
يبدو أن حزب الله يستعد لتنفيذ خطوة ما على قدر من الأهمية تمكنه من مدّ نفوذه أكثر على مفاصل السياسة في لبنان، وصولاً ربما إلى فرض أجندته بشكل نهائي وإحداث تغييرات جذرية في بنية النظام إن سنحت له الفرصة، محاولاً استغلال الأحداث الجارية في المنطقة وانشغال الإدارة الأميركية بالتحضير لإعادة انتخاب الرئيس دونالد ترمب لولاية ثانية، وتجنبها الخوض في مواجهات كبرى في هذه اللحظة الحرجة.
الأستاذ في القانون الدستوري والسياسي الدكتور أنطوان سعد، يرى أن “اللقاءات التي بدأ الأمين العام للحزب حسن نصرالله يعقدها، سواء مع رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل أو مع رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية، وربما مع آخرين مستقبلاً، تأتي في سياق تبليغهم أمر اليوم حول خطة وضع اليد على البلد”.
ويرى، في حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، أنه “كما يبدو، نصرالله بات يدير بشكل واضح وصريح الحياة السياسية في لبنان، فيقوم باستدعاء شخصيات مسيحية، انطلاقاً من أن واجهة البلاد هي رئاسة جمهورية للموارنة، والحزب حتى الآن لا يستطيع أن يطلّ في القرار السياسي وفي الهوية السياسية للبنان إلا من خلال رئاسة الجمهورية”.
ويضيف، “بعدما تمكنوا من عرقلة الرئيس السابق ميشال سليمان، اليوم بات لديهم رئيس صرف محسوب بالكامل على فريق 8 آذار، ولديهم أغلبية نيابية. علماً أنه حتى ولو كانت الأغلبية النيابية عند الأطراف الأخرى، فلديهم ذاك السلاح القادر على عرقلة الحياة الديمقراطية واللعبة السياسية حتى في ظل غياب الوصاية السورية، كما حصل في الفترة السابقة”، معتبراً أن “هذه الاستدعاءات لباسيل أو لفرنجية هي لتبليغهم أمر اليوم كما أشرنا، ويبدو أن هناك أمراً خطيراً أو هاماً جداً كي يدوم كل لقاء 6 أو 7 ساعات”.
ويكشف سعد عمّا “يحكى في الخفاء عن خارطة طريق جديدة وضعها حزب الله، تقوم على إرضاء فرنجية بعد القول له إنه لن يخلف الرئيس ميشال عون إلا باسيل، لظروف داخلية وخارجية عدة منعت الأول من تحقيق خطابه، لذلك سيكمل باسيل. ما يعني استئخار تنفيذ الوعود المعطاة لفرنجية”.
ويعتبر أن “هذه الفرصة تتاح لباسيل بعد تقديمه كل أوجه الطاعة على أشكالها، وهو يكمل الخارطة السياسية الجديدة لحزب الله من خلال إعادة ربط لبنان بسياسة النظام السوري، وصولا إلى استدراج الوصاية السورية بطريقة أو بأخرى”، لافتاً إلى أن “هذا ما صرّح به سفير النظام في لبنان علي عبد الكريم علي الذي لم يكتف بإعادة وصل العلاقات مع نظامه وإعادته إلى الجامعة العربية بل قال ما معناه نحن نريد استعادة دورنا في لبنان لأنه يشكل الخاصرة الطبيعية لسوريا، ولبنان لا يمكن أن يستقرّ من دون التناغم والتنسيق مع سوريا، ما يذكر بالابتزاز السابق والحاضر والمستقبلي، على الرغم من أنه (شكلها) بالقول إن سوريا لن تجد الاستقرار إن لم تكن على تنسيق مع لبنان. ونحن نعرف ماذا يعني التنسيق والأخوة وخبرنا ذلك على مدى ثلاثين عاماً من التفجيرات والاغتيالات”.
ويعتبر سعد أن “ما يحدث للأسف هو العمل لتثبيت أن يكون رئيس الجمهورية الحالي أو المستقبلي ممثلاً للوصايتين الإيرانية والسورية المشتركتين. وفي الواقع هي وصاية إيرانية، مع إعطاء دور محدود لبشار الأسد فقط بما يؤمِّن الخاصرة السورية، لكن القرار الأخير يكون لولاية الفقيه وممثله نصرالله في لبنان”.
ويعرب عن أسفه لأن “يُضرب بيتي من قبل أبناء البيت، من خلال بعض المسيحيين الذي تعاملوا عبر التاريخ، سواء مع الأتراك أو المماليك أو النظام السوري، الذي يقومون بإعادته إلى لبنان بعدما أُخرج بثورة لم يختبرها التاريخ اللبناني منذ إنشاء لبنان الكبير. ويرى أن “عون والتيار يغطون هذه الحالة ويعيدون لبنان من جديد إلى الخاصرة السورية ويكرّسون وصاية حزب الله، إذ إنهم لم يتخذوا يوماً أي قرار يظهر على الأقل أن ثمة هيبة للدولة أو سيادة، لا سيما في ما يخصّ قرار الحرب والسلم”.
أما في يتعلق بالعلاقة المنشودة مع النظام السوري بحجة إعادة النازحين، فيؤكد سعد أن “من لم يستطع إعادة ضابط واحد في الجيش اللبناني أو مفقود واحد أو معتقل واحد من السجون السورية، فمن سابع المستحيلات أن يعيد نازحاً واحداً”، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تدخل ولم ينجح. وحتى الدول التي قاطعت سوريا أوحت للنظام كي يعيدهم ولم تنجح. وهناك تنسيق روسي تركي قائم ولا نجاح، لأن بشار الأسد يخشى من أنه في الفترة التي تلي عودة النازحين سيطالبه المجتمع الدولي بانتخابات ديمقراطية، وسيكون عاجزاً عن ضبط أصوات النازحين كما يشتهي لمصلحته لأنهم قاسوا وتألموا وتهجروا بسببه”.
ويتابع: “لذلك يستمر الأسد بممارسة كل ألعاب الابتزاز التي تتقنها عائلته منذ وصولها إلى الحكم، ابتزاز العالم بالملفات العراقية والفلسطينية واللبنانية، واليوم لديه ملف إضافي هو ملف النزوح. بالتالي، لن ينجح باسيل، فمن لم يستطع أن يعيد مخطوفاً ومعتقلاً معه بعد زيارة براد، لن يتمكن من إعادة النازحين”.
لكن سعد يرى أن “الأميركيين لن يسمحوا لحزب الله بالسيطرة الكاملة على لبنان، والدليل موقف السفارة الأميركية من ترددات حادثة قبرشمون بعدما تبيَّن أن هناك استهدافاً لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، والزيارة التي قامت بها السفيرة إليزابيت ريتشارد إلى قصر بعبدا، ما دفع العهد وفريق 8 آذار إلى التراجع. بالاضافة إلى تشديد العقوبات على المتهمين بالتعامل أو الذين يقومون بتغطية وتسهيل نشاطات حزب الله المالية ومساعدته في الالتفاف على العقوبات، كما حصل مع جمال ترست بنك كمثال”.
ويكشف، لموقع “القوات”، عن “توجه أميركي بفرض عقوبات على شركات تأمين، بالاضافة إلى ملاحظات معينة على ثلاثة مصارف لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم القاتل كما حصل مع جمال ترست بنك”، مؤكداً أن “واشنطن لن تسلّم لبنان إلى إيران وستستمر في التدخل لمنع تمدد نفوذها، وأن سياسة العقوبات وتصاعدها مستمرة وستطاول حلفاء الحزب”.
