يتعلق بسوريا فيُعَد لبنان الدولة العازلة لها، فسوريا من دون لبنان دولة عادية في المنطقة، ومع لبنان هي دولة إقليمية ذات قدرات عالية. والجغرافيا السياسية للبنان تفرض عليه ثقافة إستراتيجية، ومسلّمات جيوبوليتيكية على رأسها كيفية حماية أمنه القومي، وبالتالي بناء إستراتيجية الأمن القومي الخاص به.

هذا في المبدأ، لكن في الواقع إن أي بحث أو حديث عن استراتيجية دفاعية يعني بداية إيجاد إطار عمل ضابط لحركة «حزب الله» الخارجة عن إطار الشرعية، حتى لو لم يتوصل الأمر إلى وضع سلاح الحزب في أمرة الجيش اللبناني. وتاليا تكوين قناعة لدى الأطراف اللبنانيين كافة بأن الدولة هي الحامية للجميع وأن بناءها لا يتم إلا بتكاتف الجميع ولمصلحة الجميع.

 

لا اجتراح للبديهيات

مثل هذه القناعة تبدو مثالية ونظرية جدا في الوقت الحاضر نظرا إلى أن الوقائع السياسية تفرض معادلات مختلفة. وفي هذا السياق تشدد قوى لبنانية فاعلة على أن الاستراتيجية الدفاعية لا تخضع لأيِّ تبدّل أو تغيّر في المعطيات الميدانية، أكانت داخلية أو خارجية، وأنّها مسألة ثابتة ومن البديهيات اللبنانية الداخلية كالسيادة والحرية والإستقلال والديموقراطية. وتعتبر أن الاستراتيجية الدفاعية لا تستدعي استنباط المعجزات لتحقيقها، بل إنها واضحة وتقوم على ركيزتين أساسيتين:

الأولى سياسية استراتيجية، وهي أن يكون القرار السياسي الاستراتيجي المتصل بالحرب والسلم بيد الحكومة اللبنانية حصراً وليس بيد فريق أو حزب أو ميليشيا أو فصيل.

أمّا الثانية فعسكرية، أي أن لا سلاح خارج إطار الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية الشرعية».

وتؤكد هذه القوى أن كلّ ما هو خارج هذين الإطارين يكون تشريعاً لأمر واقع ولغياب الدولة في لبنان، فتشريعُ وجود سلاحين وجيشين ليس استراتيجية دفاعية، بل إنه تشريعٌ لأمر واقع يبقي حالة اللاحرب واللاسلم وحالة اللاإستقرار قائمتين في لبنان. بل أكثر من ذلك هو يشكل صاعق تفجير جاهزاً لإشعال الوضع في أي لحظة وما خطف العسكريين الإسرائليين في تموز 2006 وأحداث السابع من أيار في العام 2008 وما تلاهما من تداعيات إلا خير دليل على ذلك.

 

تباعد النظرة والقرار

على ضوء كل ما تقدّم أي حظوظ هي متوفرة اليوم لإنجاز الإستراتيجية الموعودة، وأي استراتيجية يمكن وضعها وتنفيذها في ظل الوضع الحالي؟

في الجلسة الثامنة للحوار الوطني بتاريخ 16 أيار 2006، قدّم السيد حسن نصرالله مطالعة طويلة استغرقت سبعين دقيقة، حول المقاومة ودورها في مواجهة إسرائيل. وكان اللافت فيها ما تضمنته من مقاربة تؤسس لاستراتيجية دفاعية تضطلع بتنفيذها المقاومة، مع دور مساند للجيش اللبناني، أي أن الجيش يساند المقاومة عند الحاجة وليس العكس. وقدّمت المطالعة أيضاً الآلية السريعة والفاعلة في اتخاذ قرار المواجهة لأي عدوان إسرائيلي من قبل المقاومة من دون الدخول في أية تعقيدات سياسية أو إدارية، وهذا بدوره يعني أن قرار الحرب والسلم يكون في يد «حزب الله» وليس في يد الدولة. ورأى السيد نصرالله أن سرعة إتخاذ القرار أمر لا يتوفر للدولة اللبنانية التي تخضع قراراتها لتعقيدات واعتبارات عديدة تؤخر اتخاذه. كما رأى أن هناك إختلالاً في موازين القوى العسكرية التقليدية بين إسرائيل ولبنان، وبأن المواجهة العسكرية تفترض وجود توازن في القدرات العسكرية، يؤمن للبنان القدرة على احتواء أي اعتداء إسرائيلي واسع. هذا الإعلان وجد فيه المراقبون قرارا واضحا وإبلاغا لمن يعنيهم الأمر بأن «المقاومة» غير مستعدة للنقاش حول سلاحها ولا حول أمرة هذا السلاح. وهي تعمل باستمرار على تقويض القدرات الدفاعية للبنان كما على إجهاض القرار السياسي حتى يتسنّى لها إستكمال مشروعها بل المشروع الإقليمي الموكل إليها تنفيذه.

فـ»حزب الله» مارس ضغوطه القوية على الدولة اللبنانية لإجبارها على اعتماد مقاربة «الثلاثية الذهبية» في الدفاع عن لبنان: الشعب والجيش والمقاومة، ولكنه رفض دائماً الإذعان لمطلب ربط قرار الحرب بسلطة الدولة المتمثلة بمجلس الوزراء، وهو ما زال يتمسك بحرية قراراته العسكرية في داخل لبنان وخارج الحدود، حيث تدخل الحزب في سوريا وفي عدة دول عربية أخرى، بالرغم من إعلان الحكومة اللبنانية، والتي يتمثل فيها الحزب، سياسة النأي بالنفس، وبالرغم من موافقته على إعلان بعبدا الذي دعا الى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة.

وبعد تسارع التطورات خصوصا في المنطقة بات الأمن القومي للبنان وتحصينه استراتيجيا مطلوبا بإلحاح وواقعية، وذلك عبر وضع استراتيجية دفاعية وطنية، تؤمن السيادة واستعادة الدولة لقرار الحرب والسلم، خصوصاً بعد أن تأكد أن قرار «حزب الله» العسكري بات يخضع كلياً لتوجّهات ولتوجيهات إقليمية لا علاقة ولا مصلحة ولا تأثير للبنان فيها.

وعليه لا بد من التشديد على أن الخطر على لبنان ليس هو الخطر الإسرائيلي وحده وإن كان ذلك من البديهيات. هناك مخاطر عديدة أخرى تُحدق بلبنان ولا تقل شدة عن الخطر الإسرائيلي، تبدأ بالإرهاب ولا تنتهي بأطماع الهيمنة من كل صوب. وهي أيضا يجب أن تكون مشمولة في أي خطة للدفاع. لكن الأمر لا يبدو قريبا في أي حال كما تؤكد مرجعية كبيرة. وما تصريحات وزير الدفاع الياس بو صعب، أثناء جولة له في الجنوب، والتي ربط فيها بين «الاستراتيجية الدفاعية وزوال الأخطار الإسرائيلية»، معتبراً أن «لبنان يحتاج إلى استراتيجية دفاعية تبحث حين تزول تلك الأخطار»، إلا إنعكاسا لما صرّح به أيضا الرئيس عون. وهذا التوجه يشي بأن لا نية حاليا لدى أطراف السلطة لبحث جدي باستراتيجية دفاعية، مهما تجمّلت سيبقى السلاح خارج الدولة محورها الأساس.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل